اختلاف الصحابة في بني قريظة… درس في أدب الاجتهاد والاختلاف
حين تتعدد وجوه الفهم، لا ينبغي أن تتحول المسألة العلمية إلى خصومة، ولا أن يصبح الاختلاف في الاجتهاد بابًا للطعن والتبديع.
من أعظم الدروس التي تكشفها السيرة النبوية في فقه الاختلاف، تلك الواقعة التي حدثت للصحابة رضي الله عنهم يوم بني قريظة؛ حين اختلفوا في فهم أمر رسول الله ﷺ، فاجتهد كل فريق منهم في فهم مراده، ولم يكن اختلافهم ناشئًا عن ردٍّ للسنة أو استخفافٍ بأمر النبي ﷺ، وإنما كان اختلافًا في فهم النص وتحديد المراد منه.
وقد حفظت لنا هذه الحادثة قاعدة جليلة في التعامل مع الخلاف الاجتهادي، وأظهرت أن اختلاف الفهم قد يقع بين أهل الإيمان والعلم والحرص على اتباع الحق، وأن الإنصاف يقتضي التفريق بين المخالف الذي يتبع هواه، والمجتهد الذي يبذل وسعه في فهم الدليل.
أولًا: واقعة بني قريظة… حين اختلف الفهم واتحد المقصد
روى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب:
«لا يُصلِّيَنَّ أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظة».
فأدرك بعض الصحابة وقت صلاة العصر وهم في الطريق، فاختلفوا في فهم الأمر النبوي.
فقال فريق منهم: لا نصلي حتى نصل إلى بني قريظة؛ أخذًا بظاهر الأمر، وتمسكًا بلفظه.
وقال فريق آخر: بل نصلي في الطريق، لأن النبي ﷺ لم يُرِد منا إخراج الصلاة عن وقتها، وإنما أراد منا الإسراع في المسير.
فصلى كل فريق بحسب ما أداه إليه اجتهاده.
فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ لم يعنّف واحدًا منهم.
[رواه البخاري، كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب، حديث رقم 4119 في ترقيم إحدى الروايات.]
تأملوا هذه الواقعة جيدًا!
نحن أمام صحابة تربّوا في مدرسة النبوة، وتعلموا من رسول الله ﷺ، ومع ذلك اختلفوا في فهم أمر واحد.
لم يكن الفريق الأول رافضًا لمراعاة وقت الصلاة، ولم يكن الفريق الثاني مستخفًّا بأمر النبي ﷺ؛ بل كان كل فريق منهما يريد امتثال الأمر النبوي، غير أن كلًّا منهما فهم المراد على وجه مختلف.
وهنا يكمن جوهر المسألة: قد يتفق الناس في تعظيم النص، ويختلفون في فهم دلالته.
ثانيًا: هل كل اختلاف مذموم؟
ليس كل اختلاف مذمومًا، كما أن ليس كل اختلاف مقبولًا.
فالاختلاف قد يكون ناشئًا عن الهوى والتعصب، أو عن الجهل بالنصوص، أو عن مخالفة الدليل الواضح؛ وهذا لا يُسوَّغ لمجرد تسميته اجتهادًا.
وقد يكون ناشئًا عن احتمال النص لأكثر من معنى معتبر، أو اختلاف العلماء في ثبوت الدليل أو دلالته، أو في الجمع بين النصوص وتنزيلها على الوقائع.
وهذا هو مجال الاجتهاد الذي عرفته الأمة منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
وقال سبحانه:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
وقال رسول الله ﷺ:
«يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا».
فالشريعة قائمة على اليسر ورفع الحرج، ومن مقتضيات ذلك أن تُفهم النصوص وفق دلالاتها، وأن يُترك مجال الاجتهاد فيما يحتمله الدليل، دون أن يتحول هذا المجال إلى فوضى في الأحكام أو ذريعة لرد النصوص.
فالخلاف السائغ ليس خروجًا على الشريعة، بل هو اختلاف في فهم الشريعة، ما دام قائمًا على أصول معتبرة.
ثالثًا: لا يُعاب من أخذ بظاهر النص، ولا من نظر في مقصده
من أهم ما يُستفاد من قصة بني قريظة أن فهم النصوص الشرعية قد يتنوع بين التمسك بظاهر اللفظ، والنظر في المعنى الذي يُفهم من سياقه ومقصوده.
فالفريق الأول أخذ بظاهر الأمر النبوي، ورأى أن الامتثال يقتضي عدم الصلاة إلا عند الوصول إلى بني قريظة.
والفريق الثاني نظر إلى ما فهمه من مقصد الأمر، وهو الإسراع في المسير، ورأى أن الصلاة لا ينبغي أن تُؤخَّر عن وقتها.
وليس المقصود من ذلك أن ظاهر النص يُترك كلما ادّعى أحدٌ مقصدًا أو حكمة، ولا أن المقاصد تُقدَّم على النصوص بلا ضابط؛ وإنما المقصود أن دلالة النص قد تكون محل اجتهاد معتبر، وأن النظر في اللفظ والمعنى كلاهما يحتاج إلى علم وأصول.
وقد نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في فتح الباري عن السهيلي وغيره أن في الحديث دلالة على أنه لا يُعاب من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا من استنبط من النص معنى يخصصه.
وهذا أصل مهم في أدب الخلاف؛ إذ لا يصح أن يُتهم المخالف في كل مسألة اجتهادية بأنه يرد النص أو يتبع هواه، لمجرد أنه لم يفهم الدليل على الوجه الذي فهمناه.
رابعًا: الاجتهاد لا يعني أن جميع الأقوال صواب
من الضروري هنا ضبط مسألة يكثر الخلط فيها.
إن احترام الاجتهاد لا يعني القول بأن كل رأي صحيح، أو أن الحق يتعدد في كل مسألة على الإطلاق.
فقد يكون أحد المجتهدين أقرب إلى الصواب، وقد يخطئ الآخر في فهم الدليل أو في الاستدلال به، مع كونه معذورًا بسبب اجتهاده.
ولهذا فرّق العلماء بين إصابة الحق في نفس الأمر، وبين الأجر والعذر المترتبين على الاجتهاد.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر.
فليس الخطأ الاجتهادي كالتعمد في مخالفة الحق، ولا يُعامل المجتهد الذي بذل وسعه معاملة المتعصب الذي يرد الدليل بعد ظهوره له.
كما أن العذر بالاجتهاد ليس حكمًا يُمنح لكل أحد في كل مسألة؛ بل له شروطه وضوابطه، ويُرجع في تقديره إلى أهل العلم.
فالإنصاف أن نردّ الخطأ بالدليل، دون أن نجعل كل خطأ ذريعة إلى إسقاط صاحبه أو الطعن في دينه ونيته.
خامسًا: الدين يسر، وليس من التيسير اختراع التشديد
لقد جاءت الشريعة برفع الحرج، ولم تجعل جميع الأحكام في مرتبة واحدة من القطع والوضوح.
فمن الأحكام ما هو ثابت قطعي لا يسوغ تجاوزه، ومنها ما كان مجالًا للاجتهاد والنظر، ومنها ما تتغير أحكامه تبعًا لأسبابه وشروطه وأحوال المكلَّفين.
ومن الخطأ أن يُضيَّق على الناس في المسائل التي وسّع فيها أهل العلم، أو أن يُحمَّلوا قولًا واحدًا في كل مسألة اجتهادية، وكأن مخالفة ذلك القول خروج عن الدين.
وفي المقابل، ليس من التيسير أن يتتبع المرء كل قول شاذ، أو أن يختار من الأقوال ما يوافق هواه، أو أن يجعل رفع الحرج مبررًا لتعطيل الأحكام.
إنما التيسير المشروع هو الوقوف عند حدود الله، والأخذ بالرخص التي دلّ عليها الشرع، ومراعاة أحوال الناس وفق الضوابط المعتبرة.
وقد حذّر النبي ﷺ من الغلو والتنطع، فقال:
«هلك المتنطعون».
فليس الورع في أن نُلزم الناس بما لم يلزمهم الله به، ولا في أن نُحوّل كل خلاف فقهي إلى معركة، ولا في أن نُضيّق دائرة المباح باسم الاحتياط.
بل الورع الحقيقي أن نعرف حدود ما أوجبه الله، وما حرّمه، وما ترك فيه مجالًا للاجتهاد، وأن نقف عند ذلك بعلم وعدل.
سادسًا: من اختلاف الفقهاء إلى أخلاق المخالفين
إن من المؤسف أن تتحول بعض المسائل الفقهية إلى أسباب للتباغض والتصنيف، وأن يُعامل المخالف في مسألة اجتهادية وكأنه خالف أصلًا من أصول الدين.
فهذا يبدّع من خالفه في مسألة فرعية، وذاك يتهمه في إخلاصه، وثالث يجعل قوله الفقهي معيارًا للانتماء إلى السنة أو الخروج عنها!
وهكذا تنتقل المسألة من ميدان البحث العلمي إلى ميدان الخصومة الشخصية.
ولو استحضر هؤلاء سيرة الصحابة رضي الله عنهم، وتدبروا واقعة بني قريظة، لأدركوا أن اختلاف الفهم لا يستلزم فساد القصد، وأن المخالف قد يكون متبعًا للدليل بحسب ما ظهر له.
وليس معنى ذلك منع النقد أو تعطيل البحث أو التسوية بين الأقوال؛ بل من حق العالم وطالب العلم أن يناقشا الأدلة، وأن يبيّنا الراجح عندهما، وأن يردّا القول الذي يريانه خطأ.
لكن الفرق كبير بين أن تقول: «هذا القول مرجوح، والدليل على ذلك كذا»، وبين أن تقول: «كل من قال به مبتدع أو متبع للهوى».
نناقش الأقوال بالأدلة، ولا نحاكم النيات بالظنون.
ونفرّق بين الخطأ في المسألة، والخطأ الذي يوجب الإثم، وبين المخالفة الاجتهادية والمخالفة المتعمدة للنص.
فليس كل مخطئ آثمًا، وليس كل قول مرجوح بدعة، وليس كل خلاف دليلًا على الانحراف.
سابعًا: ما الذي نتعلمه من واقعة بني قريظة؟
إن هذه الحادثة النبوية العظيمة تعلمنا جملة من القواعد التي نحن أحوج ما نكون إليها في واقعنا:
1. تعظيم النص لا يمنع اختلاف فهمه.
فقد يتفق العلماء على وجوب اتباع الوحي، ثم يختلفون في دلالته أو في تنزيله على واقعة معينة.
2. لا بد من التفريق بين القطعيات والمسائل الاجتهادية.
فليس كل خلاف معتبرًا، وليس كل مسألة تحتمل الاجتهاد.
3. لا يُشنّع على المجتهد لمجرد مخالفته.
بل يُنظر في دليله، وأصول استدلاله، ومدى اعتبار قوله عند أهل العلم.
4. العذر بالاجتهاد لا يعني تصويب كل الأقوال.
فقد يُعذر المرء في خطئه، مع بقاء القول خطأً في نفس الأمر.
5. التيسير لا يعني التساهل، والاحتياط لا يعني التشديد.
فلكل منهما موضعه وضوابطه الشرعية.
6. أدب الاختلاف جزء من أخلاق العلم.
فالعلم لا يكتمل بكثرة المحفوظات وحدها، بل يحتاج إلى إنصاف، وتواضع، وحسن فهم، وعدل مع المخالف.
الخاتمة: لا تجعلوا الخلاف الاجتهادي بابًا للفرقة
إن قصة بني قريظة ليست مجرد واقعة تاريخية تُروى، بل هي درس متجدد في فقه النصوص، وحدود الاجتهاد، وأخلاق الاختلاف.
لقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في فهم أمر نبوي، وكان كل فريق حريصًا على الامتثال، فلم يعنّف رسول الله ﷺ واحدًا منهم.
فأين نحن من هذا الأدب النبوي، حين نجعل بعض المسائل الاجتهادية أبوابًا للتبديع والتشهير، ونحمّل المخالف ما لا يلزم من قوله، وننتقل من مناقشة الدليل إلى الطعن في صاحبه؟
إن الواجب أن نتمسك بالوحي، وأن نُعظّم الدليل، وأن نعرف قدر الاجتهاد، وأن نضع الخلاف في موضعه الصحيح.
فليس كل اختلاف انحرافًا، ولا كل خطأ إثمًا، ولا كل قول مخالف لما نراه صوابًا دليلًا على فساد صاحبه.
وإذا كان الاختلاف قد وقع بين الصحابة رضي الله عنهم في فهم أمر رسول الله ﷺ، فإن ذلك يدعونا إلى مزيد من التواضع في مسائل الاجتهاد، لا إلى التساهل في الحق، ولا إلى التعصب للرأي.
فلنختلف بعلم، ولنتناقش بأدب، ولنردّ الأقوال بالدليل، ولنحفظ للمخالف حقه في الإنصاف.
فإن من علامات رسوخ العلم أن تعرف مواضع الاتفاق والخلاف، وأن تميّز بين الحق الذي يجب اتباعه، والاجتهاد الذي يسوغ فيه النظر، وأن يكون طلب الحق أعظم في قلبك من الانتصار لنفسك.
والله تعالى أعلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق