السبت، 26 سبتمبر 2026

الخلافيات لا تكون قطعيات… حين يتحول الاجتهاد إلى معركة!

 

الخلافيات لا تكون قطعيات… حين يتحول الاجتهاد إلى معركة!

ليس كل خلافٍ بين العلماء خلافًا ينبغي أن ينتهي إلى رأي واحد، وموقف واحد، وحكم واحد على المخالف.

فهناك مسائل ظنية اجتهادية، اختلف فيها أهل العلم قديمًا وحديثًا، وتعددت فيها أنظارهم بحسب اختلاف الأدلة وطرق فهمها وقواعد الترجيح عندهم.

ولو كانت هذه المسائل تحتمل أن تُحسم دائمًا في صورة قول واحد لا يجوز تجاوزه، لما بقي فيها هذا القدر من الاختلاف عبر القرون، ولما وجدنا أئمة الإسلام يتسع صدر بعضهم لبعض، مع شدة علمهم وتمسكهم بما ظهر لهم من الدليل.

بل إن من أعظم ما يكشف لنا سعة أفق العلماء الأوائل أنهم لم يجعلوا كل مسألة اجتهادية سببًا للقطيعة والتبديع والتصنيف والهجر.

فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم:

لماذا نُشغل المسلمين بما اختلف فيه العلماء، ونحوّل المسائل الظنية إلى قضايا مصيرية، وكأن المخالف فيها قد خرج عن جماعة المسلمين؟

ثم إذا علمنا أن المسألة من مسائل الاجتهاد، وأن علماء الأمة اختلفوا فيها، فلماذا نصرّ على أن نجعلها ميزانًا للحق والباطل، والسنة والبدعة، والموالاة والمعاداة؟!


الإمام مالك… وموقف يكشف فقه الاختلاف

ومن أجمل الأمثلة على ذلك ما وقع للإمام مالك رحمه الله مع الخليفة أبي جعفر المنصور.

فقد عُرض على الإمام مالك أن يُعلَّق كتابه «الموطأ» في الكعبة، وأن يُحمَل الناس على ما فيه؛ توحيدًا لهم وحسمًا للخلاف.

وكان بإمكان الإمام مالك أن يرى أن ما جمعه في كتابه هو الحق الذي ينبغي أن يجتمع الناس عليه.

لكنه لم يفعل.

بل رفض أن يُحمَل الناس على اجتهاده، لأن أصحاب رسول الله ﷺ قد تفرقوا في الأمصار، وحمل كلُّ بلدٍ من العلم والحديث ما بلغه، وقد تكون عند غيره سنة أو علم لم يبلغه هو.

وهذه ليست مجرد قصة تاريخية؛ إنها منهج في التعامل مع الاختلاف.

فالعالم الكبير لا يظن أن ما وصل إليه من العلم هو كل العلم، ولا يتعامل مع اجتهاده وكأنه وحيٌ لا يحتمل الخطأ.

ولهذا نُقل عن الإمام مالك في هذا المعنى أنه قال:

«إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها.»

يا لها من عبارة عظيمة!

العالِم يعرف قدر علمه، ويعرف أيضًا مقدار ما يجهله.


وهنا يظهر الفرق بين العالم والمتعصب

العالم إذا اختلف معك في مسألة اجتهادية، ناقشك بالدليل، وبيّن لك وجهة نظره، وقد يشتد في تقرير ما يراه راجحًا، لكنه لا يجعل كل مخالف له عدوًا للدين.

أما حين تتحول المسألة الاجتهادية إلى معيارٍ لتصنيف المسلمين، تبدأ المشكلة.

فيصبح:

من وافقني فهو على السنة، ومن خالفني فهو مبتدع.

ومن أخذ بهذا القول فهو من أهل الحق، ومن أخذ بالقول الآخر فقد انحرف.

ثم تتسع الدائرة شيئًا فشيئًا:

خلاف فقهي → تصنيف → تبديع → هجر → خصومة → قطيعة.

وهكذا تتحول المسألة التي كانت في كتب الفقه صفحات من النقاش العلمي الهادئ إلى معركةٍ بين المسلمين!


فهل هذه هي الأولويات؟

المشكلة ليست في دراسة مسائل الخلاف، ولا في البحث عن القول الراجح، ولا في الدفاع عما يراه الإنسان حقًا.

إنما المشكلة في أن تتحول المسائل الظنية إلى قضايا قطعية، وأن يُحمَّل المسلمون فوق ما تحتمل المسألة، وأن يصبح الخلاف في فرعٍ فقهي سببًا للعداوة والتصنيف والتشنيع.

لقد كان علماء الأمة يختلفون، ومع ذلك بقيت بينهم مساحة واسعة من الأدب والإنصاف وحسن الظن.

أما نحن، ففي كثير من الأحيان، نختلف في فرعٍ فقهي صغير، ثم نتعامل مع المخالف وكأن بيننا وبينَه خلافٌ في أصل الدين!

وهنا ينبغي أن نعيد ترتيب أولوياتنا:

هل كل مسألة خلافية تستحق أن تستنزف طاقات المسلمين؟

وهل كل خلاف فقهي يستحق أن يتحول إلى قضية ولاء وبراء؟

وهل من الحكمة أن نجعل ما وسّع فيه العلماء دائرةً للخصومة والقطيعة؟


ليست المشكلة في وجود الخلاف… بل في طريقة تعاملنا معه

اختلاف العلماء في بعض المسائل ليس عيبًا في تاريخ الأمة، بل هو جزء من تاريخها العلمي والفقهي.

والذي ينبغي أن نتعلمه من تراثنا ليس فقط ماذا قال العلماء، وإنما أيضًا:

كيف اختلف العلماء؟

كيف ناقشوا؟

كيف رجّحوا؟

كيف خالف بعضهم بعضًا مع بقاء الاحترام؟

وكيف أدركوا أن الإنسان قد يبلغه من العلم ما لم يبلغ غيره؟

إن من أخطر الأخطاء أن نأخذ المسألة المختلف فيها ثم نرفعها إلى مرتبة القطعيات، وبعد ذلك نبني عليها أحكامًا واسعة في الناس.

فليس كل ما نراه راجحًا يصبح بالضرورة قطعيًا، وليس كل من خالفنا في مسألة اجتهادية يصبح مخالفًا للحق في كل شيء.


الخلافيات مجال للاجتهاد… لا ميدانٌ لاستنزاف الأمة

نحتاج اليوم إلى أن نعيد الاعتبار إلى فقه الأولويات، وأن نميّز بين ما يجب أن تجتمع عليه الأمة، وبين ما يسع المسلمين أن يختلفوا فيه.

فلا تجعلوا كل خلافٍ معركة.

ولا تجعلوا كل مسألةٍ اجتهادية امتحانًا للناس.

ولا تجعلوا الفروع التي اختلف فيها العلماء عبر القرون مقاييسَ للإيمان والبدعة، والموالاة والمعاداة.

فقد يكون من أعظم العلم أن تعرف متى تتكلم، ومتى تختلف، ومتى تعذر، ومتى تترك للناس ما وسعهم فيه علماء الأمة.

رحم الله أئمة الإسلام؛ فقد كانوا أعلم بالدليل، وأعرف بحدود اجتهادهم، وأوسع صدرًا في اختلافهم.

والعبرة ليست فقط بأن نعرف قول العالم…

بل أن نتعلم أيضًا أدب العالم مع المخالف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق