السبت، 12 سبتمبر 2026

🔥 حين يتحول الخطاب الديني إلى أداة سياسية قراءة نقدية في توظيف التيار المدخلي وعلاقته بالسلطة والمشهد السياسي

 

🔥 حين يتحول الخطاب الديني إلى أداة سياسية

قراءة نقدية في توظيف التيار المدخلي وعلاقته بالسلطة والمشهد السياسي

إلى الإخوة الذين ينتسبون إلى السلفية، ويصفهم الناس بالمدخلية:

وفقنا الله وإياكم لمحبته ومرضاته، وهداكم إلى الحق حيث كان.

هذه رسالة نصح، وليست رسالة خصومة.

وإذا كان من حق الإنسان أن ينصح غيره في مسائل العقيدة والفقه، فمن حقه كذلك أن يتساءل عن العلاقة بين الخطاب الديني والسياسة، وعن مدى تأثير السلطة والمصالح السياسية في تشكيل بعض الخطابات الدينية المعاصرة.

وهنا نصل إلى قضية بالغة الأهمية:

◾️ التوظيف السياسي للخطاب الديني

لا ينبغي أن يغيب عن الباحث في واقعنا المعاصر أن السياسة تؤثر بصورة عميقة في الخطاب الديني، وأن علاقة المؤسسات الدينية بالسلطة ليست مسألة هامشية يمكن تجاهلها.

فالدولة الحديثة تمتلك وسائل واسعة للتأثير في المجتمع:

الإعلام، والتعليم، والمؤسسات الدينية، والقوانين، والمنابر، ومراكز التأثير الثقافي.

ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك أحيانًا على طريقة تقديم القضايا الدينية، وعلى ترتيب الأولويات، وعلى تحديد من يُقدَّم باعتباره ممثلًا للدين، ومن يُقدَّم باعتباره خصمًا أو خطرًا.

ومن هنا ينبغي أن نسأل بهدوء:

هل يمكن أن يتحول بعض الخطاب الديني من خطاب دعوي مستقل إلى خطاب يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، توجهات سياسية معينة؟

هذا السؤال لا يخص تيارًا واحدًا.

بل الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن كثيرًا من التيارات والجماعات الإسلامية عبر التاريخ الحديث تعرضت بدرجات مختلفة لمحاولات الاحتواء أو الاستغلال أو التوظيف السياسي، من قوى داخلية أو خارجية، ومن أنظمة إقليمية ودولية متباينة.

ولهذا فإن القضية ليست اتهام جماعة بعينها بأنها وحدها تعرضت للتوظيف، وإنما هي قضية أوسع:

كيف نحافظ على استقلال الخطاب الديني عن التجاذبات السياسية ومصالح السلطة؟


◼️ وماذا عن التيار المدخلي؟

الملاحظ في الخطاب المدخلي المعاصر أن قضايا الطاعة والسلطة والحاكم والموقف من المعارضة السياسية أصبحت تحتل مساحة واسعة من الخطاب الدعوي، حتى غدت في بعض البيئات معيارًا لتصنيف الأشخاص والتيارات.

وهنا يحق لنا أن نتساءل:

هل هذه الأولويات ناتجة دائمًا عن اجتهاد علمي مستقل؟

أم أن الظروف السياسية المحيطة قد يكون لها تأثير في تشكيل هذا الخطاب وانتشاره؟

إن مجرد طرح هذا السؤال لا يعني اتهام كل فرد ينتسب إلى هذا التيار بالتبعية أو العمالة.

بل على العكس.

نحن نعلم أن داخل كل تيار أفرادًا مخلصين، صادقين، يريدون نصرة الدين، ويبحثون عن الحق بحسب ما وصل إليهم من علم واجتهاد.

وهؤلاء لا يجوز ظلمهم بالتعميم.

لكن الإخلاص وحده لا يكفي.

فقد يكون الإنسان صادق النية، ومع ذلك يتبنى رؤية غير دقيقة، أو يقع في قراءة ناقصة للواقع، أو يتحول من حيث لا يشعر إلى جزء من منظومة سياسية أكبر منه.

ولهذا كان العلم والبصيرة وفهم الواقع والنظر في مآلات المواقف أمورًا لا غنى عنها للداعية وطالب العلم.


◾️ لا يكفي أن تسأل: من قال هذا؟

بل اسأل أيضًا:

ما الدليل؟

وما سياق الكلام؟

وما مآلاته؟

ومن المستفيد من انتشاره؟

وهل الموقف الذي يُقدَّم باسم الشرع هو بالفعل نتيجة للدليل الشرعي، أم أن الاعتبارات السياسية والاجتماعية دخلت في تشكيله؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للخطاب الديني هو أن يصبح أداة لتبرير مواقف سياسية جاهزة، ثم تُلبس تلك المواقف لباسًا شرعيًا يجعل مخالفتها تبدو وكأنها مخالفة للدين نفسه.

وهنا يفقد الخطاب الديني شيئًا من استقلاله.


◼️ المشكلة ليست في طاعة ولي الأمر… بل في تحويلها إلى نظرية شاملة

لا خلاف في أصل وجوب الطاعة في المعروف، ولا في خطورة الفوضى والفتن وإراقة الدماء.

لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه المعاني الصحيحة إلى منظومة فكرية مغلقة يصبح فيها كل نقد للحاكم خروجًا، وكل اعتراض سياسي فتنة، وكل معارضة خيانة، وكل اختلاف مع السلطة انحرافًا عن السنة.

فهل هذا هو الدين كله؟

وهل يمكن اختزال الإصلاح الإسلامي في قضية واحدة؟

أين الأمر بالمعروف؟

أين النصح؟

أين العدل؟

أين محاسبة النفس والسلطة؟

أين نصرة المظلوم؟

أين مقاومة الظلم؟

وأين بقية أبواب الشريعة ومقاصدها الكبرى؟

إن الطاعة في المعروف لا تعني تعطيل العقل، ولا إلغاء النصيحة، ولا تحويل الحاكم إلى شخصية فوق النقد الشرعي والأخلاقي.


◼️ انتبهوا إلى خطورة الاصطفاف السياسي باسم الدين

يا إخوتنا:

إذا وجد الإنسان نفسه دائمًا في الجهة التي تريدها السلطة، ودائمًا في مواجهة خصومها، ودائمًا يفسر الأحداث بالطريقة التي تخدم روايتها، فعليه أن يتوقف لحظة ويسأل نفسه:

هل أنا أتبنى هذا الموقف لأن الدليل الشرعي يقودني إليه؟

أم لأن البيئة السياسية والإعلامية المحيطة بي جعلت هذا الموقف يبدو وكأنه الموقف الشرعي الوحيد؟

وهذا السؤال لا ينبغي أن يخيف أحدًا.

بل هو من صميم مراجعة النفس وتجريد القصد لله تعالى.


◼️ لا تجعلوا خصومات السياسة دينًا

من أخطر النتائج التي قد يفرزها التوظيف السياسي للخطاب الديني أن تتحول الخصومات السياسية إلى خصومات دينية.

فيصبح المخالف السياسي:

مبتدعًا.

والمعارض:

خارجيًا.

والناقد:

مفسدًا.

والجماعة المخالفة:

حزبًا على باطل.

ثم تتوسع دائرة التصنيف حتى يصبح الاختلاف في الموقف السياسي سببًا للطعن في الدين والمنهج والعقيدة.

وهنا ينبغي أن نعود إلى الأصل:

الحق لا يُعرف بالرجال، ولا بالجماعات، ولا بالسلطات، وإنما يُعرف بالدليل.


◼️ أنتم لستم سواء

وأكررها بوضوح:

أنتم لستم سواء.

فيكم من يريد الحق، وفيكم من يحب السنة، وفيكم من يطلب العلم، وفيكم من اجتهد فأخطأ، وفيكم من أصاب.

ولذلك فإن نقد منهج أو خطاب أو ممارسة سياسية لا يعني الحكم على كل فرد ينتمي إلى ذلك التيار.

بل إن النصيحة الصادقة تقتضي أن نقول للإنسان الذي نحبه:

راجع نفسك.

اقرأ أكثر.

اسأل عن الدليل.

وازن بين النصوص.

انظر إلى الواقع كما هو، لا كما تصوره لك جماعتك أو بيئتك.

ولا تجعل الانتماء إلى جماعة سببًا في أن يصبح كل ما تقوله الجماعة حقًا، وكل ما يقوله مخالفوها باطلًا.


◼️ كلمة أخيرة

يا إخوتنا الذين تحبون أن تكونوا سلفيين على جادة السلف:

السلفية الحقيقية — إن أريد بها اتباع السلف الصالح — لا ينبغي أن تكون شعارًا حزبيًا، ولا غطاءً سياسيًا، ولا وسيلة لإقصاء المخالفين.

بل ينبغي أن تكون:

علمًا، وإنصافًا، واتباعًا للدليل، وتجردًا للحق، وعدلًا مع الموافق والمخالف.

فإذا كان الخطاب الديني يمكن أن يُستغل سياسيًا، فإن الواجب على طالب العلم أن يكون أكثر حذرًا، لا أقل.

وإذا كانت الجماعات الإسلامية كلها معرضة لمحاولات الاحتواء والتوظيف والاستغلال، فإن العلاج ليس في اتهام الآخرين فقط، وإنما في بناء خطاب ديني مستقل، واعٍ، بصير، لا يتحول إلى تابع لأي سلطة أو حزب أو مشروع سياسي.

والميزان في النهاية ليس:

من معنا؟

ولا:

من ضدنا؟

وإنما:

أين الدليل؟ وأين العدل؟ وأين الحق؟

نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم إلى سواء السبيل، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والله ولي التوفيق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق