الخميس، 4 مايو 2017

حمل من هنا كتاب الغناء والموسيقى ( نظرات ومراجعات ) .. د. صلاح الراشد

حمل من هنا كتاب الرائع .. د. صلاح الراشد الغناء والموسيقى (نظرات ومراجعات)

الغناء والموسيقى (نظرات ومراجعات)

د. صلاح صالح الراشد

ملاحظة: ليست على هذه المادة حقوق، فقط يتطلب منك ذكر المصدر.

أصل التحقيق والبحث:

كتب الشيخ المحقق والمحدث عبد الله بن يوسف الجديع كتاباً بعنوان "الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام"، ويميز كتابه هذا أن الشيخ متجرد على غير عادة المحققين؛ فالمحققون يحققون مع وجود الافتراضية مثلهم مثل الباحثين. وهناك في الحقيقة خلل في هذا الموضوع عند البحث والتحقيق؛ ذلك أن هذا الأمر يؤثر في سير الحقيقة في التحقيق أو الدراسة. يعني لو افترض القاضي أن الشخص مجرم أو برىء مبدئياً فسوف يؤثر ذلك على سير القضية حتى لو تلمس الحيادية.

ورغم أن الأصل البراءة لكن يظل متهماً وليس بريئاً لحين أن تثبت تهمته أو براءته؛ لهذا فرض الإسلام على القاضي عدم الحكم في العجلة أو القرابة أو الحاجة أو الانفعال، وهو كذلك العمل في أصول القضاء اليوم؛ حيث يجوز للقاضي الامتناع عن القضية دون إبداء أسباب؛ كأن يكون للمتهم قرابة معه، أو يكون تأثر عاطفياً تجاه متهمة، أو يكون كره شخص دون سبب .. الخ. هنا تواجدت فرضية واعية أو غير واعية لذا فتأثيرها على القضية حتمي.

في البحث كذلك، لو وضعت افتراضية بنعم أو لا أو بحلال أو حرام فسوف تثبت ما افترضت في الطريق بوعي أو بغير وعي. وغالب أهل التدين لا يتقنون هذه الصنعة (الحياد) رغم أن حديثهم عنه كثير. ولذلك أنا شخصياً عندما أقرأ لأحد من أهل التدين من كل الأديان أكون حذراً جداً في التلقي، وليس على سهالتي، بل حذر من سير الأدلة لأن أهل التدين أهل عقيدة يقينية يعني ليسوا متجردين بل أتباع لمنهجية محددة، فقد لا يكونوا أحراراً في الحكم والتحقيق. لو شذ فرد في الجماعة التي ينتمي إليها رسمياً أو شكلياً فسوف يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية، بينما الباحث المتجرد لا يهمه رأي الجماعة.

أقول أن الشيخ عبد الله الجديع فرش بحثاً دون افتراضية. يريد أن يعرف حكم الإسلام في الموسيقى والغناء. ولأن هذا الأمر يهمني وهو من جملة ما أعمل عليه؛ فأنا من ضمن عمق رسالتي عمل Paradigm Shifts أو ما قد نسميه تحويل القناعات من خلال عرض الاحتماليات وتوسيع الخيارات؛ فأنا أرى أن أكثر الخلل الموجود في تحقيق السعادة في الدارين سببه ما يحمله الإنسان من قناعات.

إن هناك من الناس رغم إيمانه، وإن شاء الله بذلك يفوز في الآخرة، إلا أنه يعاني الأمرين في الدنيا بسبب منهج حياته. إن المؤمن لا يجب أن يعاني في الدنيا، وهذا الاعتقاد اعتقاد هندوسي شرقي وهو موجود في الشرق قبل الهندوسية اجتهد بودا في نقضه، لكنه واجه تياراً كبيراً. ولذلك 800 مليون هندي اليوم يعتقدون بهذا الاعتقاد "الدنيا كارما"، معاناة، دفع ضريبة، ابتلاء. ومعهم ربما نصف المسيحيين وأكثر من نصف المسلمين، بالذات المتدينيين.

إن المتدينين المسلمين يعتقدون أن الابتلاء من الله، وأن في الابتلاء أجر وتكفير للذنوب، وأن الأشد ابتلاء لا بلاء كما في نص الحديث أفضل ديناً طبعاً، هذا يجذب للحياة الابتلاء المستمر. تخيل لو كان هذا الاعتقاد قوياً في نفس الإنسان فإن هذا الشخص سوف يجتهد، بوعي أو بلا وعي، في جلب ابتلاءات ومشاكل وأمراض لحياته، خاصة إذا كان متديناً كون أن ذلك يقربه إلى الله أكثر ويحببه فيه، ويكفر عنه سيئاته إن هذه علاقة بين الابتلاء وطلبه والرغبة فيه.

مثال آخر: وهو كون القدر عند غالبية المسلمين اليوم ثابت (static)، وأنا من ضمن قناعاتي أن القدر تفاعلي (interactive). إن هاتين العقيدتين مختلفتان تماماً ونتائجهما مختلفة تماماً. إن غالب الدعاة والمشايخ والخطباء يدعون اليوم لعقيدة "القدر الثابت" وهي في العمق عقيدة إرجائية. والمرجئة طائفة رفضتها السنة والشيعة والمعتزلة كونها عقيدة تدعوا إلى إبطال العمل القلبي والحسي. وكثير من أهل الدعوة اليوم ينتمون إلى هذه العقيدة رغم عدم معرفتهم، فيجب أن تعرف أن أغلب الناس ولو اتصف بالعلم نقال، ينقل الكلام، ولا يفقهه أو يعرف عمقه.

بل قد يحارب الصواب ظناً منه أنه ينصر الحق، كما حصل للشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، إذ طُرد من الجامعة الإسلامية في المدينة بتهمة الإرجاء بينما خصومه دون ذكر أسمائهم لتجنب الحساسية في الموضوع لأن أحدهم لا يزال في هيئة كبار العلماء في المملكة هم أنفسهم يدعون للعقيدة الإرجائية طوال الوقت. وهي من المتناقضات التي تتوالم، لأن شبيه الشيء يجذبه إليه كما قال الشاعر العربي. إن هذه الموضوعات لها مكان آخر في المستقبل بإذن الله.

هل المجتمع الخالي من الغناء والموسيقى مضر؟

إن أصل طرح هذا البحث كان في معرفة ما إذا كان من لا يسمع الغناء والموسيقى قد يؤثر سلباً على المجتمع. وأنا رأيت أن هناك صلة بين الأمرين: العنف والموسيقى، سواء من يسمعها أو من لا يسمعها. فعلى سبيل المثال سماع الموسيقى الصاخبة له علاقة في جماعات العنف وعصابات الشوارع، كما أن جماعات العنف الإسلامية لا تسمع الموسيقى ألبته هناك علاقة (correlation). في علم الاجتماع الارتباط لا يعني بالضرورة السببية (Correlation doesn't mean causation)، والحكم في معرفة ذلك هو في التحقيق.

إن الارتباط هو في كون أن الذين لا يسمعون الموسيقي عنيفون ناشفون جديون، قاسون، غير سعداء، لديهم مشاكل كثيرة في العلاقات مع من حولهم من الأهل والناس والذين يعزفون الموسيقى فيهم رقة، وحنية، وابداع، ولين. ومن هذه الملحوظات كذلك أن القراء (سواء المسلمين أو الكنسيين) فيهم رقة كذلك، وليونة، كونهم يتغنون بالترتيل. إن هناك ارتباطاً، مرة أخرى ليس بالضرورة سبباً.

مثال: ليس من طالبان أو القاعدة أي شخص يسمع الموسيقى أو الغناء بل يرون حرمته ويغلظون في ذلك. ليس من اتباع المنهج السلفي كذلك من يسمع الموسيقى والغناء، وهذان الخطان معروفان بالعنف أو الجدية.

إن هذا الأمر لم يكن في الصحابة رضي الله عنهم فقد ثبت عن عشرات منهم بالذات كبارهم سماع الغناء، والحداء، والشعر، والأدب، والآلات الموسيقية المتاحة وفق ما بينته عشرات الأحاديث والآثار الصحيحة كما سيأتي بيانها لاحقاً في المقالات إن شاء الله بينما في الخوارج غلظة وعنف وهم لا يسمعون الغناء ولا الآلات. ويحتج البعض بأن هناك من الصحابة من كان لا يسمع الغناء ولا الموسيقى ومع ذلك عُرف برقته كعبد الله بن مسعود رضي الله عنه والنقاش هنا في كونهم كانوا يتغنون بالقرآن بالذات ابن مسعود؛ فهناك علاقة معينة. إن هذه الدراسة حري أن يقوم باحث بعملها شريطة ألا يضع افتراضية، ذلك أننا لن نناقشها هنا في هذا البحث.

إن هذا الكتيب بدأته بمقالات في facebook واستفدت فيه من ملاحظات المشاركين في صفحتي على الفيس بوك والتي أطرح فيها بشكل شبه يومي مجموعة من الخواطر والمقالات والأفكار والفوائد والأخبار (http://www.facebook.com/ssalrashed).

أنا في الحقيقة شخص صعب في القناعة، لا أقبل قناعاتي بسهولة من الآخرين، غالباً ما أدرس أي قناعة جيداً قبل قبولها، كما أن منهجي متفتح، لا أنتمي لجماعة ولا مذهب ولا حتى طائفة، أقول إني مسلم ومع هذا فكوني مسلماً لا يعني تميزي على الآخرين ألبته، بل لدي تفسير في معنى المسلم لا يتوافق مع غالبية التيار الديني، لهذا وضعت معايير للاستفادة منها في البحث من التعليقات في الفيس بوك. وكانت المشاركات سواء تلك الموافقة أو المخالفة بأدب أو العنيفة، والتي زادت عن الألفين رداً، وقُرأت، وفق تقييم الفيس بوك الرسمي، من قرابة نصف مليون مشارك (impressions)، كلها مفيدة لي في تطوير هذا البحث ليخرج بحلته الحالية.

طلبت كذلك من المشاركين في الفيس بوك وعددهم يتعدى 21,000 شخصاً وقتها أن يعرضوا البحث على مشايخهم ومن يعرفون من أهل البحث فجاءتني بعض الردود المفيدة كذلك. كذلك قمت بالنظر في مئات المراجع والكتب والمواقع، وقرأت آلاف الفتاوى من الأطراف المختلفة: الموافقة والمخالفة والمقيدة والداعية.

ثم أخيراً عرضت البحث على مجموعة من العلماء والمشايخ وطلبة العلم وكان أهمهم واكثرهم علماً فضيلة المفتي أ. د. عجيل جاسم النشمي، الذي أفادني كثيراً في إعادة وتصحيح وتغيير الموجود في البحث أصلاً.

سير البحث:

سأناقش أولاً أدلة القائلين أن الغناء والموسيقى أمراً جائزاً، وليس حراماً في الشريعة الإسلامية، ثم أدلة من يرى التحريم، ثم نكمل في البحث.

الدليل الأول:

سأستعين في البداية في بحث الشيخ عبد الله الجديع كما ذكرنا كونه الأكثر ترتيباً حالياً وأعتقد، شخصياً، فيه الحيادية والمصداقية.

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها أيام منى وعندها جاريتان تغنيان وتضربان بدفين ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى على وجهه الثوب (وفي رواية مستتر بثوبه لا يأمرهن، ولا يناههن، فنهرهن وفي رواية فانتهرهما) أبوبكر، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه عن وجهه، فقال: "دعهن وفي رواية: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد".

حديث صحيح، أخرجه أحمد وابن راهويه، والنسائي وابن حبان والبخاري (909)، ومسلم (892)، وابن ماجه (1898)، والبيهقي (10/224) والطبراني (الكبير 23/180)، وأبو نعيم الأصبهاني، وابن أبي الدنيا، وآخرون.

دعنا نذكر الفوائد من هذا الحديث:

  1. جواز غناء البنات: ههنا سيدتان أو ابنتان تغنيان مع عائشة رضي الله عنها.

  2. جواز سماع المرأة لغناء البنت أو المرأة: فهذه السيدة عائشة رضي الله عنها تسمع للجاريتين تغنيان.

  3. جواز سماع الرجل للمرأة وهي تغني: فهذا النبي صلى الله عليه وسلم موجود في البيت ولا شك أنه يسمع وربما أنه لا ينظر ربما لخصوصية في وضع الجاريتين مع السيدة عائشة. وكذلك أبو بكر استمع لهما بعد أن طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعهما، وهو متواجد في البيت، واستمرتا تغنيان.

  4. إقرار النبي صلى الله عليه وسلم بمشروعية الاحتفال بالغناء من قبل البنات: بدليل لفظ "دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد"، فشرع الاحتفال بالمناسبات كما سيأتي في أدلة أخرى أو في العيد كما هو هنا.

  5. رد من أنكر الاحتفال: فشرع لك النبي صلى الله عليه وسلم أن ترد على من لا يريد من الناس أن تحتفل في العيد. ومن ذلك كلام الخطباء بالجملة غير السوية: "ليس العيد باللبس الجديد ولكن العيد بتذكر يوم الوعيد"، فهذا خلاف السنة. فالسنة اللبس الجديد، والفرح والغناء، ويوم القيامة هو شعور ملازم للمسلم في كل وقت ولا يفزعه بالضرورة طوال الوقت. والاحتفال بالعيد سنة.

  6. رد من أنكر على غناء المرأة: فالنبي صلى الله عليه وسلم صوب أبا بكر ولم يقره، بل حتى أبو بكر لم ينكر غناء المرأة لكنه استنكر الفعل في بيت النبوة. فجاز لك أن ترد على من ينكر على البنت تغني.

  7. جواز السماح أو جلب المغنيات للبيت والأهل: لو أن شخصاً جاء ببنات يغنين في بيته لكان عمل بهذه السنة الكريمة التي تدخل البهجة والسرور على البيت والأهل خاصة في المناسبات السعيدة. وطبعاً هذه السنة لا يعمل بها المتنطعون.

  8. جواز استخدام آلة موسيقية في البيت للغناء: إن هذه مسألة سيأتي شرحها لاحقاً، لكن يكفي الاتفاق على جواز استخدام الدف. فهذا الدف في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويعزف من قبل مغنية والسيدة عائشة، وربما أبو بكر كذلك يسمعون كلهم. وهذه الآلة شرعت في مواضع كثيرة جداً في أحاديث أخرى متواترة، وهي هنا صريحة جداً بأنها عزف وغناء في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبحضوره وحضور زوجته الكريمة.

  9. جواز استخدام أكثر من آلة في المجلس أو العزف: فالحديث نصه: "دفين" كما في هذه الرواية. والمعنى أن كل جارية منهما بيدها دف تعزف فيه.

  10. الدف آلة موسيقية معتبرة: بدليل لفظ أبي بكر في رواية صحيحة كذلك: "مزمار الشيطان؟" (وهذه الرواية عند البخاري). فاعتبرها أبوبكر، مثل أي عازف آلة موسيقية والمزمار في الأصل آلة موسيقية ليست الدف، بل هي من الآلات النفخية كالناي والشبانة والكليرينت والساكسفون والكاوالا والمجوز والأرجول، وهناك آلة لليوم تسمى المزمار. فقوله مزمار أي آلة فدل الحديث على جواز الآلة كما سيأتي لاحقاً بإذن الله جواز آلات أخرى.

  11. خلل عقدي فيمن استشهد بكلام أبي بكر وترك عدم إقرار النبي صلى الله عليه وسلم: تعريف السنة أنها ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو إقرار. وتسمى سنة فعلية أو قولية أو تقريرية. فهنا دلالة واضحة على عدم إقرار كلام أبي بكر رضي الله عنه. بل رده وطلب منه تركهما؛ ففيه مؤشر بأن فعلهم (البنات الثلاثة: السيدة عائشة والجاريتان) صحيح، ولا شيء فيه، ولا هو من فعل الشيطان. ومعلوم أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على كل أحد بما في ذلك أبي بكر رضي الله عنه، لكن لاحظ الفكر غير السوي في هوس التحريم كيف يستدل بقول أبي بكر ويرد كلام نبيه صلى الله عليه وسلم. أدخل اليوتيوب واسمع كلام ألف شيخ في هذا الاستدلال لتعلم الانحراف الفعلي في الخطاب الديني. ولربما كان قول أبي بكر رضي الله عنه "أمزمار" وفي رواية "مزمارة الشيطان" (الرواية عند البخاري كذلك رقم 3566)، لما سمع الخطأ منهما إذ في رواية البخاري "وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث" فصارت هي العلة كونهما يغنيان بشيء من المخالف للآداب والداعي للحروب وفساد الأخلاق، فحرب بعاث حرب جاهلية، فهذه كلمات مرفوضة وهي مزمار الشيطان.

  12. جواز التعبير بالبهجة من خلال الغناء والعزف: وهذا ما فعلته أمنا رضي الله عنها بجلب الجاريتين.

  13. رد طعن من رأى أن هذا خاص بعائشة: كما حاول الشيخ راضي الحبيب في الكويت في رده على مقابلتي في قناة الوطن. فالسيدة عائشة أكرم وأعلم من كل علماء الدنيا ورجالها اليوم بما فيهم الشيخ الحبيب. والإمام ابن حجر العسقلاني عندما ترجم لعائشة قال: "أعلم نساء الأرض إطلاقاً!". فلا اعتبار لهذا الكلام، وحتى لو افترضنا ذلك، والعياذ بالله، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان موجوداً.

إن هذا الحديث وحده، وسنأتي بإذن الله لذكر عشرات أخر، كاف من كون الغناء والعزف بالدف والسماع أقل ما يقال فيه الجواز.

نقل الإمام الشوكاني قول العلامة الفاكهاني: "لم أعلم في كتاب الله ولا في السنة حديثاً صحيحاً صريحاً في تحريم الملاهي (يعني الآلات الموسيقية) وإنما هي ظواهر وعمومات يستأنس بها لا أدلة قطعية" (الشوكاني: نيل الأوطار جـ 8/104)، وهذا القول نفسه قاله الإمام العلامة بن حزم والإمام المجدد أبو حامد الغزالي - رحمهما الله.

الدليل الثاني:

عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن كنت نذرتِ فاضربي، وإلا فلا"، فجعلت تضرب.

حديث صحيح، أخرجه أحمد (5/353، 356) والترمذي (رقم 3691) وابن حبان رقم (4386) والبيهقي (10/77) وأبوداود (3312) وغيرهم.

والحديث فيه تتمة مشكلة ".. فجعلت تضرب، فدخل أبوبكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت استها ثم قعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالساً وهي تضرب، ثم دخل أبوبكر وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف".

قال الشيخ الجديع:

قلت: فهذا الحديث حجة قوية في إباحة العزف والغناء بغير محذور، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه" (رواه البخاري ومالك وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه). وقال: "لا نذر في معصية الله"، وفي رواية: "لا وفاء لنذر في معصية" (رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي). فلو كانت هذه المرأة نذرت محرماً لما أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء به، وإنما أذن لها به لكونها نذرت مباحاً .. وهذا من أبلغ ما يكون في رد زعم أن العزف بالدفوف والغناء لا يحل إلا في عرس وعيد، فلم تكن هذه المناسبة عيداً ولا عرساً. قد جمع الكل معنى السرور؛ فالعرس والعيد وقدوم الغائب العزيز مناسبات سرور، فأبيح فيها العزف والغناء من أجل هذا المعنى .. (الجديع، الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام ص 222-223).

إن الإشكالية في الحديث هي في قوله لعمر "إن الشيطان ليخاف منك" في مثل هذا الموضع إن هذه الفقرة من الحديث إما علة في المتن أو زيادة من الراوي من حديثين مختلفين أو لغة دارجة بين الحجازيين. إن المقصود بالعلة في المتن هي اضطراب في كلام الراوي؛ فالحديث الصحيح هو ما نقل عن العدل الثقة بسنده متصلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير علة ولا شذوذ. لهذا التعريف 6 شروط:

  1. اتصال السند.

  2. عدالة الراوي.

  3. ثقة الراوي.

  4. نهايته للنبي صلى الله عليه وسلم.

  5. خلوه من الشذوذ.

  6. خلوه من العلة.

الأخيرتان صناعة دقيقة جداً لا يتقنها إلا كبار العلماء مثل البخاري والدارقطني وأمثالهما، أما الشروط الأولى فقد يتقنها محدث متمكن. مثال ذلك أن يخالف الحديث آية قرآنية أو حديث متواتر فهنا يدلك أن في الحديث علة وشذوذ فلو صحت الزيادة هذه بفقرتيها وهو كذلك وفقاً للمختصين فهذا يعني أن هناك تأويلاً مختلفاً لما قد يظهر من المعنى.

لأن ظاهر المعنى أن الشيطان كان موجوداً مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ففر لما رأى عمر رضي الله عنه. وهذا يستحيل، كون هناك رجلان أفضل من عمر ورجلان فاضلان من أعلى فضلاء الأمة فلا يعقل أن الشيطان فر من عمر لكنه تقوى في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعثمان وعلي. هذا يقوله من قل علمه واختلت عنده الموازين. وبعض العلماء والمشايخ يستدلون به من هذا الوجه، وهو خطأ عقدي مخل.

والمعنى قد يكون أن لكلمة "شيطان" في الحجازية معنى مخفف والحجازية هي لغة القرآن الكريم ولغة السنة النبوية الأصيلة والحكم لها في النهاية.

مثال: أن القرآن في سورة يوسف يقول: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ} (يوسف/31) ولا يقال في اللغة العربية الدارجة (ما هذا بشراً) بالفتح وإنما يقال ما هذا بشرٌ بالضم. لكن أهل الحجاز وقتها يلفظونها هكذا، ولذا سماها العلماء "ما الحجازية"، والتي تنصب في لغة الحجازيين. من لا يفهم هذا يُخطأ القرآن الكريم ويظن أنه خطأ في قواعد اللغة وإعرابها، مثل ما ظنه بعض المستشرقين الأعاجم.

مثال آخر مختلف: القرآن الكريم يقول: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أcellَطْعَنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (النساء/34)، فهنا أمر بضرب النساء في حالة النشوز، وهناك أحاديث صحيحة كثيرة نهت عن ضرب النساء، وشددت أن يكون هذا الفعل مشين، وأن صاحبه ليس خيراً. فكيف السنة تخالف القرآن؟ والجواب: أن الضرب هنا في القرآن بلغة أهل الحجاز؛ فأهل الحجاز لا يضربون نساءهم، وهذا عندهم يخدش بكرامة الإنسان، لكنهم يقولون الضرب للسعي والتأديب والتعليم، كقوله تعالى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (المزمل /20)، وهذا لا يعني ضرب الأرض بل مجازية تعني السعي في الأرض.

وكما في حديث أبي سعيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها ولا يدع أحدا يمر بين يديه فإن جاء أحد يمر فليقاتله فإنه شيطان" (رواه ابن ماجه وهو عند البخاري وغيره). فلا يعتقد إنسان أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد أن يقتله، والعياذ بالله فلا يُقتل الإنسان بكونه يصر أن يمر بين يدي المصلي وإنما في اللغة "قاتله" غير "اقتله". والمقصود ادفعه أو رده، وهو موضوع إجماع بين كل العلماء في التاريخ، لم يقل منهم أحد بجواز قتل المار بين يدي المصلي، بل لو فعل شخص ذلك لجاز قتله حداً لأنه قتل نفساً بريئة، وفي العادة يحكم عليه القاضي بالإعدام لجرمه.

لهذا فيقيناً أن المقصود مختلف في الحديث وهو أن "الشيطنة" كما هو الدارج في اللغة اليوم واللهجات يعني اللعب والمرح فاستخدمها النبي صلى الله عليه وسلم ودمجها مع كون الشيطان يفر منه. ولا شك أن الشيطان كذلك يفر من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أبي بكر ومن عثمان ومن علي رضي الله عنهم جميعاً. ولاحظ في الحديث الآخر الذي ذكرته أيضاً في المرور بين يدي المصلي لفظ: "فإنه شيطان" ولا يعقل أن يكون الإنسان أو الحيوان شيطان، أي إبليس، ولكن شيطان بهذا التصرف غير السليم، مع ذلك فهو مسلم ومحترم كإنسان وبشر. فاستعير بكلمة "شيطان" هنا كذلك لتعزيز المعنى وتقويته والتنفير من فعل ذلك تعمداً. والناس تقولها أحياناً: "فلان شيطان" وهي تضحك أي ذكي أو حيال أو فطن أو كثير الحركة.

وحتى لو كان المعنى أن الشيطان جاء ليستمع معنا إلى غناء المرأة - رضي الله عنها - وجلس معنا فلما جئت يا عمر فر، فهذا لا يدل بحال على أن الغناء والعزف حرام. لأن هذا خدش في الاعتقاد كذلك أن تعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم يصر وأبو بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم على الحرام بينما يكون صاحب التقى عمر رضي الله عنه! ومع ذلك فسنأتي بالدلائل عن عمر رضي الله عنه في سماع الغناء لاحقاً بإذن الله من الآثار الصحيحة.

ونستفيد من هذا الحديث التالي:

  1. جواز غناء المرأة أمام الرجال: فهذه امرأة، وليست طفلة، والمستمعون لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

  2. جواز سماع الأخيار من الناس للغناء والعزف: قل لي بربك من أخير منهم؟!!

  3. جواز الغناء بالضرب: أي باستخدام آلة معينة للغناء، وهنا أستخدم الدف.

  4. جواز الغناء في المناسبات السعيدة وقدم المسافرين وفي غير العيدين: فهنا ليست مناسبة عيد.

  5. جواز تحدث المرأة مع الرجل في المكان العام: وصوتها ليس عورة ولا حديثها مع الرجل.

  6. جواز احتفال المرأة بالرجل من باب سلامته أو فوزه أو نصره: فهذه امرأة أجنبية للنبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك نذرت لسلامته.

  7. جواز الإطالة في الغناء: كون هذا الغناء لم يكن لثواني أو دقائق بسيطة، فالحديث يشير إلى أنه سمعها ثم جاء أبو بكر ثم جاء عثمان ثم جاء علي ثم جاء عمر، فهذا دلالة على طول الوقت.

  8. تغير رأي أبي بكر رضي الله عنه عن موقفه السابق: لأنه لا يحتمل أن يكون هذا الحديث قبل حادثة غناء الجاريتين في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا لأنكر هنا كذلك. لكنه لما أنكر هناك وصوبه النبي صلى الله عليه وسلم قبل وعرف فسكت هنا. وأبوبكر رضي الله عنه رجل وقاف عند كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا دليل آخر على وجود الغناء في بيئة ومحيط الصحابة وبإقرار سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام أبوبكر بن العربي المالكي في أحاديث التحريم: (لم يصح في التحريم شئ بحال) (أحكام القرآن 3/1494). ومثله قاله كذلك الإمام المجدد أبو حامد الغزالي وابن النحوي في العمدة وابن طاهر، وزاد: إنه لم يصح منها حرف واحد (النيل: 8/107).

وقال عبد الغني النابلسي في إيضاح الدلالات:

ويلزم من هذه الأحاديث إذا قلنا بإطلاق التحريم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل حراماً أو أمر به، ومن ظن ذلك بنبيه فقد كفر، وقد ثبتت النصوص بضرب الدف بحضرته، وغناء الجاريتين في بيته، ورقص الأحباش في مسجده، وإنشاء الشعر بالأصوات الطيبة بين يديه.

مع أن لفظ التكفير هنا غير مقبول بالإطلاق هكذا، ولا نقول به ولا نقبله فقد يكون الشخص متأولاً أو جاهلاً وهذا لا يدخله في كفر، والعياذ بالله.

الدليل الثالث:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين، ويقلن: نحن جوار من بني النجار .. يا حبذا محمد من جار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله يعلم إني لأحبكن"، وفي رواية: "اللهم أنتم من أحب الناس إلي، اللهم أنتم من أحب الناس إلي" يعني الأنصار.

صحيح. رواه ابن ماجه في سننه (1899)، وصحح إسناده البوصيري في "زوائد ابن ماجه" ورواه الخلال في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (رقم 148)، والطبراني في "الصغير" (رقم 72)، والبخاري في صحيحه رقم 3574 و 4885)، ومسلم رقم (2508)، والرواية الثانية لهما.

في هذا الحديث الكريم جملة من الفوائد والدلالات. وممكن أن يستفاد من الحديث التالي:

  1. جواز الغناء من قبل النساء.

  2. جواز الضرب بآلة، وهي هنا تحديداً الدف.

  3. جواز الجمع بين الغناء والعزف معاً.

  4. جواز ذكر الشخص في الغناء، خاصة إذا كان عظيماً؛ "يا حبذا محمد".

  5. جواز أن يستمع الرجل للنساء تغني.

  6. جواز علو الصوت في الأفراح حتى يسمعه المارة، فهنا سمعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مار أي في طريقه، ولم ينكر ذلك بل رد عليهم برد جميل جداً يساوي الدنيا.

  7. جواز أن يقول الرجل للنساء "إني أحبكن" وحتى دون زيادة "في الله" إلا إذا ظن أن يساء فهمها من قبل الطرف الآخر.

  8. جواز الاستشهاد بالله لما في الداخل، كما في قوله: "الله يعلم إني لأحبكن" أي الله مطلع على ما في قلبي ويشهد أني أحبكن محبة عامة كريمة غير مشروطة.

  9. جواز التشجيع على الغناء، فكونه يقول لهن هذا الكلام الجميل جداً في الحب ومنه شخصياً صلى الله عليه وسلم ويشهد الله على ذلك دلالة على قبول هذا العمل من الغناء له أو للاحتفال.

وينبغي العلم بأن الجواري هنا لا يقصد بهن الجاريات المستعبدات أو الخادمات من بني النجار لا بل نساء وفتيات بني النجار، والدليل قول الراوي في نهاية الحديث "يعني الأنصار"، فهو لا يقول "اللهم أنتم من أحب الناس إلي" يقصد الجواري المستعبدات بل يقصد الأنصار الأحرار، وكذلك قوله "إني لأحبكن" في الرواية الثانية أي أنتم يا أخواتي وبناتي من بني النجار لا العبيد!

الدليل الرابع:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أهديتم الفتاة؟"، قالوا: نعم. قال: "أرسلتم معها من يغني؟"، قالت: لا. فقال رسول الله عليه وسلم: "إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم".

حسن. رواه ابن ماجه رقم (1900)، وصحح إسناده البوصيري في "زوائد ابن ماجه"، وصححه الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه، والطحاوي في "شرح المشكل" (3321)، وعن جابر رواه أحمد (3/391) والبيهقي (7/289)، وعن عائشة رواه الطبراني في "الأوسط" (3289)، وآخرون. وفي رواية البخاري (4765): "يا عائشة: أليس معهم لهو؟ إن الأنصار يعجبهم اللهو".

والحديث معناه أن عائشة زوجت أحداً من أقربائها الرجال بفتاة من الأنصار، أو، وهو الأصح زوجت فتاة من أهلها كانت يتيمة بأحد من الأنصار والحديث هذا فيه دلالة عن منهجية حياتية لطيفة. وقد يستفاد من هذا الحديث التالي:

  1. جواز السؤال عن العروس والتأكد من إهدائها شيئاً بهذه المناسبة السعيدة.

  2. جواز الدعوة للغناء وطلب عمل ذلك بدليل قوله "أرسلتم معها من يغني؟" يعني هل فعلتم ذلك؟ وهل ستفعلون ذلك أو معناه افعلوا ذلك.

  3. جواز أن يحتوي الاحتفال على من يغني بل هو الأوجب بالذات في مناسبة الزواج السعيدة.

  4. جواز وصف القوم بالغزل بدليل قوله "قوم فيهم غزل"، ولاشك أنه كان يقصد الغزل العفيف اللطيف.

  5. جواز أن يقترح رب الأسرة أو الحاكم أو المسؤول بعض الأغاني المعروفة؛ فهذه الكلمات مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها:أتيناكم أتيناكم *** فحيونا نحييكملولا الذهب الأحمر *** ما حلت بواديكمولولا الحبة السمرا *** ما سمن عذاريكم

  6. جواز الغناء بالغزل العفيف في مثل هذه المناسبات والغزل المقبول يُروى كثيراً أمام العظماء ويستخدمونه، كما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه صاحب البردة كعب بن زهير فأنشد قصيدته الشهيرة عن سعاد التي كان يحبها ودمج معها طلب العفو من النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان قد حكم عليه بالإعدام، ومنها قوله في القصيدة التي قيلت أمام النبي صلى الله عليه وسلم:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ *** متيم إثرها لم يفد مكبولُوما سعاد غداة البين إذ رحلوا *** إلا أغن غضيض الطرف مكحولُهيفاء مقبلة عجزاء مدبرة *** لا يشتكى قصر منها ولا طولُتجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت *** كأنه منهل بالروح معلولُشجت بذي شبم من ماء محنية *** صاف بأبطح أضحى وهو مشمولُتنفي الرياح القذى عنه وأفرطه *** من صوب غادية بيض يعاليلُفيا لها خلة لو أنها صدقت *** بوعدها أو لو إن النصح مقبولُلكنها خلة قد سيط من دمها *** فجع وولع وإخلاف وتبديلُفما تدوم على حال تكون بها *** كما تلون في أثوابها الغولُوما تمسك بالعهد الذي زعمت *** إلا كما يمسك الماء الغرابيلُفلا يغرنك ما منت وما وعدت *** إن الأماني والأحلام تضليلُكانت مواعيد عرقوب لها مثلا *** وما مواعيدها إلا الأباطيلُأرجو وآمل أن تدنو مودتها *** وما إخال لدينا منك تنويلُأمست سعاد بأرض لا يبلغها *** إلا العتاق النجيبات المراسيلُ

إلى أن قال:وقال كل صديق كنت آمله *** لا ألهينك إني عنك مشغولُفقلت خلوا سبيلي لا أبا لكمُ *** فكل ما قدر الرحمن مفعولُكل ابن أنثى وإن طالت سلامته *** يوما على آلة الحدباء محمولُنبئت أن رسول الله أوعدني *** والعفو عند رسول الله مأمولُ

إلى أن قال:مهلا هداك الذي أعطاك نافلة *** القرآن فيها مواعيظ وتفصيلُلا تأخذني بأقوال الوشاة ولم *** أذنب ولو كثرت في الأقاويلُلقد أقوم مقاما لو يقوم به *** أرى وأسمع ما لو يسمع الفيلُلظل يرعد إلا أن يكون له *** من الرسول بإذن الله تنويلُحتى وضعت يميني ما أنازعه *** في كف ذي نقمات قيله القيلُفلهو أخوف عندي إذ أكلمه *** وقيل إنك منسوب ومسئولُ

إلى أن قال:ولا يزال بواديه أخو ثقة *** مضرج البز والدرسان مأكولُإن الرسول لنور يستضاء به *** مهند من سيوف الله مسلولُفي عصبة من قريش قال قائلهم *** ببطن مكة لما أسلموا زولوازالوا فما زال أنكاس ولا كشف *** عند اللقاء ولا ميل معازيلُشم العرانين أبطال لبوسهم *** من نسج داود في الهيجا سرابيلُبيض سوابغ قد شكت لها حلق *** كأنها حلق القفعاء مجدولُليسوا مفاريح إن نالت رماحهم *** قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوايمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم *** ضرب إذا عرد السود التنابيلُلا يقع الطعن إلا في نحورهم *** وما لهم عن حياض الموت تهليلُ

فهذا شعر مليء بالغزل والوصف وقد أسقطت بعضه في وصف سعاد حيث توفرت الإشارة واكتفينا بها. وبهذا الشعر الغزلي تبسم النبي صلى الله عليه وسلم ثم عفا عنه مطلقاً وأنزل فيه العفو العام وأهداه البردة، فانظر لما تفعل اللطافة وما تجلب لك.

إن الحديث كريم يدلك على عيش النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في وسط المجتمع ورحمته فيهم وبما تهوى النفوس من المباحات والأفراح والإسعاد.

فقط أنبه إلى أن استدلالاتي هذه ليست لها مقصد التحريم أو التحليل بل فقط لتعلم أن أمتنا وهذا يشمل كثير من مشايخنا ودعاتنا فهم لا يقرأون وإذا قرأوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يستنبطون وإذا استنبطوا لا يترفعون عن الميل كل الميل للتقليد والاتباع لغير النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهاهم عن ذلك، بعدما يقرأون كلام النبي ويتأكدون من أفعاله يصدون ثم يقولون قال فلان وأقسم علان يحسبون أنهم على شيء.

يقول الشيخ عبد الله الجديع:

فرأيت أكثر أولئك الكتاب نساخاً ومنتحلين، بين مردد لعبارات أبي الطيب الطبري وابن قيم الجوزية، يقابله المعارض بعبارات ابن حزم وأبي حامد الغزالي، وقلما تجد ذاك الذي يجتهد وسعه في النظر والتأمل وتدقيق البحث وتحرير القضية من أصولها (الجديع: الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام، ص 9).

ولتعرف ذلك اسمع كلام المحرمين وتعليقات المعارضين تجمعها كلها في صفحة واحدة وتعمل لها copy-paste ولا تغيير يكررون الكلام دون النظر من ألف سنة. لا يقرأون، ولا يبحثون، ولا يكلفون أنفسهم النظر، ولا يدققون فقط يعتقدون أنهم يريحون ضمائرهم بهوس التحريم والتخطئة ومع ذلك ضمائرهم غير مرتاحة، تضطرب نفوسهم بمجرد أن يقول شخص قال الله سبحانه أو قال رسوله صلى الله عليه وسلم ثم يأتي بدليل ضدهم! قارئة كتبت تعليقاً لها "لا أعتقد أن هذا يقوله النبي صلى الله عليه وسلم!!"، وأخر كتب تعليقاً قال فيه "الشخص أولى أن أتبع العلماء الذين هم أعلم منك"، أو من قال "قال الأئمة الأربعة".. فقط لتعرف أن الإسلام بدأ غريباً .. ويعيش اليوم غريباً بين من أنكره ومن زعمه .. قل أن تجد مسلماً كان كما كان النبي صلى الله عليه وسلم .. واصبر لترى كيف يخدعون الناس بأصواتهم العالية وأشكالهم ويخيفون الناس بأنهم يتحدثون عن السماء ...

الدليل الخامس:

عن السائب بن يزيد رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا عائشة، أتعرفين هذه؟" قالت: لا يا نبي الله، فقال: "هذه قينة بني فلان تحبين أن تغنيك؟"، قالت: نعم، قال: فأعطاها طبقاً، فغنتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد نفخ الشيطان في منخريها".

صحيح. رواه أحمد (3/449) على شرط الشيخين، والطبراني في "الكبير" (7/187)، وصححه الشيخ الألباني في "الصحيحة" (3282).

إن هذا مؤشراً آخر قوياً من النبي صلى الله عليه وسلم في الغناء. وممكن أن يستفاد من الحديث:

  1. معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس حتى مغنياتهم.

  2. جواز أن يسمع الرجل زوجته شيئاً من الغناء؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يُخير زوجته هنا "أتحبين أن تغنيك؟" ولا يمكن أن يعرض عليها حراماً، فهذا مستحيل منه. فدل على جواز أن تعرض على الزوجة أغنية أو مغنية.

  3. جواز غناء المرأة، وإلا لما أقر ذلك وعرضه على زوجته.

  4. جواز تسليم المغنية شيئاً تضرب فيه، فقد أعطاها ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بدليل "فأعطاها طبقاً".

  5. جواز النظر إلى المرأة، وإلا كيف عرفها النبي صلى الله عليه وسلم.

  6. جواز الغناء في أي وقت، لا اعتبار لتحديد ذلك بالعيد والأفراح والعودة من السفر وقد يكون أمر به النبي صلى الله عليه وسلم هنا لعلمه أن ذلك يدخل السرور على قلب زوجته.

  7. جواز أو أدب أن تقبل الزوجة عرض زوجها إذا طلب منها عرض غناء عليها أو مغنية.

وصدقاً أن من استدل بأن هذا الحديث يدل على التحريم فقد دل على انخفاض مستوى ذكائه أو ارتفاع نسبة تعصبه كيف وفيه العرض على زوجته، وتسميتها باسمها مغنية ("قينة")، واعطائها شيئاً يعينها في ضبط الوزن للغناء! وأما قوله صلى الله عليه وسلم "قد نفخ الشيطان في منخريها" فقد تقدم شرح لفظ الشيطان، ومثله قول الشعراء جاءني شيطان الشعر، فهذا لا يعني أن الشيطان يأتيه وربما تعبير لجمال صوتها، كأنه نفخ فيه الشيطان من جماله أو قوته وهو تعبير مجازي.

الدليل السادس:

عن خالد بن ذكوان قال: كنا بالمدينة يوم عاشوراء، والجواري يضربن بالدف ويتغنين، فدخلنا على الربيع بنت معوذ فذكرنا ذلك لها فقالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم غداة بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني وجويرات يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين".

صحيح. رواه البخاري (3779)، وأبوداود (4922) والترمذي (1090)، والنسائي (5563)، وابن حبان (5878)، والطبراني في "الكبير" (24/275)، والبيهقي (7/288)، وأحمد (6/359).

والصحابية راوية الحديث هي الربيع بنت معوذ وتحدث الراوي خالد بن ذكوان. والربيع بنت معوذ بن عفراء بن حرام بن جندب الأنصارية النجارية من بني عدي بن النجار، أبوها معوذ بن عفراء، من كبار أهل بدر، قتل أبا جهل، تزوجها إياس بن البكير الليثي، فولدت له محمداً. أسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثت عنه وكانت تخرج معه في الغزوات وهي في شبابها قالت كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخدم القوم، ونسقيهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة والسلام.

وقصة هذه الرواية أن النبي صلى الله عليها وسلم جاء صبيحة زواجها يهنئها على زواجها، فوجد عندها بنات يغنين ببراءة للعروس محتفلين، وكان من ضمن ما قالوا: وفينا نبي يعلم ما في غد فردهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولا حتى النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد يستفاد من هذا الحديث:

  1. زيارة النبي صلى الله عليه وسلم المرأة في بيتها مع جمعة من الناس لتهنئتها بزواجها.

  2. جواز التحدث لامرأة أجنبية - غير محرم - بمكان عام أو محترم. وقولها فجلس على فراشي كمجلسك مني لا يدل على خصوصية كما اليوم، لأن هذا اليوم غير لائق الخصوصية فراش النوم وغرفة النوم، ولكن الفراش عندهم مجلس، وبيوتهم هي غرفة واحدة في الغالب، فلا يقصد سرير النوم في غرفة النوم، وإنما هو أصلاً مجلس عام. وكلمة "أجنبية" أصلاً غير لائقة اليوم في لغتنا، لكنها لغة شرعية ولغة قديمة مقبولة وقتها فاستخدمناها تجوزاً.

  3. جواز التهنئة صباحية الزواج.

  4. جواز غناء المرأة والضرب في الدف، وقد تقدم كثيراً في الأحاديث، وهنا إقرار النبي لهن بالاستمرار بالغناء والعزف بالدف لكن دون ما كانت تقول لقوله: "لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين". أي استمري غني واضربي بالدف وبما كنت تقولين.

  5. لا اعتبار لمن قال أنهن جواري وليسوا أحراراً، فهذا من قلة الملاحظة والتدقيق أو من التعصب والعمى؛ فالصحابية مع صحابيات ونص الحديث "وجويرات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر" بل هؤلاء خيرة الصحابيات، لأن آبائهن ممن شهد بدراً. سيأتي لاحقاً كيف أن خيرة من يسمع الغناء هم من خيرة الناس، يكفيك فقط من ذلك هذه ستة مجالس مختلفة للنبي صلى الله عليه وسلم...

  6. جواز أن يكون ذلك في ثاني يوم كذلك وليس فقط في اليوم الأول للإعلان، كما هو السنة، وستأتي.

  7. جواز رد المتحدث وتصحيحه إذا قال ما يتنافى مع الأصول، كما كان هنا من كون هذا الكلام حرام لا يجوز، وبذلك يصير الغناء هنا حراماً، مثله مثل الكلام.

  8. عدم سماع أو تشجيع الأغاني التي تحتوي شركاً أو خللاً في العقيدة كتلك التي فيها اليوم: "وحياتك" أو "وحياتي" أو "باسم الحب" وهي كثيرة في الأغاني، فيقيناً هذه أغاني مخالفة وتخدش بالمعتقد.

  9. مشروعية الفرح في يوم عاشوراء والغناء، رغم أنه يوم صيام.

  10. متابعة النبي صلى الله عليه وسلم بعناية لكلمات الغناء (هذه الإضافة من الشيخ د. عجيل النشمي للبحث مشكوراً).

إن هذا المجلس السادس بروايات مختلفة برواة مختلفين بأسانيد ومتون مختلفة، قد تعمدت فيها ذلك، وفيها النبي صلى الله عليه وسلم، لتعرف كما سنبين من أن من يسمع الغناء هم من خيرة البشر، وسأتيك بإذن الله، بروايات صحيحة لأفضل عشرة تحترمهم في الدنيا، ثم أذكر لك غيرهم ثم من الخلفاء المحترمين فقط لتعرف أن ما يدعو إليه هؤلاء لا علاقة له بالدين .. هذا منهج مختلف ونستثني من ذلك من لم يشنع في الخلاف ولم يعتبره خروجاً عن الملة أو الأدب أو الشرع، فهؤلاء مجتهدون لهم رأيهم، ويُحترم خيارهم، وتقدر اجتهاداتهم، ولهم ألا يسمعوا الغناء والمعازف، بل ويدعوا الناس لرأيهم ما دام باحترام دون تفسيق الناس وتخطئتهم، ولو تحققوا لربما عرفوا أنهم أقرب للخطأ، ولربما ساهمت نتائج أقوالهم وأفعالهم في إنتاج هذه المجتمعات المتباينة، والقسوة، والجفوة، والتكفير والتفسيق وقلة الأدب في الخلاف، والشتم والسب وشباب عنيفين، ميسيئين للأدب، لا يثمرون شيئاً سوى العزلة أو التخريب، ودعاة قساة لديهم هوس التحريم ومرض التحدث باسم الله، يتحدث أحدهم عن الله كأنه، والعياذ بالله، جاره أو هو مندوب عن السماء.

الدليل السابع:

عن وهب بن كيسان قال: قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وكان متكئاً، تغنى بلال، قال: فقال له رجل: تُغني؟ فاستوى جالساً ثم قال: "وأي رجل من المهاجرين لم أسمعه يتغنى النصب ؟!" وفي لفظ: "ما أعلم رجلاً من المهاجرين إلا قد سمعه يترنم".

رواه البيهقي (10/255)، وعبد الرزاق في "المصنف" (4/11-5)، والفاكهي (3/27) رقم (1735). قال الشيخ الجديع: أثر صحيح، وقال الشيخ الألباني في "تحريم آلات الطرب": إسناده صحيح على شرط الشيخين.

في هذا الحديث دلالة قوية من مؤذن الإسلام الكبير بلال، وشهادة حق عظيمة من أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بأن هذا الفعل كان دارجاً في الصحابة بالذات الأكثر شدة في الطرفين؛ فالأنصار معروفون بذلك بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بأنهم يحبون اللهو، وهي كلمة دلت في الحديث على الطرب أو الغناء، ولذلك طلب من عائشة أن ترسل مع الفتاة للحفل مغنية، كما تقدم في الأدلة السابقة. نقول ثبت في الأنصار لكن هذه دلالة في المهاجرين. وهذا الكلام فيه مؤشر على عموم ذلك وانتشاره بين المهاجرين من قوله "وأي رجل من المهاجرين لم أسمعه يتغنى النصب؟!"، وفيه استنكار لمن سأله. والمقصود بالغناء هنا هو الغناء الشعبي على أفضل تقدير.

وقد يستفاد من هذا الأثر:

  1. تغني الرجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن الأمر هذا مقتصراً على النساء كما يقول البعض، بل على الرجال بشهادة عبد الله بن الزبير عن بلال وبلال عن جمع إن لم يكن كل المهاجرين الذين عرفهم.

  2. جواز الاستنكار على من استنكر الغناء، كما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم في رده استنكار أبي بكر رضي الله عنه فيجوز أن تستنكر على من استنكر الغناء لاستنكار بلال رضي الله عنه على من استغرب عليه الغناء.

  3. جواز الغناء أمام الناس وفي العلن، فلفظ "تغنى بلال" أي بدأ الغناء وأعلنه.

  4. كثرة هذا العمل في المهاجرين حتى أن بلالاً رضي الله عنه كأنه قال لا أعلم من المهاجرين من لا يتغنى!

الدليل الثامن:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء حبش يزفنون (وفي رواية: جاء السودان يلعبون بين يدي رسول الله) (وفي رواية: كان الحبش يلعبون بحراب لهم) (وفي رواية: إن الحبشة لعبوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم منكبيه، فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم من فوق عاتقه، حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم وفي رواية حتى شبعت، ثم انصرفت) وفي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة".

صحيح. أصله في البخاري كما تقدم رقم (949)، ومسلم (رقم 1483)، والترمذي (رقم 3624)، وأحمد (6/116) وابن حبان، وغيرهم.

وهذا الحديث كريم في معانيه رحمة على العباد، حجة على من زعم أن ديننا دين شقاء وغم وهم وجفوة وأنه ضد الفطرة السليمة؛ فالطفل بفطرته السليمة عندما تغني له يفرح ويطرب ويأنس، فجاء الحديث يبين وجود ذلك كله، وعززه النبي صلى الله عليه وسلم كأسلوب للدعوة وصحة منهجنا. أما من يتشددون في ذلك وفي التحريم فيصح فيهم قول الناس أن دينهم دين شقاء وجفوة، ويحق لليهود أن تعيبهم وتقول أن ليس في دينهم فسحة ولا سماحة.

وقد يستفاد من هذا الحديث:

  1. جواز الزفن: وهي كلمة لا زال الكويتيون واليمنيون والماليزيون يستخدمونها وتعني الرقص الشعبي الكويتيون يقولون "يزفن" أي يطرب ويغني ويرقص، وفي الغالب بمرواس أو طار. والزفن فن يدرسه الموسيقيون بالذات في الخليج واليمن ويعتبر من التراث، ويقال أن أصله أفريقي. وفات كثير من الفقهاء تعريفه لأن كثيراً منهم لا يعرف في الفن. والدلالة في الحديث أن مشاهدة عائشة لذلك ووجوده هو أيضاً معها صلى الله عليه وسلم دليل أنها سنة تقريرية وبجواز على الأقل هذا النوع من الرقص.

  2. جواز فعل ذلك أمام السلطان أو الحاكم: وهو ما دعا الشيخ الفاضل عبد المحسن العبيكان لعمله يوم رقص في العرضة، كونه يطبق السنة وينشر الصحيح بين أبناء مجتمعه، وهو التجرد بعينه، في حين يخاف غيره أن يقال فلعله عمل ذلك احتساباً ونشراً للخير والفرح والبهجة والفسحة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، فجزاه الله خيراً على جراءته وكسره لعهود من الخوف، وهو صنيع الكبار عملها كثيرون في التاريخ ويعملها سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد أمير البلاد وسمو ولي عهده، والملك عبدالله بن عبدالعزيز والملوك إخوته من قبلهم وملك البحرين الشيخ حمد، وغيرهم من كبار الناس.

  3. جواز دعوة الزوجة لمشاهدة عروض الرقص الشعبي (الزفن) بدليل "فدعاني". أي هو الذي دعاها وشجعها على ذلك.

  4. جواز ركوب المرأة فوق عاتق زوجها ومشاهدة شيئاً.

  5. الصبر على الزوجة حتى اكتفت هي بنفسها.

  6. جواز تسمية الإسلام بدين فسحة ودين سماحة والتفاخر بذلك. ولا يسمى دين قتال ودين التشدد الإسلام دين سمح يقبل الناس على تنوع مشاربها؛ ففيهم المتشدد وفيهم المتوسط وفيهم المتساهل، وكلهم مقبول ما دام في دائرة عدم المضرة على النفس والآخرين، فمن قال الشهادة ولم تمس يده دماً حراماً ضمن الجنة، كما في الحديث.

وجدت في الإنترنت آلاف المواقع التي تعيب على النبي صلى الله عليه وسلم أو عائشة رضي الله عنها وأرضاها أو الرواة المحدثين أو السنة النبوية، فقط لو وضعت، ولا أنصحك بعض كلمات هذا الحديث فسترى العجب في رد هذه المنهجية!! ليس لديهم المقدرة في تخيل أن نبياً أو زوجته كانوا يستمتعون ويفرحون، صوروا النبوة والدين والناس ببؤس ولو عملت منهجيتهم هذه لسمي كوكبنا بالكوكب الكئيب. والحمد لله أن حفظ لنا هذه السنن والأحاديث ليظل الإسلام قابلاً للاتباع والتطبيق، دالاً على البهجة والسعادة للخلق، واقعياً لا يدعو الناس لرد الفطرة التي جبل الله الناس عليها من حبهم للطرب والغناء والحداء والحركة والزفن، والحمد لله الذي جعل الإسلام سمحاً لا يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في الاختيار كأن الإنسان محبوس في صومعة عبادة، والحمد لله الذي جعل الإسلام فيه الفسحة للرقص الحشم والبهجة والتسامح، والحمد لله الذي جعل الإسلام يقدر خيارات الشعوب ويحترم تراثها، فهذا النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم يقدر لهؤلاء الأفريقيين الأكارم تراثهم ويشهد عرضهم ويُعجب به حتى أنه يدعو زوجته لحضوره. صدق الله سبحانه إذ قال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.

قال الإمام أبوبكر بن العربي المالكي في أحاديث التحريم: (لم يصح في التحريم شئ بحال) (أحكام القرآن 3/1494). ومثله قاله كذلك الإمام المجدد أبو حامد الغزالي وابن النحوي في العمدة وابن طاهر، وزاد: إنه لم يصح منها حرف واحد (النيل: 8/107).

وقال عبد الغني النابلسي في إيضاح الدلالات:

ويلزم من هذه الأحاديث إذا قلنا بإطلاق التحريم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل حراماً أو أمر به، ومن ظن ذلك بنبيه فقد كفر، وقد ثبتت النصوص بضرب الدف بحضرته، وغناء الجاريتين في بيته، ورقص الأحباش في مسجده، وإنشاء الشعر بالأصوات الطيبة بين يديه.

مع أن لفظ التكفير هنا غير مقبول بالإطلاق هكذا، ولا نقول به ولا نقبله فقد يكون الشخص متأولاً أو جاهلاً وهذا لا يدخله في كفر، والعياذ بالله.

الدليل التاسع:

عن محمد بن حاطب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح".

رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والحاكم في المستدرك وقال الذهبي في تلخيص المستدرك صحيح، وحسنه الألباني في صحيح الجامع وإرواء الغليل (1994).

في هذا الحديث دلالة على الغناء والدف في الأعراس والحديث فيه وضوح أكثر في الأمر بالتفريق بين الحلال والحرام باستخدام الغناء والضرب، وهو حديث جليل. وقد يستفاد من هذا الحديث:

  1. الأمر بالغناء والعزف من باب إعلان الزواج: وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب الضرب في العرس لكون الأمر هنا يقتضي الوجوب، وشدد الإمام النووي على الوجوب وختم وأقل ما يفيده هذا الحديث هو الندب. فإما الوجوب وإما الندب (أي الاستحباب) ومن قال بغير ذلك فقد خالف السنة. قال ابن بطال في شرح البخاري: (قال المهلب السنة إعلان النكاح بالدف والغناء المباح؛ ليكون ذلك فرقاً بينه وبين السفاح الذي يستسر به وفيه: إقبال العالم والإمام إلى العرس وإن كان فيه لعب ولهو ما لم يخرج اللهو عن المباحات فيه).

  2. جواز وسنية الصوت (الغناء) والدف (الآلة) في الزواج: وهي السنة، وما تركت سنة إلا استبدلت ببدعة، مثل بدعة المحاضرات والوعظ في الأعراس، وهي غريبة على البشرية؛ فالعرس فرح وليس وعظ وتعليم. وما دخلت هذه التي فيها الوعظ إلا حديثاً لأنهم هجروا السنة.

  3. الأمر بالإعلان في الزواجات لا السرية مثل تلك المسماة بالمتعة والمسيار والعرفي .. الخ. وهذا الفرق فيه بين الحلال والحرام في الزواجات.

  4. بطلان قول من قال أن الغناء والدف جائز في الأعراس فقط: فلو كان حراماً فكيف يجوزه النبي صلى الله عليه وسلم في الأعراس؟! هل يجوز "الحرام" في الأعراس؟ أم هو حلال في الأعراس حرام في غيره؟

الدليل العاشر:

عن أبي بردة عن أبي موسي رضي الله عنه قال: "لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود"، فقال أبو موسى - رضي الله عنه: "لو علمت أنك تستمع إلى لحبرته لك تحبيراً".

رواه البخاري (5048)، ومسلم (793)، والترمذي وأحمد وغيره.

يستفاد من هذا الحديث عدة أمور:

  1. جواز أن تمدح شخصاً بوصف آلة موسيقية: كأن تقول له: عندك صوت جميل كالعود، أو لديك ميل رياضي كالكمان، أو لديك بحة كالناي نقول في الأمثال: "يضرب على الوتر الحساس" أي الوتر السادس في العود، فالعود خمس أوتار أدخل عليه المتأخرون وتراً سادساً حساساً. تقول: كان الجو كسمفونية، كان البحر كمقطوعة كلاسيكية.

  2. دليل وجود المزامير عند آل داود عليهم السلام، كما سأبينه في فصل قادم من استدلالاتي في الكتب السماوية الأخرى.

  3. لا يعقل أن يشبه النبي صلى الله عليه وسلم صوت صاحبه الجميل بشيء محرم: فالذين قالوا أن المزامير (المعازف) حرام سيُشكل عليهم هذا الحديث هنا، فكيف يشبه النبي صلى الله عليه وسلم تلاوة القرآن وصوت صاحبه بشيء حرام، والعياذ بالله. وأما من قال بأن المزمار يعني المغني أو الصوت الجميل فهو أيضاً رد عليه، فهذه أيضاً دليل كذلك على أنه شيء جميل سواء الغناء أو الصوت، ومع ذلك فهذا لا يصح من التاريخ، فالمزامير معروفة في الكتاب المقدس، كما سأتي إلى شرحها بإذن الله.

  4. جواز التغني بالقرآن: فقوله "لحبرته لك تحبيراً" أي جملته وغنيت به. قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمَلُوا الصَّالِحَاتِ فهم في روضة يحبرون} (الروم/15). قال يحيى بن أبي كثير: يعني سماع الغناء (تفسير الإمام ابن كثير). بل جاء الأمر بالتغني بالقرآن كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري في صحيحه "ليس منا من لم يتغنى بالقرآن". وهذا الحديث يرد من قال بعدم التغني بالقرآن بالمقامات العربية المعروفة كشيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله - وغيره والغناء معروف لغة، والنبي صلى الله عليه وسلم فصيح يريد بهذا المعنى دلالة واضحة، فلم يعجزه أن يقول: "ليس منا من لم يرتل القرآن ترتيلاً"، فهناك آية تسند هذا اللفظ أصلاً، أو يقول: "ليس منا من لم يجمل القرآن بصوته" .. الخ. لماذا استخدم لفظ الغناء بالتحديد ؟! والغناء هو تجميل الصوت وتلحينه ووزنه، وأنا لما تعلمت التجويد في صغري لم أفهم الشيخ عندما كان يشرح المد اللازم ومد اللين والغنة .. الخ. حتى لفظ كلمة "ست حركات" "حركتين" الخ. ثم أشار بحركة إيقاعية بأصبعه ففهمته فوراً من كونه يقصد الوزن الإيقاعي، ولذلك جميع من تعلم الموسيقى بأصولها من الذين تعلموا التجويد يحسنون التلاوة والتجويد، وكذلك المصريون المشايخ والسوريون يتعلمونها على أصولها الغنائية، بينما من لا يعرف هذا يخطأ كثيراً، ومنهم قراء كبار وحتى بعض مشايخ الحرم الأكارم يقرأون والمد عندهم غير موزون، فربما يمد من اللين ثلاث حركات، وهذا خطأ، فهي اثنتين أو أربع أو ست ويمد المد اللازم أربع أو خمس حركات، وهو ست حركات لازمة، ومن لا يعرف الوزن لا يضبط هذه المسألة.

سنكتفي في عشرة أدلة من الحديث النبوي لأن في الموضوع دلائل أخرى، نكملها بكتاب الله سبحانه والكتب السابقة لأهل الكتاب.

ملخص الأحاديث:

قد يستفاد من الأحاديث الصحيحة العشرة التي ذكرناها أنه ثبت في السنة النبوية:

  1. سماع الغناء والدف في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وحضرته وأمامه وفي مجتمعه.

  2. مشروعية الغناء والعزف بالدف في المناسبات وغير المناسبات.

  3. جواز الرد على من أنكر الغناء والعزف بالدف وعلى مشروعيته، بل هي السنة النبوية التي عملها النبي صلى الله عليه وسلم تجاه أبي بكر رضي الله عنه، فتعلم، فلم يكررها، وهي كذلك كما سيأتي بيانها في أفعال الصحابة بإذن الله. فلو سكت من يرى الحرمة فاسكت، ولو أنكر عليك سماعك أو سماع أهلك أو أهل حيك، فأنكر عليه، واعمل بالسنة النبوية.

  4. غناء المرأة الصغيرة وغير الصغيرة وأمام الرجال.

  5. الغناء يسمعه الأخيار من الناس كالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر - كما سيأتي بيانه - وعثمان وعلي - كما ثبت عندنا حتى الآن، وسيأتي إثبات البقية الأكارم، ومن زعم أنه صنيع "المخنثين" أو المتشبهين أو الفساق فإما متقصد وهذا يوقعه في خطر على عقيدته ودينه ونيته، وإما جاهل لم تمر عليه هذه الأدلة، وإما متعصب أغفلته عاداته وقناعاته عن رؤية الحقيقة.

  6. التشجيع على الغناء بالذات في المناسبات الداعية للسرور كما حصل من قبل النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة والبنت التي زوجتها وهي من أهلها وطلبه أن يرسلوا لهم مغنية تغني وتضرب بالدف.

  7. جواز الزفن أو الرقص الشعبي وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له ودعوة زوجته للمشاهدة.

توضيحات في الاختلاف

أود أن أقول هنا أنه من الخطأ أن تقول أثبت لي ما يدل على الحلال والسبب أن الأصل في الأشياء والأفعال أنها حلال، إلا ما ورد فيه تحريم صحيح وصريح. كما قلنا موضوع الغناء يصدق فيه ما قاله الإمام ابن حزم إما صحيح غير صريح وإما صريح غير صحيح. يعني إما شيء غير واضح الدلالة، وإما لا تثبت فيه الأحاديث والأخبار. أو كما يقول العلماء: لا يوجد دليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة في تحريم الغناء والموسيقى.

ومع ذلك فقد ذكرنا الأحاديث الصحيحة الواضحة والصريحة التي دلت على مشروعية هذا الأمر الفطري، وسنناقش بإذن الله أدلة من يرون التحريم وننظر فيها وفيما يقول أهل العلم فيها. ونؤكد بأن من يرى التحريم بناء على أدلة هو يراها أو تبعاً لعلماء يحترمهم ويجلهم فهذا له الحق في ذلك, بل وله أن لا يرى بالأخذ بالأدلة التي ذكرناها، ويرى بأدلة أخرى، فقط المهم أن يدرك أن الرأي الآخر مبني على الدين كذلك، وفيه دلالات، وفي الأمر متسع.

أما من رأى بفسق أو ضلال من رأى برأي الحلة في الغناء والموسيقى فهذا من أهل التطرف والتعصب والخطأ، وما وسعه ما وسع الصحابة والخلفاء؛ فقد وسعهم قبوله في المجتمع فلم يحاربوه ولم يكسروه ولم يمنعوه بقوة الدولة، وما وسعهم يجب أن يسع من هم أدنى ولا يزكوا أنفسهم، فالعالم أعلم بالمهتدين وهو أعلم بالمعتدين.

ونقول في من رأى التحريم بل ورأى أنه شيء عظيم، نقول شيء في هذا الحجم الذي يراه المحرمون، هل يُعقل أن يلمح له القرآن ثم يؤتى بتفسيرات غير كاملة أو باردة أو غير ثابتة، أو تلمح له السنة وتخالفه في أحاديث صحيحة ؟! حتى ذكر الإمام العلامة ابن قيم الجوزية أن تحريمه أشد من تحريم الخمر !! هل يُعقل هذا الكلام ثم يتناقله النقال دون تحقيق في الكلام ؟! وكلام ابن القيم هذا مردود ومرفوض وهو تعصب في الرأي، مع الاحتفاظ بمنزلة الإمام الكبيرة والعظيمة في سيرة الإسلام.

هل بلغ الحد في العقول أن تسير بهذه الطريقة دون تحقيق، ثم هم يعيبون على أتباع الكنيسة أن القسيس يقول لهم ضعوا عقولكم في الخارج وادخلوا الكنيسة؟! وفي المقابل لا نقبل كذلك كلام سماحة شيخ الأزهر حسن العطار الذي قال: من لم يتأثر برقيق الأشعار، تتلى بلسان الأوتار، على شطوط الأنهار، في ظلال الأشجار، فذلك جلف الطبع حمار !! فلا نقول أن السامع للغناء مخمور العقل ولا نقول أن من لا يطرب للسماع جلف حمار. إن الأمر يقبل هذا وذاك، وكلاهما في دائرة القبول. ومن ذلك فإننا نقبل أن يدافع شخص عن رأيه الآخر ويسند القول بالتحريم، فهذا حقه كذلك في الدفاع والدعوة لرأيه، ولا ينكر عليه ذلك، فللمانعين رأيهم وللمجوزين رأيهم أيضاً.

القرآن منهج البشرية

إن المتدبر للقرآن الكريم بصدق يجد أن القرآن الكريم منهج حياة، ودستور عام كبير وعميق، وخط مسار واضح. لكن قل أن تجد من يفهم القرآن الكريم حقاً؛ فالفهم عند غالبية المسلمين ممزوج أحياناً بتفسيرات وتشويهات مخلة ومسرفة ومكررة ومبتورة وخالية من الوعي والعمق. تعال انظر ما يقوله القرآن الكريم في أصل الحلال

اﻟﻐﻧﺎء واﻟﻣوﺳﯾﻘﯽ – ﻧظرات وﻣراﺟﻌﺎت. أصل التحقيق والبحث: ﮐﺗب اﻟﺷﯾﺦ اﻟﻣﺣﻘق واﻟﻣﺣدث ﻋﺑـدالله ﺑـن ﯾوﺳـف اﻟﺟـدﯾﻊ ﮐﺗﺎﺑـًﺎ ﺑﻌﻧـوان "اﻟﻣوﺳـﯾﻘﯽ واﻟﻐﻧـﺎء ﻓـﻲ. ﻣﯾزان اﻹﺳﻼم"،
الغناء والموسيقى (نظرات ومراجعات)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق