تسوية الصفوف ليست بإلصاق الكعوب!
الشيخ بكر أبو زيد يردّ على التكلّف في تطبيق السنة
من المسائل التي كثر فيها التكلّف في تطبيق سنة تسوية الصفوف: ما يفعله بعض المصلين من ملاحقة من بجانبه، وإلصاق الكعب بالكعب بصورة متكررة، حتى يلتوي بقدمه ويغيّر موضع وقوفه، ظنًّا منه أن هذا هو المقصود من السنة.
واللافت أن الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، عضو هيئة كبار العلماء سابقًا، تناول هذه المسألة بوضوح في رسالته:
«لا جديد في أحكام الصلاة»
وبيّن أن هذه الهيئة الزائدة في إلصاق الكعب بالكعب ليست هي المقصودة من تسوية الصفوف، فقال:
«وهذه هيئة زائدة على الوارد، فيها إيغال في تطبيق السنة... وتكلّف ظاهر، وفهم مستحدث فيه غلو في تطبيق السنة، وتضييق ومضايقة، واشتغال بما لم يُشرع».
ثم يوضح الشيخ أن المطلوب في الصف هو:
تقويم الصف، وسد الفُرج، والتراص، والمحاذاة، وإتمام الصف الأول فالأول.
أما أن يلاحق المصلي جاره بقدمه، ويلوي عقبه حتى يلتصق كعبه بكعبه، فهذا – كما يقرر الشيخ – ليس هو المقصود من السنة.
فماذا تعني المحاذاة إذن؟
يقول الشيخ بكر أبو زيد إن النبي ﷺ لما أمر بالمحاذاة بين المناكب والأكعب، ورد كذلك الأمر بالمحاذاة بين الأعناق.
فهل المقصود أن تتحول هذه النصوص إلى إلصاق حرفي دائم بين كل جزء من أجزاء الجسم؟
يجيب الشيخ بوضوح:
لا.
فإلصاق العنق بالعنق مستحيل، وإلصاق الركبة بالركبة متعذر، وإلصاق الكعب بالكعب على الصورة التي يتكلفها بعض الناس يؤدي إلى الحركة والمضايقة والانشغال عن مقصود الصلاة.
والمقصود من هذه الألفاظ – كما يقرر – هو:
إقامة الصف، والموازاة، والمسامتة، وسد الخلل، واستقامة الصف من غير عوج ولا فُرج.
وهذا هو المقصود الذي تتحقق به سنة تسوية الصفوف.
وهذا تؤيده عبارة الحافظ ابن حجر
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في بيان معنى تسوية الصفوف:
«والمراد بتسوية الصفوف: اعتدال القائمين فيها على سمت واحد، أو يراد بها سد الخلل الذي في الصف».
وهذا المعنى تؤيده الأحاديث الواردة في تسوية الصفوف.
فقد قال النعمان بن بشير رضي الله عنه:
«كان النبي ﷺ يسوينا في الصفوف كما يُقوَّم القدح، حتى إذا ظن أن قد أخذنا ذلك عنه وفقهنا، أقبل ذات يوم بوجهه، فإذا رجل مُنتبذ بصدره، فقال: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم».
فتأمل التعبير:
«يسوينا في الصفوف»
ثم قال:
«لتسون صفوفكم»
فالحديث يتحدث عن استقامة الصف وانتظامه وسد خلله، لا عن تحويل إلصاق الكعوب إلى مقصود مستقل بذاته.
لكن ماذا عن قول البخاري: «إلصاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم»؟
قد يقول قائل:
إذا كان البخاري رحمه الله قد بوّب:
«باب إلزاق المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم في الصف»
فكيف يقال إن الإلصاق ليس مقصودًا؟
الجواب أن الحافظ ابن حجر نفسه حمل ذلك على المبالغة في تعديل الصف وسد خلله، لا على أن يبقى المصلون في كل قيام يبحث كل واحد منهم عن كعب جاره ليلصقه بكعبه.
ويؤكد ذلك ما جاء في رواية النعمان بن بشير رضي الله عنه:
«فرأيت الرجل يُلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه».
فإذا أخذنا اللفظ على ظاهره الحرفي في كل موضع، للزم إلصاق الركبة بالركبة على نحو دائم، وهذا متعذر عمليًا.
فدلّ ذلك على أن المقصود هو:
المبالغة في تسوية الصف، وسد الخلل، وتحقيق المحاذاة والاستقامة.
السنة لا تحتاج إلى تكلّف
المشكلة ليست في الحرص على السنة؛ فالحرص على السنة أمر محمود.
وإنما المشكلة حين يتحول الحرص على السنة إلى هيئة لم يقصدها الشارع، فينشغل المصلي بقدم جاره أكثر من انشغاله باستقامة صلاته، ويتحول الوقوف في الصف إلى ملاحقة للأقدام والكعاب.
فالسنة في تسوية الصفوف هي:
الاستقامة، والمحاذاة، والتراص، وسد الفُرج، وإتمام الصفوف، وعدم ترك الخلل بينها.
أما التكلف، والملاحقة، وليّ القدم، ومضايقة المصلين بحجة تحقيق الإلصاق الحرفي، فليس هو المقصود من السنة.
الخلاصة
تسوية الصفوف عبادة، لكن فهم العبادة لا يكون بالتكلف، وإنما بفهم النصوص كما فهمها أهل العلم.
فالغاية هي صف مستقيم متراص متصل بلا خلل ولا فرج، وليس أن يتحول الكعب إلى محور الحركة في كل قيام.
السنة: أن تستقيم في صفك… لا أن تنشغل بكعب جارك!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق