الغوص في النصوص لإخراج المعاني
قال الحافظ إبن القيم رحمه الله في تعليقه على حادثة صلاة العصر في
بني قريظة :
( واختلف الفقهاء أيهما كان أصوب ، فقالت طائفة الذين أخروها هم
المصيبون ولو كنا معهم لأخرناها كما أخروها ولما صليناها إلاّ في بني قريظة
إمتثالاً لأمره وتركاً للتأويل المخالف للظاهر .
وقالت طائفة أخرى : بل الذين صلوها في
الطريق في وقتها حازوا قصب السبق وكانوا أسعد بالفضيلتين ، فإنهم
بادروا إلى إمتثال أمره في الخروج ، وبادروا إلى مرضاته في الصلاة
في وقتها ، ثم بادروا إلى اللحاق بالقوم فحازوا فضيلة الجهاد وفضيلة الصلاة في
وقتها وفهموا ما يُراد منهم ، وكانوا أفقه من الآخرين
ولا سيما تلك الصلاة فإنها كانت صلاة العصر وهي الصلاة الوسطى بنص رسول الله r الصحيح الصريح الذي لا مدفع له ولا مطعن فيه ، ومجيء السنة
بالمحافظة عليها والمبادرة إليها والتبكير بها ، وإن من فاته فقد وتر أهله وماله
أو قد حبط عمله ، فالذي جاء فيها أمر يجيء مثله في غيرها .
وأما المؤخرون لها فغايتهم أنهم
معذورون بل مأجورون أجراً واحداً لتمسكهم بظاهر النص وقصدهم إمتثال الأمر
، وأما أن يكون هم المصيبون في نفس الأمر ومَن بادر إلى الصلاة وإلى الجهاد مخطئاً
فحاشا وكلاّ .
والذين صلوا في الطريق جمعوا بين
الأدلة ، وحصلوا الفضيلتين فلهم أجران والآخرون مأجورون
أيضاً رضي الله عنهم ) ([1])
.
وقد نقل الحافظ إبن حجر رحمه الله أقوال
الحافظ إبن
( وقال إبن القيم في الهدي ما حاصله : كل
من الفريقين مأجور بقصده ، إلاّ أن مَن صلى حاز الفضيلتين : إمتثال الأمر في
الإسراع ، وإمتثال الأمر في المحافظة على الوقت ولا سيما ما في هذه الصلاة بعينها
من الحث على المحافظة عليها وأن مَن فاتته حبط عمله ، وإنما لم يعنف الذين أخروها
لقيام عذرهم في التمسك بظاهر الأمر ، ولأنهم إجتهدوا فأخروا لامتثالهم الأمر .
لكنهم لم يصلوا إلى أن يكون إجتهادهم أصوب من إجتهاد الطائفة الأخرى .
وأما مَن احتج لمن أخر بأن الصلاة حينئذ
كانت تؤخر كما في الخندق وكان ذلك قبل صلاة الخوف ، فليس بواضح ، لاحتمال أن يكون
التأخير في الخندق كان عن نسيان ، وذلك بيّن في قوله r لعُمر لما قال له : ما كِدت أصلي العصر حتى
كادت الشمس أن تغرب ، فقال : والله ما صليتها .
لأنه لو كان ذاكراً لها لبادر إليها كما
صنع عمر انتهى ) ([2])
.
والغرض من إيراد أقوال الحافظ إبن القيم
رحمه الله ، وأقوال الحافظ إبن حجر رحمه الله في نقله لها وإقراره عليها هو أن
نبيّن أنهما قد ذهبا إلى تصويب رأي مَن لم يقف عند ظاهر النص ، بل خاض فيه ليصل
إلى الغاية من ورود النص ، فقد قيل في تعريف ( الفقه ) لغة واستعمالاً في القرآن
الكريم : هو دقة الفهم ، ولطف الإدراك ، ومعرفة غرض المتكلم ([3])
.
الفهم الظاهري للنصوص من قبل بعض الصحابة
إن الوقوف عند ظاهر النصوص ، وعدم تجاوزه
لفهم الغرض من إيرادها ومعناها المجازي ، أو غيره قد أوقع بعض الصحابة في أخطاء أضحكت
النبيّ r .
روى البخاري في صحيحه عن عدي ابن حاتم t قال :
( لما نزلت (( حتى يتبيّن لكم
الخيط الأبيض من الخيط الأسود )) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي ، فجعلت أنظر
في الليل فلا يستبين لي فغدوت على رسول الله r فذكرت له ذلك فقال : إنما ذلك سواد الليل
وبياض النهار ) ([4])
.
وفي رواية أخرى للبخاري ، قال له رسول
الله r :
(( إن وسادك إذاً لعريض أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك )) .
وفي رواية ثالثة للبخاري أيضا عن عدي قال
: (( قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، أهما الخيطان ؟
قال : إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين . ثم قال : لا ، بل هو سواد الليل وبياض
النهار ) ([5])
.
قال الحافظ إبن حجر العسقلاني رحمه الله
:
( وللإسماعيلي عن يوسف القاضي عن محمد بن
الصباح عن هشيم (( قال : فضحك وقال : إن كان وسادك إذاً لعريضا )) . . . قال القرطبي :
. . . وإنما عنى والله أعلم أن وسادك إن كان يغطي الخيطين اللذين أراد الله فهو
إذاً عريض واسع ، ولهذا قال في أثر ذلك ، إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ،
فكأنه قال : فكيف يدخلان تحت وسادتك ؟
وقوله (( إنك لعريض القفا )) أي ان الوساد الذي
يغطي الليل والنهار لا يرقد عليه إلا قفا عريض للمناسبة .
قلت : وترجم عليه إبن حبان (( ذكر البيان بأن
العرب تتفاوت لغاتها )) وأشار بذلك إلى أن عديّاً لم يكن يعرف في لغته أن سواد
الليل وبياض النهار يُعبر عنهما بالخيط الأسود والخيط الأبيض . . . ) ([6])
.
ومن ذلك أيضا ما فعله عمّار بن ياسر رضي
الله عنهما تطبيقا لقول الله تعالى : ( فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيدا طيبا ) حيث
قال – كما في صحيح البخاري – :
( بعثني رسول الله r في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرّغت في
الصعيد كما تمرّغ الدابة . فذكرت ذلك للنبيّ r فقال : إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا فضرب
بكفّه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله ، أو ظهر شماله بكفه ثم
مسح بهما وجهه . . . ) ([7])
.
ومن ذلك أيضا ما فهمه الصحابة رضوان الله
عليهم من ظاهر كلمة ( الظلم ) فبيّن لهم رسول الله r أن ظاهرها المتبادر إلى الذهن غير مراد ،
وغير مقصود .
أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن
مسعود t قال :
( لما نزلت ( الذين آمنوا ولم
يلبسوا إيمانهم بظلم ) قلنا : يا رسول الله أيُّنا لا يظلم نفسه ؟ قال : ليس كما تقولون
، ( لم يلبسوا إيمانهم بظلم ) بِشِرك . أوَلم
تسمعوا إلى قول لقمان لابنه ( يا بُنيّ لا تشرك
بالله ، إن الشرك لظلم عظيم ) ([8])
.
قال الحافظ إبن حجر العسقلاني :
( فالعموم مستفاد بحسب الظاهر كما فهمه
الصحابة من هذه الآية ، وبيّن لهم النبيّ r أن ظاهرها غير مراد ، بل هو من العام الذي أريد به الخاص ، فالمراد بالظلم أعلى أنواعه
وهو الشرك ) ([9])
.
ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد
الله بن مسعود t عن النبيّ r قال : (( لا يدخل الجنة مَن
في قلبه مثقال ذرة من كِبر )) فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ، ونعله حسنة فقال : (( إن الله جميل يحب
الجمال . الكبر بطر الحق ، وغمط الناس )) .
ومعنى (( بطر الحق )) دفعه . و (( غمطهم )) إحتقارهم .
إن هذا الرجل قد فهم أن الكبر يتعلق
بالملابس وجمالها ونظافتها ، فبيّن رسول الله r بأن الله جميل يحب الجمال ، ولكن الكبر
وحقيقته وروحه هو : دفع الحق وردّه ، وعدم قبوله والإذعان له ، وكذلك إحتقار الناس
وغمطهم .
وكذلك روى الإمام البخاري عن عائشة رضي
الله عنها : ( أن بعض أزواج النبيّ r قُلنَ للنبيّ : أيّنا أسرع بك لحوقاً ؟ قال
: أطولكنّ يداً .
فأخذوا قصبة يذرعونها ، فكانت سودة
أطولهنّ يداً . فعلِمنا بعدُ أنما كانت طولَ يدِها الصدقة ، وكانت
أسرعنا لحوقاً به ، وكانت تحبّ الصدقة ) ([10])
.
إن أصحاب رسول الله r - الذين تربّوا على يديه تحت عين الله
ورعايته – قد كانوا يختلفون في فهمهم لبعض أوامر الله تعالى وأوامر رسول الله r ، وهو كان حيّاً وحاضراً بين أظهرهم ، فلم يعنف أحدا منهم ، بل
تجاوز عنهم مادام إختلافهم كان خارج دائرة القطعيات ، ولم يدخلوا – بهذه
الإختلافات – في الشرك ، ولم يتصادموا مع سنة رسول اللهr ، وهديه – والتي كانت كلها يسر ورحمة – فهُم
في سعة ، وفي دائرة العفو التي سكت عنها الله سبحانه وتعالى رحمة بهم غير نسيان
.
بل إن النبيّ r كان يكره أن تكون هذه الإختلافات مصدراً
للتفرق والشقاق ، فكان يوجههم إلى الأخوة واليسر ، كما قال لعمر بن الخطاب عندما
إختلف مع هشام بن حكيم وكاد هذا الإختلاف أن يكون تفرقاً : إن هذا القرآن أنزل على
سبعة أحرف ، فاقرأوا ما تيسر منه .
وقال r لأُبيّ بن كعب واللذين اختلف معهما بعد أن
حسّن شأنهما ، وفي رواية كان خلافه مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم جميعا :
كلاكما محسن !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق