الخميس، 24 سبتمبر 2026

إذا كان الألباني حُجّة عندكم… فخذوا بكلامه كله! لا تختاروا من كلامه ما يوافق هواكم!

 


إذا كان الألباني حُجّة عندكم… فخذوا بكلامه كله!

لا تختاروا من كلامه ما يوافق هواكم!

من أكثر العبارات التي تتكرر في النقاش مع بعض المنتسبين إلى السلفية المدخلية قولهم:

«ربيع المدخلي زكّاه الشيخ الألباني».

وحين تُذكر هذه التزكية، يُراد منها أحيانًا أن تكون بمثابة الجواب الحاسم عن كل نقد يوجَّه إلى الشيخ ربيع.

ولا إشكال في الاستدلال بكلام عالمٍ معتبر، ولا في اعتبار تزكية العلماء لأهل العلم والدعوة.

لكن هنا سؤال مشروع ينبغي أن يُطرح بإنصاف:

إذا كانت تزكية الشيخ الألباني حُجّة عندكم… فلماذا لا تُؤخذ تزكياته الأخرى بالمنهج نفسه؟

لماذا نستحضر كلام الألباني عندما يتحدث عن شخص نريد الدفاع عنه، ثم نتجاهل كلام الألباني نفسه عندما يتحدث عن علماء ودعاة آخرين لا نوافق على مواقفهم؟

هل نريد كلام الألباني كله، أم نريد فقط الجزء الذي يوافق موقفنا؟


الألباني لم يكن يجعل تزكية الشخص موافقةً لكل أقواله

من المهم أولًا أن نفهم منهج الشيخ الألباني رحمه الله.

فالألباني لم يكن يرى أن مدح العالم لشخص يعني أنه يوافقه في كل أقواله واجتهاداته.

بل قال في إحدى المناقشات، بمعنى واضح:

«فإذا مدح صاحب كلام، قد أمدحه أنا، فهل معنى ذلك أني أصوّب كل ما قال؟»

وهذه قاعدة مهمة جدًا.

فإذا كان الألباني قد أثنى على ربيع المدخلي، فلا يصح أن يقال بناءً على ذلك:

إن كل قول لربيع صحيح لأن الألباني أثنى عليه.

وبالمثل، إذا أثنى الألباني على سلمان العودة أو سفر الحوالي أو ناصر العمر، فلا يعني ذلك أن الألباني وافقهم في كل مسألة.

إذن:

التزكية ليست عصمة.

وهذه النقطة ينبغي أن تكون واضحة للجميع.


فماذا قال الألباني في سلمان العودة؟

عندما سُئل الشيخ الألباني رحمه الله عن سلمان العودة، وقيل له إن بعض الشباب يرى أنه ليس سلفيًا، كان جوابه شديد الوضوح:

«هذا كذب وزور وبهتان».

ثم قال:

«نحن نعرف أقوالهم، نعرف آراءهم، وإنما نحن ننتقد بعض الجزئيات التي لا يسلم منها أي إنسان».

ثم قرر بصورة أوضح:

«عقيدتهم سلفية، دعوتهم سلفية على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح».

وهنا ينبغي التوقف.

فهذا ليس مجرد ثناء عابر، بل كلام صريح في وصف سلمان العودة وسفر الحوالي وناصر العمر بأن عقيدتهم ودعوتهم سلفية، مع إقراره في الوقت نفسه بوجود جزئيات ينتقدون فيها.

فإذا كان معيارنا هو:

«زكّاه الألباني»

فعلينا أن نسأل:

لماذا لا يكون كلام الألباني في هؤلاء حاضرًا أيضًا في الميزان؟


«ليت في الإخوان المسلمين ثلاثةً من أمثالهم»

ولم يتوقف الأمر عند وصفهم بالسلفية، بل لما قيل للشيخ إن بعض الناس يتهمونهم بأنهم من الإخوان المسلمين، قال:

«ليت الإخوان المسلمين بعدد هؤلاء الثلاثة يدعون إلى الكتاب والسنة واتباع السلف الصالح».

ثم قال:

«ليت في كل الإخوان المسلمين ثلاثة من أمثالهم».

وهذا يوضح أن الألباني لم يكن يتعامل مع التصنيفات بطريقة آلية.

لم يكن كل من نُسب إلى جماعة عنده يُسقط بسبب الاسم، وإنما كان ينظر إلى العقيدة والدعوة والمنهج والأقوال والأعمال.


الألباني يحذر من تتبع العثرات

ومن أهم ما قاله الألباني في هذا الباب:

«لا يجوز تتبع عثرات العلماء، ما من أحد إلا وله عثرة، ما من أحد إلا وله كبوة بل كبوات، فإن كنا نريد أن نطعن في هؤلاء فمن يسلم لنا؟»

ثم قال:

«هل هناك إنسان معصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»

وهذه قاعدة لا تخص سلمان ولا سفر ولا ناصرًا وحدهم.

إنها قاعدة عامة:

لا أحد بعد رسول الله ﷺ معصوم من الخطأ.

فإذا أخطأ العالم في مسألة، فالموقف العلمي هو مناقشة الخطأ بالدليل، لا أن يتحول الخطأ إلى مشروع دائم لإسقاط الشخص وتتبع كل كلمة قالها.


«فما ينبغي أن يكون مثل هذا الاختلاف سببًا للفرقة»

وحين تحدث الألباني عن سلمان العودة وسفر الحوالي، قال:

«قد يكون لهم بعض الاجتهادات في بعض المسائل الفرعية، تكون موضع نظر، وقد يكون الصواب معهم أو مع غيرهم، فما ينبغي أن يكون مثل هذا الاختلاف في بعض الجزئيات سببًا للفرقة».

وهذه العبارة جديرة بالتأمل.

فالألباني يقر بوجود اجتهادات وملاحظات، لكنه لا يحول كل خلاف جزئي إلى قضية تُخرج الناس من دائرة أهل السنة أو تجعلهم أهدافًا للطعن والقطيعة.

الخطأ يُناقش، والاجتهاد يُناقش، والدليل هو الحكم.

وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يكون عامًا، لا أن يُطبّق على شخص ويُترك مع شخص آخر.


الألباني يحذر من المقاطعة والتقسيم

وفي حديثه عن الخلافات التي وقعت بين المنتسبين إلى الدعوة السلفية، قال:

«أنا بصورة عامة لا أنصح اليوم باستعمال علاج المقاطعة أبداً، لأنه يضر أكثر مما ينفع».

ثم تحدث عن اختلاف بعض الجماعات في بعض الأنشطة والاجتهادات، فقال:

«وقد يكون خطأً وقد يكون صوابًا».

ثم حذر من تحويل ذلك إلى تحزب وفرقة، وقال:

«فلماذا ننشر بين بعضنا البعض الآن الفرقة؟ وتحزب وتعصب بينما كنا كتلة، صرنا كتلتين».

ثم قال:

«نأخذهم بالرفق واللين يا أخي، ونحاول أن نحتفظ بهم مع الجماعة، ولا نقاطعهم ولا نهجرهم».

وهذا الكلام مهم جدًا عند من يجعلون المقاطعة والهجر والتصنيف وسيلة أساسية في التعامل مع المخالف.


والألباني أثنى أيضًا على ناصر العمر

وعندما سُئل الشيخ الألباني رحمه الله عن الشيخ ناصر العمر، قال:

«ما شاء الله، نعم الرجل، طالب علم قوي».

ثم قال:

«وفيما يبدو لنا – ولا نزكي على الله أحدًا – متجرد عن الهوى، الحمد لله، وفيه خير كبير».

ثم لما سُئل عن أحد أشرطته قال:

«قام بواجب طيب».

إذن نحن أمام تزكية أخرى صريحة.

وهنا يعود السؤال نفسه:

إذا كانت تزكية الألباني معتبرة عندكم في موضع، فلماذا لا تكون أقواله الأخرى معتبرة في مواضع أخرى؟


الألباني نفسه كان يرفض تحويل الخلاف إلى معركة تصنيف

ومن كلامه:

«ألا تضيعوا أوقاتكم في نقد بعضكم بعضًا».

ثم قال:

«هذا ليس من العلم في شيء».

وأضاف:

«هذا الأسلوب يوغر الصدور ويحقق الأحقاد والبغضاء في القلوب».

ثم أرشد إلى الطريق الذي يراه أنفع:

«إنما عليكم بالعلم، فالعلم هو الذي سيكشف».

وهذا أصل مهم:

العلم هو الذي يميز بين الصالح والطالح، والمصيب والمخطئ، ولا يحتاج طالب العلم إلى أن يجعل كل وقته في تتبع الأشخاص.


هل نأخذ بتزكية الألباني أم ننتقي منها؟

وهنا أصل إلى جوهر المسألة.

ليس السؤال:

هل الألباني زكّى ربيعًا؟

فقد يُثبت الإنسان ذلك إن ثبتت الرواية وصح سندها وسياقها.

وليس السؤال أيضًا:

هل نختلف مع ربيع أو سلمان أو سفر أو ناصر في بعض المسائل؟

فالاختلاف في بعض المسائل أمر طبيعي بين العلماء والدعاة.

السؤال الأهم هو:

ما المنهج الذي نتعامل به مع تزكيات الألباني؟

إذا كانت تزكية الألباني لشخص ما دليلًا عندنا على فضله ومنهجه، فعلينا أن نكون منصفين، وأن ننظر أيضًا إلى تزكياته للآخرين.

وإذا قلنا:

الألباني زكّى ربيعًا، إذن لا يجوز نقده.

فهذا استدلال يحتاج إلى نظر؛ لأن الألباني نفسه قرر أن مدح الشخص لا يعني تصويب كل ما قاله.

وإذا قلنا:

الألباني أثنى على سلمان وسفر وناصر، إذن هم معصومون من الخطأ.

فهذا أيضًا غير صحيح.

فالميزان واحد في الحالتين.


لا تجعلوا العالم شاهدًا في قضية واحدة فقط

من الإنصاف أن نقرأ العالم كله، لا أن نقتطع منه شهادة واحدة.

فالألباني رحمه الله قال:

«الدعوة السلفية لا تعرف التعصب لشخص معين، أو لرأي معين، إنما الحجة والبرهان والدليل».

وهذه العبارة تصلح أن تكون قاعدة في هذه المسألة كلها.

فلا ينبغي أن يصبح الألباني نفسه وسيلة للتعصب لشخص.

بل إذا استشهدنا بالألباني، فلنستشهد معه بمنهجه في:

الدليل، والإنصاف، وعدم التعصب، وعدم تتبع العثرات، وعدم تحويل الخلافات الجزئية إلى خصومات وفرقة.


الخلاصة

لسنا هنا بصدد إسقاط تزكية الألباني لربيع المدخلي، ولا بصدد تحويل تزكية الألباني لسلمان العودة أو سفر الحوالي أو ناصر العمر إلى تزكية مطلقة لهم.

بل القضية أبسط وأوضح:

إذا كانت تزكية الألباني معتبرة عندكم، فخذوا بكلام الألباني كله.

لا تأخذوا منه ما يخدم موقفكم فقط.

لا تجعلوا تزكيته لربيع حجة على أن كل ما عند ربيع صحيح.

ولا تجعلوا أخطاء سلمان أو سفر أو ناصر سببًا لإلغاء كل ما قاله الألباني فيهم.

فالشيخ الألباني نفسه علّمنا أن:

العالم يُصيب ويخطئ.

والتزكية لا تعني العصمة.

والخطأ لا يعني إسقاط كل الصواب.

والاختلاف في بعض الجزئيات لا يستلزم الفرقة.

والحجة هي الدليل، لا مجرد أسماء الأشخاص.

ولهذا نقول بكل وضوح:

إذا كان الألباني حُجّة عندكم… فخذوا بكلامه كله!

ولا تختاروا من كلامه ما يوافق هواكم، ثم تتركوا ما لا يوافق موقفكم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق