هل الاحتفال بالمولد النبوي تعارض مع إقامة الدين؟
كثيراً ما يتجدد النقاش مع إطلالة ذكرى المولد النبوي الشريف، وتبرز بين الحين والآخر عبارات تتسم بالحدة والتعميم، مثل: (يحتفلون بمولده ويكرهون سنته ولحيته وقميصه، وإن محمداً ﷺ يطالبكم بإقامة الدين لا بإقامة المولد).
وهذا الطرح، وإن بدا للوهلة الأولى حماسيًا، إلا أنه يحمل في طياته مغالطات منهجية تحتاج إلى تفكيك موضوعي بعيداً عن لغة الاتهام والتعميم:
1. التعميم المجحف والتقصير البشري
القول بأن المحتفلين بمولده ﷺ "يكرهون سنته" هو حكم قاسٍ وغير منصف بحق ملايين المسلمين؛ فغالبية المحبين لرسول الله ﷺ هم من أحرص الناس على أداء الفرائض، وصيام النوافل، واتباع السنن. ولا شك أن وقوع بعض المسلمين في تقصير بشري بخصوص بعض السنن الظاهرة لا يبرر أبداً اتهامهم بـ "كراهية السنة"، ولا يسلبهم حق الفرح بنبي الرحمة. فالمؤمن قد يخالط طاعته بعض التقصير، ولا يعني ذلك أبداً نزع أصل المحبة من قلبه، فهل يُعقل أن يُقال للمقصر: "لا تفرح بنبيك ولا تحبه"؟!
2. المفاضلة الوهمية: الدين أم المولد؟
إن وضع الأمر في قالب تناقض وكأن هناك خياراً بين "إقامة الدين" و"إقامة المولد" هو مفاضلة وهمية لا أصل لها. فالاحتفال بالمولد النبوي -حين يتمثل في مدارسة سيرته العطرة، واستخلاص العبر من أخلاقه، وإطعام الطعام، وشكر الله على نعمة بعثته- ليس بديلاً عن إقامة الدين، بل هو مظهر عملي من مظاهر تعظيم شعائر الله التي قال عنها سبحانه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. نحن لا نقيم المولد لنستغني به عن الدين، بل نقيمه شكراً لله على من ه هدانا إلى هذا الدين وأخرجنا به من الظلمات إلى النور.
3. الجمع لا التفريق
المسلم الصادق لا يضع "الاحتفال" و"الالتزام" في معسكرين متناقضين، بل يجمع بينهما بكل تناغم؛ فهو يسعى جاهداً لاتباع هدي النبي ﷺ ظاهراً وباطناً، وفي الوقت ذاته يفيض قلبه فرحاً وامتناناً بميلاد من أُرسل رحمةً للعالمين.
إن حب النبي ﷺ واتباع سنته هما الغاية الكبرى، والفرح بيوم مولده هو شكر للنعمة، والمؤمن الحق هو من يجمع بين الالتزام الصادق والشوق الرفيع لنبيه الكريم، دون إفراط ينكر الفضل، أو تفريط يضيع الواجبات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق