الاثنين، 28 سبتمبر 2026

الأشاعرة وأهل السنة… بين إثبات الصفات وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات

 


🟦 التأويل ليس تعطيلًا… فكيف فهم أهل السنة صفات الله تعالى؟

كثيرًا ما يُقال في بعض الخطابات المعاصرة:

«القول بالتأويل في صفات الله تعالى هو تعطيلٌ لصفاته»!

لكن هل يصح أن يُجعل كل تأويلٍ تعطيلًا؟
وهل كان الخلاف بين علماء أهل السنة في الصفات الخبرية خلافًا في أصل الإيمان بصفات الله تعالى، أم كان خلافًا في كيفية فهم بعض النصوص التي قد يوهم ظاهرها التشبيه والتجسيم؟

هذه المسألة تحتاج إلى تحريرٍ دقيق للمصطلحات قبل إطلاق الأحكام.


🔹 أولًا: ما المقصود بالتعطيل؟

التعطيل في اصطلاح علم الكلام هو نفي ما ثبت لله تعالى من الأسماء والصفات، أو نفي دلالاتها التي دل عليها الكتاب والسنة.

أما صفات الكمال التي ثبتت لله تعالى بالأدلة، كالقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام، فلا يجوز نفيها.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن نفهم صفات الله تعالى على نحوٍ يقتضي مشابهته لخلقه.

فالقاعدة القرآنية الجامعة هي قول الله تعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

فأثبت سبحانه السمع والبصر، ونفى في الوقت نفسه مماثلة المخلوقات.

وهذا هو أصل الجمع بين الإثبات والتنزيه.


🔹 ثانيًا: إثبات الصفة لا يعني تشبيه الخالق بالمخلوق

وجود اشتراك في اللفظ لا يعني بالضرورة الاشتراك في الحقيقة والكيفية.

فنحن نصف الإنسان بأنه عالم، والله تعالى عالم، لكن علم الله تعالى ليس كعلم الإنسان.

ونقول: الإنسان قادر، والله تعالى قادر، لكن قدرة المخلوق محدودة محتاجة، وأما قدرة الله تعالى فمطلقة كاملة لا تشبه قدرات المخلوقين.

فلا يلزم من الاشتراك في الاسم الاشتراك في الحقيقة.

وقد قرر الإمام أبو الحسن الأشعري أن السلف أثبتوا لله تعالى صفات الكمال، كالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، من غير أن يجعلوا ذلك مستلزمًا للتشبيه.


🔹 ثالثًا: ماذا عن «اليد» و«الوجه» ونحو ذلك؟

هنا تأتي المسألة التي وقع فيها الخلاف بين علماء أهل السنة.

فقد ورد في النصوص الشرعية ذكر ألفاظ مثل:

اليد، والوجه، والعين، والاستواء، والنزول، وغيرها.

والإشكال ليس في الإيمان بالنصوص، وإنما في فهم المراد منها، خصوصًا أن حمل بعض الألفاظ على المعنى الحسي المتعارف عند البشر قد يوهم التجسيم أو مشابهة المخلوقين.

ولهذا اتفق أهل السنة على تنزيه الله تعالى عن أن يكون جسمًا مركبًا من أعضاء وأجزاء، أو أن تحيط به الحدود والجهات على النحو الذي يحيط بالمخلوقات.

ومن هنا ظهر الاختلاف في كيفية التعامل مع بعض النصوص المتشابهة أو الصفات الخبرية.


🔹 رابعًا: هل اختلف أهل السنة في هذه المسألة؟

نعم، وقع بينهم خلاف معروف في طريقة التعامل مع بعض هذه النصوص، ويمكن إجمال الاتجاهات المشهورة في:

الإثبات مع التنزيه، والتفويض، والتأويل، مع اختلاف التفاصيل والتعبيرات بين العلماء والمدارس.

وهنا ينبغي أن نفرّق بين أمرين:

① أصل التنزيه

وهو نفي مشابهة الله تعالى للمخلوقات، ونفي الجسمية والأعضاء والحدود والاحتياج.

② طريقة تفسير النص

وهنا وقع الخلاف بين العلماء:
هل يُفَوَّض المراد التفصيلي إلى الله تعالى؟
أم يُؤوَّل اللفظ بما يليق بجلال الله تعالى وفق دلالة اللغة والسياق والقرائن؟
أم يُثبت اللفظ مع نفي المعنى الحسي والتشبيه؟

فالخلاف في طريقة الفهم والتعبير لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين يثبت الله والآخر ينفيه.


🔹 خامسًا: التأويل ليس هو التعطيل

وهذه هي النقطة الأهم.

التأويل عند من يقول به لا يعني إنكار صفات الله تعالى، وإنما يعني حمل اللفظ على معنى تدل عليه اللغة العربية وتقتضيه القرائن، إذا كان حمله على ظاهره الحسي يؤدي إلى معنى لا يليق بالله تعالى.

أما التعطيل فهو نفي ما ثبت لله تعالى من الصفات، وإنكار ثبوتها له سبحانه.

وهذا فرق جوهري.

فليس من المنهج العلمي أن يُقال:

كل من أوّل فقد عطّل.

لأن هذا يجعل مصطلحين مختلفين شيئًا واحدًا، مع أن التأويل ـ عند أصحابه ـ قائم على إثبات النص وتنزيه الله عن المعنى الذي لا يليق به.


🔹 سادسًا: التنزيه ليس تعطيلًا

من الأخطاء الشائعة أن يُطلق وصف «التعطيل» على كل من نفى عن الله تعالى الجسمية والأعضاء والحدود والجهات التي تقتضي مشابهة المخلوقات.

وهذا استعمال يحتاج إلى تفصيل.

فإذا كان المقصود بالتعطيل:

نفي صفات الله تعالى الثابتة بالأدلة

فهذا أمر مرفوض عند أهل السنة.

أما إذا كان المقصود:

تنزيه الله تعالى عن الجسمية والحدود والأعضاء والأجزاء ومشابهة المخلوقين

فهذا ليس تعطيلًا، بل هو من مقتضيات التنزيه الذي دل عليه الكتاب والسنة.

قال الله تعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾

فالجمع بين صدر الآية وعجزها مهم للغاية:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

فلا تشبيه ولا تعطيل؛
تنزيهٌ مع إثبات.


🔹 سابعًا: وكلام الإمام الطحاوي واضح في باب التنزيه

يقول الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة:

«فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية، وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.»

وهذا النص يبيّن بوضوح أن إثبات صفات الله تعالى لا يعني إثبات الأعضاء والجوارح والحدود التي تكون للمخلوقات.

فالمسألة ليست:

إثبات الصفات = تشبيه

ولا:

التنزيه = تعطيل

بل المسألة أدق من ذلك بكثير.


🔸 الخلاصة

ليس كل تأويلٍ تعطيلًا، كما أن كل تنزيهٍ لا يصح أن يوصف بأنه تعطيل.

والواجب في مسائل العقيدة أن نُحسن تحرير المصطلحات، وأن نفرّق بين:

إثبات الصفات
وتشبيه الصفات بصفات المخلوقين،

وبين:

التنزيه عن مشابهة الخلق
وتعطيل الصفات الثابتة لله تعالى.

فالقرآن جمع بين الأمرين في آية واحدة:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

ومن هنا فإن الخلاف بين علماء أهل السنة في بعض الصفات الخبرية ينبغي أن يُفهم في سياقه العلمي، وألا يتحول إلى تبديعٍ وتضليلٍ متبادل، خصوصًا في المسائل التي وقع فيها خلاف معتبر بين أئمة وعلماء من المنتسبين إلى أهل السنة.

فالاختلاف في طريقة تفسير النص لا يساوي بالضرورة اختلافًا في أصل الإيمان بالله تعالى وصفاته.

والله تعالى أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق