الاثنين، 14 سبتمبر 2026

ما الذي يجب على كل مسلم أن يعرفه من دينه؟

 

⚠️ الجهل بما يجب على المسلم تعلّمه ليس عذرًا دائمًا

ما الذي يجب على كل مسلم أن يعرفه من دينه؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فمن الأخطاء التي يقع فيها بعض المسلمين أن يُقدم الإنسان على فعلٍ أو معاملةٍ دون أن يعرف حكم الله فيها، ثم إذا وقع في الخطأ قال: «كنت جاهلًا بالحكم».

والحق أن الجهل ليس عذرًا مطلقًا، كما أنه ليس موجبًا للإثم في كل حال؛ وإنما الأمر يحتاج إلى تفصيل.

فمن كان يستطيع أن يتعلم الحكم، وتوافرت له وسائل العلم، ثم أعرض عن السؤال والتعلم وأقدم على ما لا يعرف حكمه، فقد فرّط فيما يجب عليه تعلمه.

أما من لم يتمكن من الوصول إلى العلم، ولم يكن مفرطًا ولا متهاونًا، فله حكم آخر، والعلماء قد فصلوا في ذلك تفصيلًا.

ومن هنا تظهر أهمية معرفة ما يجب على المسلم أن يتعلمه من دينه.


📌 أولًا: ما المقصود بالدين الإسلامي؟

لفظ الدين في اللغة العربية يأتي بمعانٍ متعددة، منها: الطاعة، والانقياد، والجزاء، والحساب، والشرع، والطريقة.

قال تعالى:

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

أي: يوم الجزاء والحساب.

أما الدين في الاصطلاح فهو ما شرعه الله لعباده من العقائد والأحكام والعبادات والأخلاق والمعاملات.

وأما الإسلام في اللغة فهو الانقياد والخضوع والاستسلام.

وفي الاصطلاح: هو الدين الذي بعث الله به خاتم أنبيائه محمدًا ﷺ، وهو دين يجمع العقيدة والشريعة والأخلاق.

قال تعالى:

﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾
[آل عمران: 19]

وقال سبحانه:

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾
[آل عمران: 85]

وقال تعالى:

﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾
[المائدة: 3]

والإسلام بهذا المعنى يشمل العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات.

فهو إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وهو صلاة وصيام وزكاة وحج، وهو كذلك صدق وأمانة ووفاء وبر وإحسان، وهو أيضًا بيع وشراء وزواج وإجارة وسائر المعاملات التي يحتاج المسلم إلى معرفة أحكامها.


📚 ثانيًا: هل يجب على المسلم أن يتعلم كل العلوم الشرعية؟

ليس كل العلم الشرعي فرض عين على كل مسلم.

بل منه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية.

والقاعدة المهمة هنا:

ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

فإذا أوجب الله على المسلم عبادةً أو معاملةً معينة، وجب عليه أن يتعلم من أحكامها ما يصحح أداءه لها.

فمن أراد الصلاة، وجب عليه أن يتعلم ما تصح به صلاته.

ومن وجبت عليه الزكاة، وجب عليه أن يعرف أحكام الزكاة المتعلقة بماله.

ومن أراد الحج، وجب عليه أن يتعلم أحكام الحج التي يحتاج إليها.

ومن أراد الزواج، فعليه أن يعرف الأحكام التي تتعلق بعقد الزواج وحقوق الزوجين.

ومن أراد البيع والشراء، فعليه أن يعرف ما يحتاج إليه من أحكام المعاملات حتى لا يقع في الحرام وهو لا يشعر.

وهكذا...

فليس المطلوب من كل مسلم أن يكون فقيهًا أو مجتهدًا، وإنما المطلوب أن يعرف من دينه ما يحتاج إليه في عقيدته وعبادته ومعاملته.


⚖️ ثالثًا: ما العلم الذي يجب على كل مسلم معرفته؟

يمكن إجمال أهم ما يحتاج المسلم إلى تعلمه في أمور:

1️⃣ العقيدة

أن يعرف أصول الإيمان، وما يصحح توحيده وعبادته لله، وأن يعرف ما يناقض ذلك من الشرك والكفر بحسب ما يحتاج إليه.

2️⃣ العبادات

أن يعرف أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها من العبادات التي تجب عليه.

3️⃣ الأخلاق والآداب

أن يتعلم ما أوجبه الله من الصدق والأمانة والوفاء وبر الوالدين وحسن المعاملة، وأن يعرف ما حرمه الله من الظلم والبغي والفواحش وسوء الأخلاق.

4️⃣ المعاملات

أن يتعلم أحكام المعاملة التي يُقبل عليها.

فالتاجر يحتاج إلى معرفة أحكام البيع والشراء.

ومن أراد الزواج يحتاج إلى معرفة أحكام النكاح.

ومن يتعامل في الأموال يحتاج إلى معرفة ما يحل وما يحرم في معاملاته.

5️⃣ معرفة ما يقع فيه من الحلال والحرام

وهذه قاعدة مهمة:

إذا أراد المسلم أن يقدم على عمل لا يعرف حكمه، فعليه أن يسأل أهل العلم قبل أن يقدم عليه، لا بعد أن يقع فيه.

قال تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النحل: 43]


🧭 رابعًا: كيف يتعلم المسلم ما يجب عليه؟

ليس كل الناس قادرين على طلب العلم بالطريقة نفسها.

فمن استطاع أن يتعلم على أيدي العلماء الموثوقين، ويدرس العلم بصورة منظمة، فهذا خير عظيم.

ومن لم يستطع ذلك، فعليه أن يسأل أهل العلم الموثوقين عن المسائل التي يحتاج إليها.

فيقول مثلًا:

كيف أصلي صلاة صحيحة؟
كيف أخرج زكاتي؟
ما أحكام الصيام التي أحتاج إليها؟
ما حكم هذه المعاملة؟
ما الذي يجوز وما الذي لا يجوز في هذه المسألة؟

وفي عصرنا أصبحت وسائل الوصول إلى العلم أكثر سهولة من أي وقت مضى؛ فالكتب متوفرة، والدروس والمحاضرات كثيرة، ويمكن سؤال أهل العلم عبر الوسائل المختلفة.

لكن سهولة الوصول إلى العلم لا تعني أن كل ما يُنشر على الإنترنت علمٌ موثوق.

ولهذا ينبغي للمسلم أن يتحرى مصادر العلم وأهل الفتوى الموثوقين، وألا يجعل كل منشور أو مقطع قصير مصدرًا لحكم شرعي.


⚠️ خامسًا: هل يُعذر المسلم بجهله؟

هذه المسألة تحتاج إلى دقة.

فالجهل ليس نوعًا واحدًا، والناس ليسوا في القدرة على التعلم سواء.

وقد قرر أهل العلم أن من كان عاجزًا عن الوصول إلى العلم، ولم يفرط في طلبه، فليس كمن كان قادرًا على السؤال والتعلم ثم ترك ذلك تهاونًا وإهمالًا.

ولهذا نُقل عن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله التفريق بين الجهل الذي ينشأ عن تفريط وإهمال مع قيام القدرة على التعلم، وبين الجهل الذي لا يكون صاحبه مفرطًا فيه.

ومن هنا ينبغي ألا نقول بإطلاق:

«كل جاهل معذور»

كما لا يصح أن نقول بإطلاق:

«كل جاهل آثم ولا يُعذر».

بل لا بد من النظر في:

  • ماذا كان يجهل؟
  • وهل كان الحكم مما يجب عليه تعلمه؟
  • وهل كان يستطيع الوصول إلى العلم؟
  • وهل قام لديه سبب يدعوه إلى السؤال؟
  • وهل فرّط في التعلم أم لم يتمكن منه؟
  • وهل المسألة من المسائل الظاهرة التي يحتاج إليها في حياته، أم من دقائق العلم التي لا يجب على عامة الناس معرفتها؟

وهذا هو الإنصاف في المسألة.


🌿 الخلاصة

ليس المطلوب من كل مسلم أن يكون عالمًا أو فقيهًا.

لكن المطلوب منه أن يتعلم ما يحتاج إليه من دينه.

فمن أراد الصلاة، تعلّم أحكام الصلاة.

ومن وجبت عليه الزكاة، تعلّم أحكام الزكاة المتعلقة به.

ومن أراد الحج، تعلّم أحكام الحج.

ومن أراد الزواج، تعلّم أحكام النكاح.

ومن أراد التجارة، تعلّم أحكام المعاملات التي سيباشرها.

ومن عرضت له مسألة لا يعرف حكمها، سأل أهل العلم قبل أن يقدم عليها.

فالدين ليس مجرد معلومات نسمعها، وإنما علمٌ يقود إلى عمل، وعملٌ يحتاج إلى علم.

ولهذا كان من أعظم ما ينبغي للمسلم أن يسأل نفسه:

ما الذي أوجبه الله عليّ اليوم، وهل أعرف كيف أؤديه على الوجه الصحيح؟

وأن يتذكر دائمًا أن طلب العلم ليس ترفًا، وإنما منه ما هو واجب على المسلم بحسب ما يحتاج إليه في دينه وحياته.

نسأل الله تعالى أن يعلّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علّمنا، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق