الخميس، 17 سبتمبر 2026

🔥 حين يقول كلمةَ حقٍّ عند سلطانٍ جائر… يصبح «خارجيًا»! وحين يصمت… يصبح «حكيمًا»!

 


🔥 حين يقول كلمةَ حقٍّ عند سلطانٍ جائر… يصبح «خارجيًا»! وحين يصمت… يصبح «حكيمًا»!

من أعجب المفارقات في بعض الخطابات الدينية المعاصرة أن كلمة الحق قد تتحول إلى تهمة، بينما يتحول الصمت إلى فضيلة مطلقة.

فإذا تكلم الإنسان في وجه الظلم، ونصح، وأنكر منكرًا، أو طالب بالإصلاح، قيل له:

أنت خارجي!
أنت صاحب فتنة!
أنت تريد الخروج!
أنت تشق عصا الطاعة!

أما إذا آثر الصمت، وابتعد عن نقد السلطة، ورضي بالأمر الواقع، فقد يُقدَّم على أنه:

حكيم، سلفي، ملتزم بالجماعة، بعيد عن الفتن!

وهنا لا بد من سؤال جوهري:

هل أصبح معيار الحكمة هو مقدار صمت الإنسان، أم مقدار التزامه بالحق والعدل والنصيحة؟


🔹 كلمة الحق ليست خروجًا

الإسلام لم يجعل قول الحق جريمة، ولم يجعل النصيحة للسلطان منكرًا في ذاتها.

بل ورد في السنة الحديث المشهور:

«أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»

والمعنى واضح في أصل المسألة: أن قول الحق والنصيحة والعدل أمام صاحب السلطة ليسا في ذاتهما خروجًا ولا تمردًا.

فالخلط بين النصيحة والنقد والأمر بالمعروف وبين الخروج المسلح أو الفوضى أو استباحة الدماء خلطٌ خطير؛ لأنه يجعل كل اعتراض على الخطأ وكأنه تمرد على الدولة.

والحقيقة أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يقول الإنسان:

هذا ظلم، وهذا خطأ، وهذا يحتاج إلى إصلاح.

وبين أن يدعو إلى الفوضى أو الاعتداء أو إسقاط النظام بالقوة.

ليس كل نقدٍ خروجًا، كما أن ليس كل صمتٍ حكمة.


🔹 متى أصبح الصمت هو المنهج؟

المشكلة لا تكمن في الدعوة إلى تجنب الفتن؛ فهذا مقصد معتبر.

ولا في التحذير من الفوضى وسفك الدماء؛ فهذا أمر مطلوب.

ولا في التأكيد على الطاعة في المعروف؛ فهذا أصل شرعي.

وإنما المشكلة حين تتضخم هذه المعاني حتى يصبح مجرد الاعتراض على الظلم أو المطالبة بالإصلاح فتنةً في حد ذاته.

عندها يصبح السؤال:

إذا كان كل نقدٍ فتنة، فمن ينكر المنكر؟

وإذا كان كل حديث عن الظلم خروجًا، فمن ينصح؟

وإذا كان كل مطالبة بالإصلاح تحريضًا، فمن يقوم بمسؤولية الإصلاح؟


🔹 الصبر لا يعني الاستسلام

الصبر في الإسلام فضيلة عظيمة، لكنه ليس مرادفًا للاستسلام.

والحكمة ليست مرادفة للصمت.

والطاعة ليست إلغاءً للعقل.

والاستقرار لا يعني أن يصبح الإنسان عاجزًا عن قول الحق.

فالمسلم قد يكون صابرًا ومتكلمًا بالحق في الوقت نفسه.

وقد يكون حكيمًا وشجاعًا في موقفه في الوقت نفسه.

وقد يحافظ على استقرار المجتمع ويرفض الظلم في الوقت نفسه.

هذه المعاني ليست متناقضة.

بل التحدي الحقيقي هو أن يجمع المسلم بينها دون إفراط أو تفريط.


🔹 عندما تتحول الدعوة إلى التصنيف

ومن هنا يظهر جانب آخر من الإشكال.

فبدل أن يناقش الإنسان الفكرة بالدليل، قد يتحول النقاش إلى تصنيف صاحبها:

هذا خارجي.

وهذا حركي.

وهذا إخواني.

وهذا سروري.

وهذا مبتدع.

وهذا ليس على الجادة.

وبذلك ينتقل الحوار من مناقشة الموقف إلى محاكمة الشخص.

فإذا انتقد الظلم، لم يعد السؤال:

هل كلامه صحيح أم خاطئ؟

بل يصبح السؤال:

إلى أي جماعة ينتمي؟

ومن أي شيخ أخذ؟

وما موقفه من فلان؟

وهكذا يتحول التصنيف إلى وسيلة لإسكات النقاش بدل الإجابة عن الأسئلة نفسها.


🔹 الدين أكبر من معركة التصنيفات

ليس الدين مجرد معركة مستمرة حول:

من السلفي؟

ومن الأثري؟

ومن الحركي؟

ومن الحزبي؟

ومن الخارجي؟

ومن المبتدع؟

فكل هذه المصطلحات قد تكون لها استعمالات علمية في سياقات معينة، لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول إلى سلاح لإقصاء المخالف وإسقاط حقه في الكلام.

فقد تجد إنسانًا شديد العناية بالشعارات والمصطلحات، لكنه لا يملك شجاعة كلمة الحق.

وقد تجد آخر مختلفًا معه في كثير من القضايا، لكنه أكثر صدقًا في نصرة مظلوم أو مواجهة ظلم أو الدعوة إلى إصلاح.

والميزان ينبغي أن يكون الحق والعدل والدليل، لا مجرد الانتماءات والتصنيفات.


🔹 أين إنكار المنكر؟

إذا كان المسلم مطالبًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليس من المنطقي أن يصبح هذا الواجب معطلًا كلما تعلق الأمر بصاحب سلطة.

نعم، للإنكار ضوابطه، وللنصيحة آدابها، ولتقدير المصالح والمفاسد أهميته.

لكن وجود الضوابط لا يعني إلغاء الأصل.

فالقول:

«هناك ضوابط للنصيحة»

شيء.

والقول:

«لا تنتقد، ولا تنكر، ولا تتكلم»

شيء آخر تمامًا.

الأول فقه.

أما الثاني فقد يتحول إلى تعطيل.


🔹 الحكمة ليست في الصمت دائمًا

الحكمة أن تعرف متى تتكلم، وكيف تتكلم، وما الذي تقول، وما المصلحة المترتبة على كلامك.

وليست الحكمة أن تصمت في كل الأحوال.

فقد يكون الصمت حكمة في موقف.

وقد يكون الكلام حكمة في موقف آخر.

وقد يكون الصمت أحيانًا تقصيرًا.

وقد يكون الكلام أحيانًا واجبًا.

ولهذا لا يصح أن نجعل الصمت معيارًا ثابتًا للحكمة، ولا الكلام معيارًا ثابتًا للفتنة.


🔹 لا تجعلوا «الخروج» سيفًا على كل ناقد

إن استعمال مصطلح «الخوارج» أو «الخروج» في غير موضعه يفرغ المصطلح من معناه، ويجعل الخلاف العلمي والسياسي والاجتماعي يتحول إلى معركة عقدية.

ليس كل من انتقد حاكمًا خارجيًا.

وليس كل من طالب بالإصلاح متمردًا.

وليس كل من تحدث عن الظلم يريد الفوضى.

وليس كل من خالف شيخًا أو تيارًا يريد هدم الجماعة.

وكما أن الإسلام يحذر من الفوضى والخروج المسلح وسفك الدماء، فإنه كذلك لا يجعل الظلم عدلًا لمجرد أن الظالم صاحب سلطة.


🔥 الخلاصة

نحن بحاجة إلى خطاب ديني يعيد التوازن إلى هذه المفاهيم:

الصبر لا يعني الاستسلام.
والطاعة لا تعني السكوت عن كل خطأ.
والحكمة لا تعني الصمت الدائم.
والنصيحة لا تعني الخروج.
والنقد لا يعني الفتنة.
وقول الحق لا يجعل صاحبه خارجيًا لمجرد أنه قاله.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدين هو أن تتحول بعض المفاهيم الشرعية من وسائل لحماية المجتمع وتحقيق العدل إلى أدوات لإسكات كل صوت ناقد.

فإذا كان الكلام بالحق يُقابل دائمًا بالتخوين والتصنيف، وإذا كان الصمت يُكافأ دائمًا بوصفه حكمةً وسلامةً، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا هو:

هل نحن أمام فقهٍ يحفظ الدين والمجتمع… أم أمام فقهٍ يجعل السلامة من الكلام أهم من مسؤولية الكلام؟

فليست الشجاعة أن ترفع صوتك في كل موقف، كما أن الحكمة ليست أن تصمت في كل موقف.

الحكمة أن تعرف متى تصمت… ومتى تقول كلمة الحق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق