رسالة إلى السلفية المدخلية
هذا موقف ابن باز من التشدد في التحذير من الدعاة
من المهم أن نقرأ مواقف العلماء كاملة، لا أن ننتقي منها ما يوافق رأيًا مسبقًا، ثم نترك ما يخالفه.
ومن الوثائق اللافتة في هذا الباب خطابٌ من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله إلى الشيخ فالح بن نافع الحربي، مؤرخ في 12/08/1406هـ، تناول فيه موقف الحربي من جماعة التبليغ، وانتقاده لما صدر عن ابن باز والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمهما الله من كلام فيهم.
واللافت في الخطاب أن ابن باز رحمه الله لم يكتفِ بمخالفة هذا الموقف، بل انتقد بشدة التنقص من العلماء، والتسرع في التحذير، والنفرة من الدعاة، وإغلاق باب التواصل والنصح.
ابن باز يرفض التنقص من العلماء
يقول ابن باز رحمه الله، في معرض حديثه عن اعتراض فالح الحربي على ما كتبه هو والشيخ محمد بن إبراهيم:
«ولقد ساءني كثيراً تنقصك وحطك من قدره...»
ثم يعقب مستنكرًا تقديم آراء بعض الأشخاص على رأي الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، ويقول:
«فأين يقع علم هؤلاء ورأيهم من علم شيخنا وبصيرته وبعد نظره وسعة اطلاعه وتأنيه وحكمته؟»
وهنا تظهر قاعدة مهمة:
ليس من منهج العلماء أن تُهدر مكانة العالم الكبير لمجرد أن رأيه لم يوافق رأي بعض طلبة العلم أو الدعاة.
الموازنة بين المصالح والمضار
ثم يوضح ابن باز رحمه الله منهجه في التعامل مع جماعة التبليغ، فيقول:
«ونحن بحمد الله على بصيرة من ديننا ونوازن بين المصالح والمضار...»
وهذه عبارة جديرة بالتأمل.
فالتعامل مع الدعاة والجماعات لا يكون بمجرد إطلاق الأحكام، وإنما بالنظر في المصالح والمفاسد، وما يترتب على المخالطة والنصيحة والتحذير.
ثم يبين أن ما اطمأن إليه هو الوقوف إلى جانبهم مع نصحهم فيما يقع منهم من أخطاء، قائلًا:
«مع مناصحتهم فيما يحصل من بعضهم من النقص الذي هو من لوازم البشر كلهم إلا من شاء الله.»
أي أن وجود الأخطاء عند بعض الأفراد لا يعني بالضرورة إسقاط الجميع، ولا إغلاق باب النصيحة والإصلاح.
مخالطة الدعاة ونصحهم أم النفرة منهم؟
ثم يطرح ابن باز رحمه الله طريقًا آخر في التعامل، فيقول:
«ولو أن إخواننا من المشايخ وطلبة العلم الذين أشرت إليهم خالطوهم وشاركوهم في الدعوة إلى الله ووجهوهم وكملوا ما يحصل منهم من النقص وأرشدوهم فيما يخطئون فيه، لحصل بذلك خير كثير ونفع عظيم للإسلام والمسلمين.»
هذه ليست دعوة إلى السكوت عن الأخطاء.
وليست تزكية مطلقة لكل ما يصدر عن الجماعة.
بل هي دعوة إلى المخالطة والنصيحة والتوجيه والإصلاح بدل تحويل الخلاف إلى قطيعة وتحذير دائم.
ولهذا جاء كلامه صريحًا:
«أما النفرة منهم والتخلي عنهم والتحذير من مخالطتهم فهذا غلط كبير وضره أكبر من نفعه.»
رسالة تستحق التأمل
إذا كان هذا هو كلام ابن باز رحمه الله في التعامل مع جماعة رأى أن عندها أخطاء ونقصًا يحتاج إلى التوجيه، فكيف يتحول التحذير من الدعاة، والتصنيف، والهجر، والتشهير، وتوسيع دائرة الخصومة إلى منهج دائم لا يكاد ينتهي؟
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:
النصيحة والتحذير من خطأ محدد بدليل،
وبين
تحويل التحذير إلى منهج لإسقاط الأشخاص والدعاة وإبعاد الناس عنهم.
فالخطأ يُبيَّن، والدليل يُذكر، والعالم يُنصح، والداعية يُوجَّه، لكن لا ينبغي أن يصبح الخلاف العلمي سببًا في تمزيق صف المسلمين وإسقاط كل من خالفنا.
ابن باز يطلب إعادة النظر
ثم يخاطب ابن باز رحمه الله فالح الحربي مباشرة:
«فاتهم الرأي يا أخي واضرع إلى ربك أن يشرح صدرك لما هو أحب إليه والأنفع لعباده...»
ثم يختم بالدعاء:
«وأسأل الله أن يرينا وإياكم الحق حقًا ويمن علينا باتباعه، والباطل باطلًا ويمن علينا باجتنابه...»
وهذا من أدب العلماء في الخلاف:
بيان الخطأ، مع بقاء الأخوة، والدعاء بالهداية، وعدم تحويل الخلاف إلى خصومة شخصية.
وحتى الشيخ محمد أمان الجامي!
والأكثر لفتًا للنظر أن ابن باز رحمه الله أضاف في نهاية الخطاب توضيحًا يتعلق بما نُسب إلى الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله من رجوعه عن الثناء على جماعة التبليغ ووصفهم بالخرافية والبدعة.
فقال:
«فقد أنكر ذلك واستغربه جداً وأخبر أنه لا زال على ما كتب عنهم لأنه كتبه عن مشاهدة ويقين...»
وهذه النقطة مهمة؛ لأنها تُظهر أن ابن باز لم يكن يتعامل مع المسألة من خلال ما يُنقل إليه من أقوال، بل كان يحرص على التحقق من الموقف ونسبته إلى صاحبه.
الرسالة الأهم
يا من ترفعون اسم ابن باز رحمه الله وتحتجون بكلامه:
اقرؤوا كلامه كاملًا، لا ما يوافق موقفكم فقط.
فابن باز لم يجعل منهج الدعوة قائمًا على النفرة من المخالفين، ولا على إسقاط الدعاة بالجملة، بل دعا إلى المخالطة، والنصيحة، والتوجيه، والموازنة بين المصالح والمفاسد.
وكان يرى أن التحذير من المخالطة قد يكون:
«غلطًا كبيرًا وضرره أكبر من نفعه».
وهذا لا يعني أن ابن باز كان يوافق على كل قول أو ممارسة، ولا أنه يمنع من بيان الأخطاء والتحذير من الخطأ الثابت.
ولكنه يضع أمامنا منهجًا مختلفًا:
نصحٌ بدل التشهير،
وتوجيهٌ بدل الإسقاط،
وتحققٌ بدل النقل،
وموازنةٌ بدل التعميم،
وإنصافٌ بدل الانتقائية.
فإن كان ابن باز رحمه الله مرجعًا يُحتج بكلامه، فالأولى أن يُؤخذ منهجه في التعامل مع المخالف كما يُؤخذ كلامه في المسائل الأخرى، لا أن يُنتقى من تراثه ما يخدم موقفًا معينًا ويُترك ما عداه.
والعدل يقتضي أن نقرأ كلام العلماء كله، ثم نحكم بالدليل، لا أن نحاكم العلماء إلى مواقفنا المسبقة.
المصدر المذكور في النص: خطاب الشيخ عبد العزيز بن باز إلى فالح بن نافع الحربي، بتاريخ 12/08/1406هـ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق