الاثنين، 28 سبتمبر 2026

حديث الشاب الأمرد… بين ثبوت الرواية وتنزيه الله عن الصورة والهيئة

 


حديث الشاب الأمرد… بين ثبوت الرواية وتنزيه الله عن الصورة والهيئة

مَسْلَكُ الأَشَاعِرَةِ أَهْلِ التَّنْزِيهِ فِي الرَّدِّ عَلَى التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ

المحاضرة الأربعون: حديث الشاب الأمرد ومسألة الصورة


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، المتنزّه عن مشابهة المخلوقين، المقدّس عن الحدود والأمكنة والجهات والكيفيات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمّا بعد:

فمن المسائل التي طال فيها الجدل في باب الصفات الإلهية ما اشتهر بحديث «الشاب الأمرد»، وما يتصل به من البحث في معنى الصورة، وحدود دلالة الرواية، وعلاقة ذلك بتنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه.

وهي مسألة تحتاج إلى علم بالحديث، ودراية باللغة، وفهم لأصول الاعتقاد؛ إذ لا يكفي أن يُذكر الخبر في كتاب من كتب الحديث حتى يصحّ كل لفظ ورد فيه، كما لا يكفي ثبوت الرواية للحكم بأن كل معنى يتبادر إلى الذهن منها هو المراد شرعًا.

فثبوت النص شيء، وتحديد دلالته شيء آخر، والحكم على المعنى المستفاد منه شيء ثالث.

وهذا التفريق هو مفتاح البحث في هذه المسألة.

أولًا: حديث الشاب الأمرد… بين اختلاف الروايات وأحكام المحدثين

وردت في هذا الباب روايات بألفاظ متعددة، منها:

«رأيت ربي جعدًا أمرد عليه حلة خضراء».

ومنها:

«رأيت ربي في صورة شاب أمرد، له وفرة، جعد قطط، في روضة خضراء».

وقد أورد البيهقي بعض هذه الروايات في كتابه الأسماء والصفات، كما تناولها ابن الجوزي في العلل المتناهية، وابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية.

وقد اختلفت أحكام العلماء على طرق هذا الخبر وألفاظه؛ فصحّح بعضهم بعض رواياته، بينما ضعّف آخرون بعض طرقه أو استنكروها.

ومن المهم هنا ألّا نخلط بين الروايات المختلفة، ولا أن ننقل حكمًا على طريق معين إلى جميع الطرق والألفاظ من غير تحقيق.

فقد صحّح ابن تيمية روايةً في هذا الباب، وأوردها في بيان تلبيس الجهمية، في حين نُقل عن ابن الجوزي تضعيف الخبر في العلل المتناهية.

وهذا الاختلاف يقتضي النظر في الأسانيد والألفاظ على وجه التفصيل، لا الاكتفاء بدعوى الإجماع على التصحيح، ولا إطلاق الحكم بالتضعيف على جميع الروايات.

لكن حتى لو سلّمنا بصحة الرواية، فإن البحث في دلالتها لا ينتهي بذلك؛ بل يبدأ من هنا.

ثانيًا: هل ثبوت الرواية يعني إثبات صورة حسية لله تعالى؟

هذه هي المسألة الجوهرية.

فقد يصحّ الخبر من جهة الإسناد، ثم يقع الخلاف في فهم دلالته، أو في تحديد المعنى الذي يجوز إثباته لله تعالى.

وليس من المنهج العلمي أن نجعل كل معنى يتبادر إلى الذهن من لفظ مشكل حقيقةً عقديةً ثابتة، من غير النظر في اللغة والسياق وسائر النصوص المحكمة.

فإذا ورد لفظ «الصورة»، وجب أولًا تحرير المراد منه، وبيان ما إذا كان المقصود به شكلًا أو هيئةً أو مقدارًا، أو معنى آخر لا يلزم منه شيء من خصائص الأجسام.

ذلك أن النزاع ليس في مجرد الألفاظ، وإنما في المعاني التي يُراد إثباتها.

فإن أريد بالصورة الشكل والهيئة والمقدار والتركيب، كان السؤال عن وجه جواز إثبات هذه المعاني لله تعالى سؤالًا مشروعًا، لا يصح إسقاطه بمجرد القول: «بلا كيف».

أما إذا أريد باللفظ معنى آخر، فلا بد من بيانه وتحريره، حتى لا يتحول اللفظ المجمل إلى أصل عقدي تُبنى عليه أحكام لا يدل عليها النص دلالة واضحة.

فليس كل من أثبت لفظًا قد أثبت بالضرورة المعنى الذي يتبادر إلى غيره منه، كما أن نفي المعنى الباطل لا يستلزم نفي كل ما قد يحتمله اللفظ من معنى صحيح.

ثالثًا: ماذا يقول ابن تيمية عن رؤية الله في المنام؟

من أهم النصوص التي ينبغي الوقوف عندها كلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية، حيث يقول:

«فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه، فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام».

ثم يقرر أن ما يتخيله الإنسان في منامه أو يقظته من الصور لا يلزم أن يكون مماثلًا لحقيقة الله تعالى، ويختم كلامه بقوله:

«فالله تعالى أجل وأعظم».

وهذا الكلام يقرر أصلًا مهمًّا، وهو أن صدق الرؤيا لا يستلزم أن تكون الصورة التي يراها النائم مطابقة لحقيقة المرئي في الخارج.

فقد تكون الرؤيا صادقة، ويكون لها معنى وتأويل، مع عدم مطابقة الصورة المتخيلة لحقيقة الشيء الذي تعلقت به الرؤيا.

وهذا أصل ينبغي استحضاره عند البحث في الأخبار المتعلقة برؤية الله تعالى في المنام.

لكن الإنصاف العلمي يقتضي التنبيه إلى أمر مهم: لا يجوز أن ننقل هذا الكلام من سياقه، ثم نجعله حكمًا نهائيًّا على كل رواية وردت في حديث الشاب الأمرد؛ بل لا بد من تحقيق الطريق الذي نتحدث عنه، ومعرفة ما إذا كان لفظه يصرّح بكون الرؤيا منامية أم لا.

فقد ذكر ابن تيمية نفسه أن الروايات التي تناولها فيها ما يدل على أن الرؤيا كانت في المنام، واستثنى طريق عكرمة عن ابن عباس من هذا البيان الصريح.

ومن ثمّ، فإن الاستدلال بكلامه في رؤيا المنام يحتاج إلى ربطه بالطريق واللفظ محل البحث، لا بمجرد التشابه بين الروايات.

ومع ذلك، يبقى الأصل الذي قرره واضحًا: ما يراه الإنسان في المنام لا يجوز أن يُجعل، بمجرد الرؤيا، وصفًا مطابقًا لحقيقة ذات الله تعالى.

رابعًا: ما معنى الصورة؟ وهل يكفي أن نقول: بلا كيف؟

إذا قيل إن الصورة الواردة في الخبر صورة حقيقية، مع نفي مماثلتها لصور المخلوقين، فإن السؤال العلمي الذي يفرض نفسه هو:

ما المراد بالصورة هنا؟

هل المراد الشكل والهيئة والمقدار والتركيب؟ أم أن المراد معنى آخر؟

إن كانت الصورة تعني شكلًا ذا حدود ومقدار، فهذه معانٍ تثير إشكالًا عقديًّا؛ لأنها ترتبط في الاستعمال المعروف بخصائص الأجسام والمخلوقات.

أما إن قيل: هي صورة حقيقية، ولكن لا تشبه صور المخلوقين، فلا بد من بيان المعنى المراد من هذا الإثبات، حتى لا يكون الكلام مجرد إثبات لفظ مجمل مع تفويض معناه.

وهنا تظهر أهمية التفريق بين تفويض الكيفية وتحرير المعنى.

فليس كل سؤال عن معنى اللفظ سؤالًا عن الكيفية، وليس كل من سأل عن مدلول اللفظ قد خاض في كيفية الصفة.

وقول القائل: «بلا كيف» لا يغني عن بيان المعنى إذا كان أصل النزاع متعلقًا بما يراد إثباته باللفظ.

وفي المقابل، لا يصح أن يُلزم كل من أثبت لفظًا شرعيًّا بأنه أثبت جميع المعاني الجسمانية التي قد يتوهمها بعض الناس منه.

فالواجب هو تحرير محل النزاع، وإثبات ما دل عليه النص، ونفي ما يناقض التنزيه، من غير زيادة على النص ولا تحميل له ما لا يحتمله.

خامسًا: أصل التنزيه في القرآن الكريم

الأصل المحكم الذي يُرجع إليه في هذا الباب قول الله تعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

جمعت هذه الآية بين أمرين عظيمين:

  • نفي المماثلة عن الله تعالى.

  • إثبات صفات الكمال له سبحانه.

فالتنزيه لا يعني نفي صفات الكمال، كما أن إثبات الصفات لا يعني تشبيه الله بخلقه.

وهذا هو الأصل الذي ينبغي أن تُفهم في ضوئه النصوص المشكلة، بعيدًا عن الإفراط في الإثبات الذي يفضي إلى معانٍ لا تليق بالله تعالى، أو الإفراط في النفي الذي يؤدي إلى تعطيل ما أثبته لنفسه.

ومن هنا، فإن السؤال عن دلالة لفظ «الصورة» ليس خروجًا عن النص، بل هو بحث في معناه، وتمييز بين ما يدل عليه اللفظ وما قد يُحمّل عليه من لوازم.

فلا يجوز أن نجعل اللفظ المحتمل معارضًا للأصل القرآني المحكم، ولا أن نرد النص الثابت لمجرد توهم معنى غير مراد منه.

سادسًا: بين التفويض والتأويل… ما المنهج في النصوص المشكلة؟

إن التعامل مع النصوص التي يشتبه معناها يحتاج إلى منهج يجمع بين تعظيم الوحي وصيانة الاعتقاد.

فليس كل تأويل للنصوص تعطيلًا، كما أن مجرد دعوى التمسك بالظاهر لا تكفي لإثبات صحة كل تفسير يُنسب إلى ذلك الظاهر.

وقد عُرف في التراث الإسلامي مسلك التفويض، كما عُرف مسلك التأويل عند قيام الدليل، مع اختلاف العلماء في مواضع تطبيق كل منهما.

ومن ذلك ما قرره الإمام أبو حامد الغزالي في إلجام العوام عن علم الكلام من نفي معاني الجلوس والاستقرار الجسماني عن الله تعالى في باب الاستواء، مع سلوكه مسلك التفويض فيما لم يتعين المراد منه.

وهذا يوضح أن البحث في دلالة النصوص، ونفي المعاني التي لا تليق بالله، ليس أمرًا طارئًا على التراث العقدي الإسلامي.

والمقصود هنا ليس أن جميع العلماء اتفقوا على تفسير واحد لكل نص، بل أن الخلاف في طريقة فهم النصوص لا يبرر اتهام المخالف بمجرد ذلك بالتعطيل أو رد السنة.

فالخلاف ينبغي أن يُناقش بالدليل، لا بالألقاب.

سابعًا: هل يصح اتهام الأشاعرة بالتعطيل لمجرد نفي المعنى الجسماني؟

يُخطئ من يجعل كل نفي لمعنى يتضمن التشبيه تعطيلًا، كما يُخطئ من يجعل كل إثبات للصفات تجسيمًا.

فالأشاعرة يقررون تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات، ويختلفون مع غيرهم في عدد من مسائل الصفات، وفي مناهج التعامل مع بعض النصوص الخبرية.

وهذا الخلاف ينبغي عرضه كما هو، لا أن يُختزل في ثنائية مبسطة تجعل أحد الطرفين معظّمًا للنص والآخر رادًّا له.

فإذا نفى عالم معنى الجسم أو الحد أو التركيب عن الله تعالى، فلا يصح أن يُتهم بمجرد ذلك بأنه يرد النصوص؛ إذ قد يكون نزاعه مع خصمه في دلالة النص، أو في لازم يراه غير جائز على الله سبحانه.

وبالمثل، فإن من أثبت صفةً ورد بها النص، مع نفي المماثلة، لا يصح أن يُحكم عليه بالتجسيم لمجرد الإثبات، دون النظر في حقيقة المعنى الذي يثبته.

فالميزان هو تحرير المعاني والأدلة، لا الاكتفاء بالشعارات المتقابلة.

ثامنًا: ما الذي تثبته رواية الشاب الأمرد، وما الذي لا تثبته؟

يمكن تلخيص المسألة في جملة من النقاط:

أولًا: إن الحكم على الحديث لا بد أن يكون بحسب طرقه وألفاظه، مع التفريق بين التصحيح والتضعيف، وعدم إطلاق حكم واحد على جميع الروايات دون تحقيق.

ثانيًا: إن تصحيح الإسناد لا يعني بالضرورة صحة كل تفسير يُبنى على الرواية، ولا يجعل كل معنى محتمل للفظ معنىً واجب الإثبات.

ثالثًا: إن كلام ابن تيمية في رؤيا المنام يقرر أن الصورة التي يراها النائم لا يلزم أن تطابق حقيقة المرئي في الخارج، لكن تطبيق ذلك على رواية بعينها يتوقف على تحقيق طريقها ولفظها.

رابعًا: إن لفظ «الصورة» يحتاج إلى تحرير معناه قبل بناء حكم عقدي عليه؛ فلا يكفي إثبات اللفظ مع ترك المعنى ملتبسًا، ولا يصح كذلك تحميله معنى جسمانيًّا دون دليل.

خامسًا: إن أصل التنزيه المحكم هو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، مع إثبات ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال.

وبذلك يتضح أن المسألة لا تُحسم بمجرد تصحيح الرواية، كما لا تُحسم بمجرد الاستنكار العقلي؛ بل تحتاج إلى جمع بين نقد الإسناد، وفهم المتن، وتحرير الدلالة، وردّ المتشابه إلى المحكم.

الخاتمة: التنزيه ليس تعطيلًا، والتأويل ليس ردًّا للنص

إن حديث الشاب الأمرد من المسائل التي تكشف أهمية التمييز بين ثبوت الرواية ودلالتها، وبين ما يراه الإنسان في المنام وحقيقة المرئي، وبين إثبات اللفظ وإثبات المعنى الذي قد يتوهمه بعض الناس منه.

ولا ينبغي أن تتحول هذه المسألة إلى ميدان لتبادل الاتهامات، أو وسيلة للطعن في النيات والعقائد، بل الواجب أن تُبحث بعلم وإنصاف.

فمن صحح الرواية فعليه أن يبين وجه دلالتها، ومن ضعّفها فعليه أن يحرر أسباب التضعيف، ومن نفى معنى جسمانيًّا فعليه أن يوضح وجه نفيه، ومن أثبت لفظًا محتملًا فعليه أن يحرر المراد منه.

وهكذا يكون البحث العقدي قائمًا على الدليل، لا على التهويل، وعلى تحرير المعاني، لا على إطلاق الأحكام.

إن تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات أصل محكم، لا يجوز أن يُضحّى به من أجل تفسير محتمل لنص مختلف في بعض طرقه وألفاظه.

كما أن تعظيم النصوص الشرعية يقتضي فهمها على وجهها، لا تحميلها ما لم تدل عليه.

فالتنزيه ليس تعطيلًا، والتأويل ليس بالضرورة تحريفًا، والتفويض ليس إقرارًا بالتشبيه؛ وإنما العبرة بحقيقة المعنى، وصحة الدليل، وسلامة المنهج.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والفهم الصحيح، والإنصاف في القول والعمل، وأن يثبتنا على توحيده وتنزيهه، وأن يجنبنا الغلو والتقصير، وأن يجعلنا من أهل الحق والعدل.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق