الجمعة، 7 أغسطس 2026

هل الاحتفال بالمولد عبادة مستقلة أم وسيلة مشروعة؟

 

هل الاحتفال بالمولد عبادة مستقلة أم وسيلة مشروعة؟

لعل أهم نقطة في الخلاف حول الاحتفال بالمولد النبوي هي أن كثيرًا من الناس لا يفرّقون بين العبادة والوسيلة إلى العبادة.

وهذا التفريق أصل من أصول الفقه الإسلامي.

فالعبادات توقيفية؛ فلا يجوز لأحد أن يشرع صلاةً سادسة، أو صيامًا واجبًا جديدًا، أو ركنًا آخر من أركان الإسلام، لأن التشريع حق لله وحده.

أما الوسائل، فالأصل فيها الإباحة، ما دامت تخدم مقصدًا شرعيًا، ولا تصادم نصًا، ولا تشتمل على محرم.

ولهذا استعمل المسلمون عبر العصور وسائل لم تكن موجودة في عهد النبي ﷺ، ولم يقل أحد إنها بدعة محرمة.

فنحن اليوم:

  • نبني المدارس الشرعية.
  • نؤسس الجامعات الإسلامية.
  • نطبع المصاحف بملايين النسخ.
  • نستعمل مكبرات الصوت في المساجد.
  • نبث الدروس عبر الفضائيات والإنترنت.
  • ننشر العلم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وهل فعل النبي ﷺ شيئًا من ذلك؟

الجواب: لا.

ومع ذلك لم يقل أحد إن هذه الوسائل بدعة في الدين؛ لأنها لم تُقصد لذاتها، وإنما هي وسائل لخدمة مقاصد شرعية ثابتة.

أين يقع الاحتفال بالمولد؟

هنا محل النزاع.

فمن يجيز الاحتفال لا يقول:

إن الله شرع عيدًا ثالثًا للمسلمين.

ولا يقول:

إن حضور المولد فرض أو سنة مؤكدة.

ولا يقول:

إن من لم يحضر فقد ترك عبادة واجبة.

بل يقول:

إنه اجتماع في وقت معين لقراءة القرآن، وتعليم السيرة، والصلاة على النبي ﷺ، والتذكير بأخلاقه، وإطعام الطعام، وهي أعمال مشروعة في أصلها.

فإذا خلت هذه المجالس من المحرمات، فإن الخلاف يكون في مشروعية تخصيص هذا الاجتماع، لا في أصل هذه الأعمال.

وهذا فرق كبير.

مثال يقرب الصورة

لو أعلنت إحدى المساجد عن:

"أسبوع للسيرة النبوية."

أو:

"ملتقى لتعريف الشباب بأخلاق النبي ﷺ."

أو:

"مؤتمر عالمي عن السيرة النبوية."

فهل يقال:

هذه بدعة؛ لأن النبي ﷺ لم يفعلها؟

الغالب أن كثيرًا ممن يمنعون المولد لا يقولون بذلك، لأنهم يعدّونها وسائل دعوية.

فإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال يصبح:

ما الفرق الجوهري بين مؤتمر للسيرة يعقد في شهر رجب، وآخر يعقد في شهر ربيع الأول؟

هل مجرد اختيار التاريخ هو الذي يحول الوسيلة المباحة إلى بدعة محرمة؟

هذا هو موضع الاجتهاد الذي اختلف فيه العلماء.

ليست القضية في المحبة

من الخطأ أن يُصوَّر الخلاف وكأنه بين:

محب للنبي ﷺ...

ومبغض له.

فالطرفان يتفقان على أن محبة رسول الله ﷺ أصل من أصول الإيمان.

كما يتفقان على أن الصلاة والسلام عليه من أفضل القربات.

ويتفقان على أن تعلّم سيرته من أعظم العلوم.

وإنما وقع الخلاف في طريقة من طرق التذكير بذلك.

ولهذا فإن الإنصاف يقتضي أن يُعرض قول كل فريق كما هو، لا كما يصوره خصومه.

قاعدة مهمة

ليست كل وسيلة جديدة بدعة.

كما أنه ليست كل وسيلة جديدة مشروعة.

فالميزان هو:

  • موافقتها لمقاصد الشريعة.
  • وخلوها من المحرمات.
  • وألا تتحول إلى عبادة مستقلة يعتقد الناس وجوبها أو خصوصيتها بغير دليل.

فإذا اختل شيء من ذلك، كان الإنكار في محله.

أما إذا بقيت وسيلة تخدم مشروعًا ثابتًا، فإنها تبقى محل اجتهاد بين العلماء، ولا يجوز أن تكون سببًا للتبديع والتفسيق.

كلمة أخيرة

لقد اختلف العلماء في حكم الاحتفال بالمولد منذ قرون، لكنهم لم يجعلوا هذه المسألة معيارًا للإيمان والكفر، ولا للسنة والبدعة بإطلاق.

وكان الأولى بالأمة أن تبقى هذه المسائل في دائرة الاجتهاد، لا أن تتحول إلى سبب للفرقة والتباغض.

فمحبة النبي ﷺ لا يحتكرها فريق، كما أن الدفاع عن السنة ليس حكرًا على طائفة دون أخرى.

وما يجمع المسلمين حول نبيهم أعظم بكثير مما يفرقهم في بعض صور التعبير عن تلك المحبة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق