الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

السلفية اصبح احتكارًا للحق وصكًّا لدخول الجنة وإقصاء المخالف لفهمهم

 

حين تتحول السلفية إلى أداة للتصنيف والإقصاء

ليس كل من رفع شعار السلفية قد أحسن تمثيلها، وليس كل من أكثر الحديث عن السنة كان بالضرورة أقرب الناس إلى روحها ومقاصدها.

فالعبرة ليست بالشعارات التي يرفعها المرء، ولا بالألقاب التي يمنحها لنفسه، وإنما بحقيقة ما يدعو إليه، وطريقة تعامله مع النصوص، وموقفه من العلماء والدعاة، ومدى التزامه بالعدل والإنصاف وأدب الخلاف.

ومن هنا، فإن نقد بعض الممارسات التي تُمارَس باسم السلفية ليس طعنًا في السلف، ولا انتقاصًا من منهجهم، بل قد يكون دفاعًا عن المنهج نفسه من الغلو في الانتساب إليه، وتحويله من طريق لاتباع الحق إلى وسيلة لاحتكار الحق وإقصاء المخالفين.

أولًا: حين يتحول الانتساب إلى السلفية إلى وسيلة للإقصاء

من أخطر ما ابتُلي به الخطاب الديني المعاصر أن يتحول الانتساب إلى منهج معين من وسيلة للتعريف بالهوية العلمية إلى معيار يُحاكم الناس على أساسه، ويُصنَّف العلماء والدعاة بمقدار موافقتهم لأشخاص أو جماعات بعينها.

فتجد بعض المتصدرين لا يكادون يختلفون مع داعية أو عالم في مسألة اجتهادية، حتى تبدأ سلسلة من الألقاب والتصنيفات: هذا ضال، وذاك مبتدع، وآخر مميع، وثالث متلون، ورابع لا يعرف منهج السلف!

وقد يتجاوز الأمر ذلك إلى إطلاق عبارات شديدة، تُصوِّر بعض الدعاة وكأنهم أشد خطرًا على الإسلام من أعدائه.

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل أصبح الاختلاف في الاجتهاد، أو مخالفة بعض اختيارات المتصدرين، سببًا كافيًا لإسقاط العلماء والدعاة والتشنيع عليهم؟

إن المنهج العلمي لا يقوم على توزيع الألقاب، ولا على محاكمة النيات، ولا على تحويل الخلافات إلى معارك شخصية؛ وإنما يقوم على الدليل، والعدل، ومعرفة مراتب المسائل، والتمييز بين الخطأ الذي يُردّ، والخلاف الذي يسوغ، والانحراف الذي يحتاج إلى بيان وبرهان.

فليس كل مخالف مبتدعًا، وليس كل خطأ دليلًا على فساد المنهج، وليس من حق أحد أن يجعل فهمه الخاص ميزانًا وحيدًا يُمتحن به الناس.

ثانيًا: النصيحة ليست تشهيرًا، والنقد ليس تصفية حسابات

من أعظم الاختلالات في بعض الخطابات الدعوية الخلط بين النصيحة والتشهير، وبين بيان الخطأ وتتبع العثرات.

فالنصيحة الشرعية مقصدها الإصلاح، وإرادة الخير للمنصوح، وبيان الحق بالحكمة والعدل. أما أن يتحول النقد إلى مشروع دائم لتشويه الأشخاص، وتتبع زلاتهم، واجتزاء كلماتهم، وحمل عباراتهم المحتملة على أسوأ المحامل، فذلك مسلك يحتاج إلى مراجعة جادة.

ومن المؤسف أن بعض من يرفعون شعار الغيرة على العقيدة والمنهج قد ينشغلون بأخطاء الدعاة ومواقفهم الجزئية انشغالًا يفوق اهتمامهم بتعليم الناس، وتزكية نفوسهم، ومعالجة مشكلاتهم، والدعوة إلى الخير.

ولا يعني هذا أن العلماء والدعاة فوق النقد، أو أن مكانتهم تمنع من بيان أخطائهم؛ بل الحق أن يُنصح المخطئ، ويُردّ عليه إذا أخطأ، ويُبيَّن الحق للناس عند الحاجة.

لكن الفارق كبير بين من ينقد ليصلح، ومن يتتبع ليُسقط؛ وبين من يبيّن الخطأ بأمانة، ومن يتخذ الخطأ ذريعة للطعن في صاحبه والحط من قدره.

فليس كل نقد نصيحة، كما أن ليس كل نقد تشهيرًا؛ وإنما يُعرف ذلك بالعلم، والعدل، والقصد، والطريقة.

ثالثًا: ازدواجية المعايير في التعامل مع العلماء والدعاة

من صور الخلل التي تستحق الوقوف عندها أن يُشدَّد في محاسبة المخالف، ويُتساهل في محاسبة الموافق.

فإذا أخطأ داعية لا ينتمي إلى الدائرة التي يرتضيها بعض المتصدرين، جرى تضخيم خطئه، واستدعاء مواقفه القديمة، والبحث عن كل كلمة يمكن أن تُحمَل عليه.

أما إذا صدر الخطأ نفسه، أو ما هو أشد منه، عن شيخ يحظى بمكانة خاصة لديهم، ظهرت التأويلات، وكثرت الاعتذارات، وأُغلقت أبواب النقد.

وهذا ليس من العدل في شيء.

فالحق لا يُعرف بأسماء الرجال، ولا تُوزن الأقوال بمقدار قرب أصحابها من جماعتنا أو بُعدهم عنها.

وإذا كان العالم يُصيب ويُخطئ، فإن المحبة لا تقتضي تبرير خطئه، كما أن المخالفة لا تقتضي إنكار فضله.

الإنصاف أن تقبل الحق ممن جاء به، وأن ترد الخطأ ممن صدر عنه، دون محاباة أو ظلم.

وما أحوج الخطاب الدعوي إلى هذا الميزان، حتى لا يتحول الولاء للأشخاص إلى حاجز يحول دون رؤية الحق، أو يتحول الخلاف معهم إلى مبرر لإهدار حقوقهم.

رابعًا: بين الغلو في النصيحة والجفاء عن واجبها

من العدل أن تكون النصيحة بميزان واحد، لا أن تُستعمل سيفًا على فئة، وتُعطَّل حين يتعلق الأمر بفئة أخرى.

فبعض الناس يبالغون في تتبع أخطاء الدعاة والعلماء الذين يخالفونهم، حتى تتحول النصيحة عندهم إلى فضيحة، ويصبح التحذير من الأشخاص غاية في ذاته.

وفي المقابل، قد يسكتون عن أخطاء واضحة تصدر ممن يوافقونهم، أو يتعاملون معها بقدر كبير من التساهل، مع أن مقتضى النصيحة أن يُبيَّن الخطأ حيثما وُجد، وأن يُراعى العدل في الجميع.

والمنهج القويم ليس في الإفراط الذي يجعل كل زلة قضية كبرى، ولا في التفريط الذي يمنع من بيان الأخطاء؛ وإنما في وضع الأمور في مواضعها، ومراعاة المصالح والمفاسد، والتفريق بين الخطأ العارض والانحراف المستمر، وبين المسائل الاجتهادية والأصول الكلية.

قال الله تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].

فالوسطية ليست سكوتًا عن الباطل، ولا تساهلًا في الحق، وإنما هي العدل الذي يمنع الغلو والجفاء، ويضع كل مسألة في قدرها الصحيح.

خامسًا: حين يُشغل الناس بالتصنيف عن قضايا الأمة

إن من المؤلم أن تتحول طاقات بعض المنتسبين إلى العمل الدعوي إلى معارك لا تنتهي حول الأشخاص والأسماء والتصنيفات، بينما تبقى قضايا المسلمين الكبرى بحاجة إلى العلم والعمل والبذل.

فبدلًا من توعية الناس، وتعليمهم دينهم، ومعالجة الجهل والانحراف، وتربية الأجيال على المسؤولية، قد ينشغل بعضهم بتتبع الدعاة، والتحذير من المخالفين، وإثارة النزاعات حول مسائل لا تستحق كل هذا الاستنزاف.

ولا يعني ذلك أن قضايا الأمة السياسية والاجتماعية والإنسانية تُعالج بلا ضوابط شرعية، أو أن كل اشتغال بالنقد والتصنيف مذموم؛ وإنما المقصود أن يُعطى كل أمر حجمه، وألا تتحول الجزئيات والخلافات إلى بديل عن واجبات الدعوة والإصلاح.

فالأمة التي تواجه التحديات الفكرية والاجتماعية، وتحتاج إلى العلم والوحدة والتعاون على البر، لا ينبغي أن تستنزف كل طاقاتها في الخصومات الداخلية.

ومن حق الناس أن يسألوا: ما الذي قدمه هذا الخطاب للأمة؟ وكم أسهم في تعليم الجاهل، وإصلاح المجتمع، ونصرة المظلوم، وتقريب القلوب، ومعالجة المشكلات الحقيقية؟

فالدعوة ليست مجرد تحذير من الآخرين، كما أن نصرة الدين لا تختزل في إسقاط الدعاة والمخالفين.

سادسًا: معرفة مخططات الأعداء ليست خروجًا عن الدين

ومن المسائل التي ينبغي تحريرها أن الاهتمام بأحوال الأمة، ومعرفة ما يحيط بها من تحديات، ودراسة أفكار خصومها ومخططاتهم، ليس في ذاته أمرًا محرمًا، بل قد يكون من وسائل الوعي والاستعداد وحماية المصالح.

لكن ذلك لا يعني إباحة كل مصدر، أو تصديق كل معلومة، أو الانشغال بنظريات المؤامرة، أو تجاوز الضوابط الشرعية والأخلاقية في البحث والنشر.

فالواجب هو التثبت، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المعلومة الموثوقة والشائعة، وبين النقد الموضوعي والتحريض.

أما الاستدلال بقصة نظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شيء من كتب أهل الكتاب، وجعلها دليلًا على تحريم الاطلاع على أحوال الأمم وأفكارها بإطلاق، فهو استدلال يحتاج إلى تحرير؛ إذ لا يصح التسوية بين الاطلاع على نصوص دينية بقصد الاستغناء بها عن الوحي، وبين دراسة واقع الأمم ومناهجها وسياساتها للاستفادة من المعرفة وكشف المخاطر.

والأحكام الشرعية لا تُبنى على التشابه الظاهري بين صورتين مختلفتين، وإنما تُفهم النصوص في سياقاتها، وتُجمع الأدلة، وتُراعى الفروق بين المسائل.

فليس من الحكمة أن نُغلق أبواب المعرفة، كما أنه ليس من الحكمة أن نفتحها بلا ضوابط.

سابعًا: الاستعانة بالسلطة لإسكات المخالف ليست بديلًا عن الحجة

ومن أخطر الممارسات التي ينبغي التحذير منها أن يتحول الخلاف العلمي أو الدعوي إلى استقواء بالسلطة، أو محاولة لإسكات المخالف من خلال الوشاية به، أو تصويره على أنه خطر لمجرد مخالفته في اجتهاد أو موقف.

فالأصل في الخلاف العلمي أن يُناقش بالحجة والبرهان، وأن يُردّ القول بالدليل، لا أن يُستعاض عن المناقشة العلمية بالتشهير، أو التحريض، أو السعي إلى الإضرار بالمخالف.

وإذا ثبت على شخص جرم أو اعتداء أو تهديد حقيقي، فذلك باب آخر له أحكامه وإجراءاته، ولا يصح الخلط بينه وبين مجرد الاختلاف في الرأي أو الاجتهاد.

كما أن النصوص الواردة في التحذير من أبواب السلطان لا ينبغي أن تُحوَّل إلى أحكام مطلقة على كل من تعامل مع مسؤول، أو قدّم نصيحة، أو سعى في مصلحة عامة؛ فالأحوال تختلف، والمقاصد والوسائل والنتائج معتبرة.

لكن الذي يستحق الإنكار هو أن تُتخذ الوشاية وسيلة لتصفية الخصومات، وأن يُستغل النفوذ لإسكات الأصوات المخالفة بدل الاحتكام إلى الدليل والعدل.

فإذا عجز المرء عن نقض الحجة، فلا ينبغي أن يبحث عن وسيلة لإسكات صاحبها.

ثامنًا: لا تجعلوا المنهج ستارًا للتعصب

إن الانتساب إلى السلف لا يمنح أحدًا عصمة، ولا يجعل كل اجتهاد يصدر عنه صوابًا، ولا يبيح له أن يحتكر الحديث باسم السنة، أو أن يجعل مخالفيه خارجين عن المنهج لمجرد أنهم لم يوافقوه في كل مسألة.

كما أن نقد هذه الممارسات لا يبرر ظلم كل من ينتسب إلى السلفية، أو اتهام الجميع بالتعصب، أو جمع المختلفين في حكم واحد.

فالعدل الذي نطالب به لعلمائنا ودعاتنا يجب أن نلتزمه نحن أيضًا.

ومن أراد أن يدافع عن السنة، فليدافع عنها بالعلم والبيان، ومن أراد أن ينصر الحق، فليكن عادلًا مع الموافق والمخالف، ومن أراد أن ينصح، فليجعل الإصلاح غايته، لا التشفي والانتصار للنفس.

إن المنهج الحق لا يخشى السؤال، ولا يضيق بالنقد العلمي، ولا يحتاج إلى تشويه المخالف حتى تظهر قوته؛ بل تزداد قيمته حين يُعرض بالدليل، وتُحفظ في سبيله الحقوق، ويُلتزم في الدفاع عنه بالصدق والإنصاف.

الخاتمة: أ意ن نريد اتباع الحق أم احتكار الحديث باسمه؟

إن أخطر ما يصيب الخطاب الديني ليس مجرد وقوع الخطأ، فكل إنسان يؤخذ من قوله ويُرد، وإنما أن يتحول الخطأ إلى منهج، والتعصب إلى ولاء، والتصنيف إلى غاية، والطعن في المخالف إلى عمل يُظن أنه من أعظم القربات.

فلا تجعلوا السلفية عنوانًا للخصومة، ولا السنة ذريعة للتشهير، ولا النصيحة غطاءً لتصفية الحسابات.

فالسنة تُنصر بالعلم والعدل، والدعوة تُخدم بالحكمة والإخلاص، والحق لا يحتاج إلى الظلم كي ينتصر.

ولنتذكر دائمًا أن العدل ليس أن ننصف من نحب فحسب، بل أن نلتزم الإنصاف حتى مع من نختلف معهم.

ذلك هو الامتحان الحقيقي للانتساب إلى المنهج، وذلك هو الفارق بين من يريد اتباع الحق، ومن يريد أن يكون الحق تابعًا له.

والله ولي التوفيق.