مواقف مشرفة لعلماء المملكة تجاه الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس رحمه الله
شهادات ومواقف تستحق أن تُقرأ بإنصاف
حين نتحدث عن الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، فإن الإنصاف يقتضي أن نستمع إلى شهادات العلماء الذين عاصروه وتحدثوا عنه، بعيدًا عن التشنج والخصومة، ودون أن نختزل الرجل وتاريخه في مواقف سياسية أو خلافات فكرية.
ومن الشهادات اللافتة في هذا السياق ما صدر عن عدد من كبار علماء المملكة العربية السعودية، ومن أبرزها كلمة سماحة مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله، وكذلك ما نُقل عن الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رحمه الله.
أولًا: كلمة مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ رحمه الله
عقب اغتيال الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، صدرت عن سماحة مفتي المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ كلمة عبّر فيها عن حزنه واستنكاره للجريمة، وترحّم فيها على الشيخ أحمد ياسين، وسأل الله أن يتقبله في الشهداء.
وجاء في كلمته:
«فإننا قد تلقينا ببالغ الحزن نبأ اغتيال الشيخ الشهيد أحمد ياسين، غفر الله له ورحمه ورفع درجته في المهديين، وخلفه في عقبه في الغابرين، على يد طغمة فاسدة ظالمة عليها من الله ما تستحق».
ثم أشار إلى ما عُرف عن الشيخ أحمد ياسين من الصبر والجهاد والوقوف في وجه الظلم، فقال:
«ولما كان معروفًا عن الشيخ رحمه الله صبره وجهاده ووقوفه في وجه الظلم سني حياته؛ فإني أرجو أن تكون خاتمته هذه خاتمة السعادة، وأن يكون من الشهداء الأبرار...»
ثم استشهد بقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
كما أعلن استنكاره لاغتياله، ودعا المنصفين في العالم إلى الوقوف في وجه الظلم، فقال:
«وإنا إذ نعزي أنفسنا وسائر إخواننا المسلمين والشعب الفلسطيني الشقيق وأهل الفقيد، راجين من الله أن يكون شهيدًا، لنستنكر هذا الفعل الإجرامي الظالم، وندعو كافة المنصفين في العالم قادة وشعوبًا إلى الوقوف في وجه الظلم والظالمين».
وختم كلمته بالدعاء للشيخ أحمد ياسين رحمه الله:
«نسأل الله تعالى بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يتقبل أخانا الشيخ أحمد ياسين شهيدًا، وأن يرفع درجته في عليين، ويخلفه في عقبه في الغابرين، وأن يدحر الظالمين وينصر عباده الموحدين، إنه سبحانه سميع مجيب».
وهذه الكلمة – بما تحمله من ترحّم ودعاء واستنكار واضح لعملية الاغتيال – تمثل موقفًا معلنًا من أحد كبار علماء المملكة تجاه الشيخ أحمد ياسين رحمه الله.
ثانيًا: شهادة الشيخ صالح اللحيدان رحمه الله
ومن المواقف اللافتة كذلك ما نُقل عن الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رحمه الله، حين سُئل عن الشيخ أحمد ياسين وحركة حماس، وعن الذين ينتقصون من جهود الشيخ ويصفونه بالضلال.
فجاء في جوابه:
«أعوذ بالله من الضلال»
ثم استشهد ببيت الشعر:
«أَقِلّوا عليهم لا أبا لأبيكمُ
من اللومِ أو سُدّوا المكانَ الذي سَدّوا»
ثم قرر قاعدة مهمة في التعامل مع من كانت له أعمال وجهود ظاهرة، فقال:
«من لم يفعل فعل أولئك، لا يحل له أن يتنقصهم».
وأشار إلى ما اشتهر به الشيخ أحمد ياسين في نظره من الخير والثبات ومقاومة الاحتلال، فقال:
«الرجل اشتهر عنه الخير، والثبات، وإغاظة اليهود ومن ورائهم من حماتهم والمدافعين عنهم، ثم الرجل قُتل قتلة بشعة شنيعة، نسأل الله أن يجعله بعدها في أعلى عليين».
ثم بيّن أن الانتقاص من أمثال هؤلاء لا يدل بالضرورة على فضل المنتقص، وإنما قد يكون سببه الجهل بالوقائع أو الهوى، فقال:
«تنقصهم – هو ومن يقاتل اليهود – لا يدل على خير من المنتقص، وإنما إما يدل على جهل بالحقائق أو عن هوى، والمسلم ينبغي أن يتجنب هذا وهذا».
ثم دعا لحركة حماس بالثبات على الحق والإصلاح والتمسك بشعائر الدين، فقال:
«نسأل الله جل وعلا أن يثبت القائمين على حماس على الحق، وأن يصلحهم، ويعظم في نفوسهم شعائر الدين...»
كما ترحّم على الشيخ أحمد ياسين ودعا له ولذريته وأعوانه، فقال:
«وأما الشيخ أحمد ياسين فنسأل الله جل وعلا أن يتغمده برحمته، ويحسن جزاءه، ويعامله بعفوه، ويصلح ذريته وأعوانه، ويشد أزرهم...»
ثم ختم حديثه بالتأكيد على أن مواجهة الاحتلال – في تصوره – لا تكون بالشعارات القومية وإنما بالتمسك بالدين الإسلامي وتعظيمه والأخذ بما يدعو إليه.
ماذا نتعلم من هذه الشهادات؟
المقصود من إيراد هذه النصوص ليس أن نجعل كلام أي عالم فوق النقد، ولا أن نحول المواقف التاريخية إلى عصمة لأحد، وإنما المقصود هو الإنصاف في قراءة التاريخ، وعدم انتقاء أقوال العلماء بما يخدم موقفًا مسبقًا فقط.
فالشيخ أحمد ياسين رحمه الله كان شخصية عامة مثيرة للنقاش، وقد اختلف الناس في بعض مواقفه واجتهاداته، لكن ذلك لا يبرر تجاهل شهادات علماء كبار عرفوا عصره وتحدثوا عنه، ولا يصح أن يتحول الخلاف معه إلى انتقاص مطلق من شخصه أو تجاهل لما نُسب إليه من صبر وثبات ومقاومة للاحتلال.
والأهم من ذلك أن الاختلاف في الأشخاص والمواقف لا ينبغي أن يتحول إلى إسقاط للإنصاف والعدل.
فمن أراد نقد الشيخ أحمد ياسين أو نقد حركة حماس، فليقدم نقده بالأدلة والوقائع، وليفرق بين النقد العلمي وبين التنقص والتجريح.
ومن أراد الاستشهاد بمواقف العلماء، فليعرض كلامهم كاملًا وفي سياقه، لا أن ينتقي منه ما يوافقه ويترك ما يخالفه.
كلمة أخيرة
إن التاريخ لا يُقرأ بالخصومة، والعلماء لا يُستدعى كلامهم انتقائيًا.
فإذا كان بعض الناس يحتج بأقوال العلماء في موضع، فإن الإنصاف يقتضي أن يعرف أيضًا مواقفهم الأخرى، وأن يقرأ كلامهم كما صدر عنهم، لا كما يريد هو أن يكون.
وهذه النصوص المنقولة عن الشيخ عبد العزيز آل الشيخ والشيخ صالح اللحيدان رحمهما الله تبقى شهادات تاريخية جديرة بالقراءة والتأمل، خصوصًا لمن يتعامل مع قضية الشيخ أحمد ياسين بمنطق الأحكام المسبقة والانتقاص المطلق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق