«بفهم السلف» أم بفهمهم هم؟
حين يتحول شعار اتباع السلف إلى احتكارٍ للسنة وإقصاءٍ للمخالف
كثيرًا ما نسمع عبارة:
«نحن على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح».
ولا خلاف في أن فهم السلف الصالح له مكانته وأهميته، وأن المسلم لا يستغني عن فهم الصحابة والتابعين وأئمة العلم للنصوص.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو:
هل المقصود بـ«فهم السلف» هو مجموع تراث السلف ومدارسهم واجتهاداتهم المتنوعة؟
أم أن العبارة تحولت عند بعض التيارات إلى معنى آخر، خلاصته:
«فهم السلف هو فهمنا نحن، ومن خالف فهمنا فقد خالف السلف»؟!
وهنا تبدأ المشكلة.
فليس من حق أحد أن يجعل اجتهاده الخاص، أو اجتهاد مدرسته، ميزانًا وحيدًا للسنة والجماعة، ثم ينسب كل مخالف له إلى البدعة أو الضلال، وكأن تاريخ الأمة العلمي لم يعرف إلا قراءة واحدة وفهمًا واحدًا.
🔹 أولًا: في العقيدة والتوحيد
حين يتحول «فهم السلف» إلى شعار حصري، يصبح المطلوب من المسلم أحيانًا أن يتبنى تفاصيل عقدية دقيقة باعتبارها المعيار الوحيد للسنة، مع أن مسائل الصفات والتنزيه عرفت عبر تاريخ الأمة نقاشًا علميًا واسعًا بين علماء ومدارس متعددة.
فيصبح الخلاف في بعض مسائل الصفات سببًا للحكم على طوائف واسعة من علماء الأمة، بدل أن يُناقش الخلاف بميزان العلم والإنصاف.
وهنا ينبغي أن نتذكر أصلًا عظيمًا:
تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه ليس تعطيلًا، وإثبات النصوص لا يعني حملها بالضرورة على أوهام التجسيم والتشبيه.
قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
فالواجب أن نجمع بين إثبات ما أثبته الله لنفسه وبين تنزيهه سبحانه عن مشابهة خلقه، لا أن نجعل طريقة مدرسة واحدة هي الحد الفاصل بين الإيمان والسنة والضلال.
🔹 ثانيًا: حين يصبح أكثر علماء الأمة خارج «السنة»!
من أخطر نتائج الفهم الإقصائي أن يتحول تاريخ الأمة العلمي كله إلى ساحة تصنيف.
فيقال عن علماء كبار:
هذا مبتدع، وهذا ليس على السنة، وهذا ضال، وهذا متأول، وهذا لا يُعتد بكلامه...
ثم نجد أن قائمة طويلة من أعلام الأمة تُدفع خارج دائرة الاعتبار بسبب مسائل اجتهادية أو تأويلات أو اختلافات عقدية ومنهجية.
وهنا يبرز سؤال مهم:
هل يُعقل أن تكون أمة الإسلام طوال قرون قد أخطأت في فهم السنة، ثم جاء المتأخرون ليكتشفوا أن النجاة لا تكون إلا في إطار جماعتهم هم؟
وهل يعقل أن يُختزل تاريخ أهل السنة في مجموعة محدودة من المعاصرين، بينما يُهمَّش تراث مئات العلماء من مختلف الأمصار والمدارس؟
إن احترام العلماء لا يعني عصمتهم، كما أن مخالفة العالم في مسألة لا تعني إسقاطه من دائرة العلم.
🔹 ثالثًا: من «فهم السلف» إلى «فهم الشيخ»!
المشكلة تظهر بصورة أوضح عندما يتحول شعار:
«الكتاب والسنة بفهم السلف»
عمليًا إلى:
«الكتاب والسنة بفهم الشيخ الذي نتبعه».
فإذا وافق الدليل قول الشيخ، قيل:
هذا هو فهم السلف.
وإذا خالفه عالم آخر من علماء الأمة، قيل:
إنه ليس على منهج السلف!
وبذلك يتحول الاجتهاد البشري إلى معيار للحق، ويصبح الاختلاف مع الأشخاص اختلافًا مع السلف أنفسهم.
وهذا خطر على العلم؛ لأن السلف الصالح ليسوا شخصًا واحدًا، ولا شيخًا واحدًا، ولا مدرسة معاصرة واحدة.
🔹 رابعًا: في الفقه والأصول
من آثار القراءة الأحادية أيضًا التعامل مع النصوص بمعزل عن:
قواعد الأصول، والمقاصد، ودلالات اللغة، وتراكم الاجتهاد الفقهي.
فيصبح ظاهر النص في بعض القضايا هو نهاية البحث، ويُنظر أحيانًا إلى المذاهب الفقهية وكأنها عائق أمام اتباع السنة، مع أن المذاهب الأربعة قامت على جهود علمية ضخمة في فهم النصوص والجمع بينها وترجيح بعضها على بعض.
والعامي ليس مطالبًا بأن يتحول إلى مجتهد بمجرد قراءة حديث أو آية.
فالعلم له أدوات، والاجتهاد له شروط، والنظر في النصوص ليس عملًا عشوائيًا.
كما أن اختلاف الفقهاء في المسائل الاجتهادية لا يعني أن أحد الطرفين ترك السنة بالضرورة.
🔹 خامسًا: تضييق دائرة المباح
ومن المشكلات التي تظهر في بعض القراءات المتشددة:
توسيع دائرة التحريم، وتضييق دائرة المباح.
فتتحول مسائل عرفية أو خلافية أو اجتهادية إلى قضايا عقدية ومنهجية كبرى.
ويدخل في ذلك مسائل مثل:
التوسل، والتبرك، والاحتفال بالمولد النبوي، وبعض صور زيارة الصالحين، وغيرها من المسائل التي وقع فيها خلاف بين العلماء.
والمنهج العلمي يقتضي التفريق بين:
ما هو شرك صريح، وما هو بدعة، وما هو مكروه، وما هو محل خلاف، وما هو مباح.
فليس كل خلاف فقهي يتحول تلقائيًا إلى قضية إيمان وكفر أو سنة وبدعة.
🔹 سادسًا: حين يتحول «الجرح والتعديل» إلى شغل شاغل
من المؤسف أن ينشغل بعض المنتسبين إلى السنة بتتبع الأشخاص:
من أخطأ؟ من حُذِّر منه؟ من هُجر؟ من بُدِّع؟ من رد على فلان؟ ومن لم يرد عليه؟
حتى تصبح المجالس والصفحات الدينية ساحات لتصنيف المسلمين، بينما تقل العناية بأمراض النفس:
الكِبر، والعجب، والرياء، والحسد، وسوء الظن، والظلم، والغيبة.
فإذا كان علم الجرح والتعديل وسيلة لحماية الدين، فلا ينبغي أن يتحول إلى مشروع دائم لتصفية الحسابات بين المسلمين.
والسؤال الأهم:
ماذا أصلحتَ في نفسك قبل أن تنشغل بإسقاط غيرك؟
🔹 سابعًا: أين الأخلاق؟
النبي ﷺ لم يبعث ليعلم الناس الخلاف فقط، وإنما قال:
«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
فليس من كمال اتباع السنة أن نحفظ أسماء المخالفين وننسى أخلاق النبي ﷺ معهم.
وليس من الغيرة على الدين:
رفع الصوت، وسوء الأدب، واحتقار المسلمين، والتشهير بالعلماء والدعاة، وتحويل الخلاف العلمي إلى عداوة شخصية.
فالحق لا يحتاج إلى ظلم المخالف لكي يكون حقًا.
🔹 ثامنًا: العقل والعلم والواقع
السلف الصالح لم يكونوا أعداء للعقل، ولا كانوا يجهلون الواقع، ولا كانوا يكررون كلام من سبقهم دون نظر.
بل كانوا أهل علم ونظر واجتهاد، يراعون:
النص، واللغة، والعقل، والمصلحة، والواقع، ومآلات الأحكام.
ومن الخطأ أن يتحول شعار اتباع السلف إلى رفض كل جديد، أو التعامل مع العلوم والمعارف الحديثة باعتبارها خصمًا للدين.
الدين لا يخاف من العلم الصحيح، والعقل الصحيح لا يناقض الوحي الصحيح.
والمشكلة ليست في التمسك بالنص، وإنما في القراءة الضيقة للنص التي تجعل كل ما لم يألفه القارئ باطلًا.
🔹 تاسعًا: السلف لم يكونوا مشروع تفريق
السلف الصالح كانوا أمة علم واجتهاد، ولم يكن اختلافهم في كل مسألة سببًا لتقسيم المسلمين إلى:
فرقة ناجية هنا، وهالكين هناك.
ولم يكن كل اختلاف بينهم يؤدي إلى التبديع والهجر والتشهير.
أما حين يصبح كل خلاف سببًا للخصومة، وكل اجتهاد مخالف سببًا للإقصاء، وكل عالم لا يوافق مدرسة معينة خارج دائرة السنة، فإننا لم نعد أمام مجرد اتباع للسلف، وإنما أمام قراءة معاصرة خاصة للسلف.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين:
اتباع السلف
وهو الاستفادة من علمهم، وفهمهم للنصوص، واقتداءهم بالوحي، ومعرفة قواعدهم في العلم والعبادة والأخلاق.
واحتكار فهم السلف
وهو أن تدعي جماعة أن فهمها هي هو «فهم السلف»، ثم تجعل مخالفتها مخالفة للسلف، ومخالفة السلف مخالفة للسنة، ومخالفة السنة ضلالًا.
وهذا انتقال من الاقتداء بالسلف إلى احتكار السلف.
🔹 عاشرًا: الدين أوسع من مدرسة واحدة
السنة ليست ملكًا لتيار.
والعلم ليس حكرًا على جماعة.
والأمة لم تبدأ بعلماء عصرنا، ولن تنتهي عندهم.
ففي تاريخ الإسلام مدارس علمية متعددة، ومذاهب فقهية معتبرة، واجتهادات متنوعة، وعلماء كبار اختلفوا في مسائل كثيرة، ومع ذلك بقيت بينهم مساحة واسعة من الاجتماع على أصول الإسلام.
ولهذا فإن من أخطر الأخطاء أن نختزل الأمة كلها في قراءة واحدة، ثم نضع عليها ختم:
«هذا هو فهم السلف»
وكأن من خالفها لم يعرف السلف، ولم يفهم السنة، ولم يكن له نصيب من العلم.
🟨 الخلاصة
ليس الاعتراض على عبارة:
«بفهم السلف الصالح».
فهي عبارة صحيحة في أصلها.
وإنما الاعتراض على تحويلها إلى شعار احتكاري، بحيث يصبح المقصود عمليًا:
«بفهمنا نحن للسلف، ومن خالفنا فقد خالف السلف».
وهنا تتحول العبارة من وسيلة لفهم النصوص إلى أداة لإقصاء المخالف وتصنيف العلماء والجماعات.
والمنهج الأعدل أن نقول:
نحترم فهم السلف، ونستفيد من تراثهم، ونزن الأقوال بالدليل، ونعرف قدر العلماء، ونفرق بين القطعي والاجتهادي، ولا نجعل خلافًا علميًا سببًا لتفريق الأمة وتبديعها وهجرها.
فالسلف الصالح ليسوا راية حزبية، ولا اسمًا لجماعة معاصرة، ولا ملكية فكرية لتيار دون آخر.
بل هم جزء من تراث هذه الأمة، نقرأه بعلم، ونستفيد منه بإنصاف، ونحترم اختلافات علمائه، ولا نحول اجتهادات المتأخرين إلى دينٍ جديد يُقاس به الناس جميعًا.
فاتباع السلف شيء، واحتكار فهم السلف شيء آخر.
والفرق بينهما كبير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق