العُجب بالنفس… حين يحجبك ما عندك عن فضل الله
من أخطر الآفات التي يمكن أن تصيب الإنسان أن يُعجب بنفسه، ويغتر بما عنده، حتى ينسى حقيقته وضعفه وفقره إلى الله.
فالعُجب لا يقف عند حد الشعور بالرضا عن النفس، بل قد يتطور حتى يرى الإنسان نفسه فوق غيره، ويظن أن الناس محتاجون إليه: إلى علمه، أو ماله، أو جاهه، أو قوته، بينما لا يرى نفسه محتاجًا إلى أحد.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي…
حين تتحول النعمة إلى وسيلة للغرور، والعلم إلى سبب للتكبر، والقوة إلى طغيان، والنجاح إلى شعور بالاستغناء.
وقد يبلغ الأمر بصاحبه مبلغًا عظيمًا، حتى يتوهم أنه لا يحتاج إلى الله أصلًا، وهذه هي قمة الغرور والهلاك.
فرعون… حين يتحول الغرور إلى طغيان
ومن أوضح النماذج التي ضربها القرآن للإنسان الذي أعماه الغرور بنفسه فرعون، فقد بلغ به الطغيان أن قال لقومه:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾
[القصص: 38]
ولم يكن هذا القول إلا ثمرةً لذلك الغرور الذي استولى عليه، ولذلك قال الله تعالى:
﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾
[النازعات: 17]
فحين يعظم الإنسان نفسه في عينيه، قد تتضخم ذاته حتى لا يعود يرى الحقيقة كما هي، ولا يرى فضل الله عليه، ولا يعترف بحدوده وضعفه.
وإبليس… نموذج آخر للعُجب
ومن أعظم صور العُجب ما وقع فيه إبليس حين اعترض على أمر الله، وجعل معيار التفاضل هو مادته التي خُلق منها، فقال:
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾
[الأعراف: 12]
فكانت النتيجة أن قال الله له:
﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾
[الأعراف: 13]
لقد بدأ الأمر بإعجابٍ بالنفس، ثم تحول إلى كِبر، ثم إلى اعتراض، ثم كان المآل هو الهبوط والصَّغار.
وهكذا يكون العُجب خطرًا حين يجعل الإنسان يرى ما عنده، وينسى مَن أنعم عليه بما عنده.
حتى المظهر قد يكون بابًا إلى العُجب
ولذلك حذّر النبي ﷺ من العُجب والتبختر، وبيّن خطورة أن يتحول إعجاب الإنسان بنفسه وهيئته إلى كِبر وخيلاء.
قال ﷺ:
«بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ، قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
رواه مسلم (2088).
فالمشكلة ليست في أن يلبس الإنسان لباسًا حسنًا، أو يعتني بمظهره، وإنما في أن تتحول النعمة إلى وسيلة للإعجاب بالنفس والتكبر على الآخرين.
العُجب يحجب الإنسان عن معنى التوكل
ومن هنا يظهر الارتباط العميق بين العُجب بالنفس والتوكل على الله.
فالتوكل الحقيقي يقوم على إدراك العبد لحقيقته: أنه ضعيف بنفسه، قوي بالله، فقير إلى ربه، لا يستغني عنه طرفة عين.
أما المعجب بنفسه، المغتر بشبابه أو صحته، أو قوته أو ماله، أو منصبه وجاهه، أو علمه وأنصاره، فقد تحجبه هذه الأشياء عن رؤية فقره وحاجته إلى الله.
وكما قيل في معنى التوكل: إن المغتر بما عنده قد يُحجب بنفسه عن ربه.
فكلما ازداد الإنسان شعورًا بأنه قائم بنفسه، مستقل بقدرته، مستغنٍ عن ربه، ابتعد عن حقيقة العبودية.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
والدين يقوم على أصلين عظيمين:
العبادة والاستعانة.
قال تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[الفاتحة: 5]
فالعبادة هي غاية العبد، والاستعانة هي افتقاره إلى ربه في تحقيق هذه الغاية.
وقد قرر ابن القيم رحمه الله أن الدين يجمع بين الاستعانة والعبادة، وأن التوكل يمثل جانب الاستعانة، والإنابة تمثل جانب العبادة.
ولهذا فإن من استحضر حقيقة قوله:
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
لا يمكن أن يكون مستغنيًا عن ربه في قلبه، ولا مغترًا بحوله وقوته.
فحقيقة الاستعانة أن تعرف أنك لا تقوم بنفسك، وأن ما عندك من قدرة وعلم وصحة ومال ونجاح إنما هو فضل من الله عليك.
لا تغتر بما بين يديك
ولذلك ينبغي للمؤمن ألا ينخدع بما آتاه الله من نعم.
فالشباب مرحلة، والصحة عارية، والمال متقلب، والجاه زائل، والقوة إلى ضعف، والعمر يمضي، وكل نعمة في الدنيا معرضة للتغير والزوال.
قال النبي ﷺ:
«اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَشَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ».
رواه الحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1077).
فالعاقل لا يغتر بالنعمة، وإنما يحسن الانتفاع بها قبل أن تزول، ويشكر المنعم بها بدل أن يتكبر بها على خلقه.
ولكن… التواضع لا يعني إلغاء الثقة بالنفس
وهنا لا بد من التنبيه إلى أمر مهم:
التحذير من العُجب بالنفس لا يعني أن يعيش الإنسان ضعيف الشخصية، أو فاقد الثقة بنفسه، أو تاركًا للأسباب.
فالإسلام لا يدعو إلى الكسل، ولا إلى العجز، ولا إلى ترك العمل بحجة التوكل.
بل يأمر بالأخذ بالأسباب، والسعي، والعمل، وطلب الخير بالطرق المشروعة.
فالفرق كبير بين إنسان يقول:
«أستطيع، وسأبذل جهدي، وأستعين بالله»
وبين إنسان يقول بقلبه:
«أنا أستطيع وحدي، ولست بحاجة إلى أحد»
الأول يأخذ بالأسباب وهو مستعين بالله، والثاني قد يتحول اعتماده على نفسه إلى غرور واستغناء.
ولهذا فليس التوكل تركًا للأسباب، وإنما هو اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
الخلاصة
لا تجعل ما عندك سببًا لنسيان مَن أعطاك.
ولا تجعل علمك سببًا لاحتقار غيرك.
ولا تجعل مالك سببًا للتكبر.
ولا تجعل صحتك وشبابك وقوتك سببًا للغرور.
ولا تجعل نجاحك يوهمك أنك وصلت بنفسك.
فكل ما عندك من فضل الله.
وكل قوةٍ عندك فمنه.
وكل نعمةٍ بين يديك قابلة للزوال.
وكلما ازداد الإنسان معرفةً بنفسه، ازداد معرفةً بفقره إلى ربه.
فليست المشكلة أن تثق بنفسك، وإنما المشكلة أن تغتر بها.
والعبد المؤمن يقول بلسان حاله وقلبه:
يا رب، أعطيتني فأنا بفضلك، وقويتني فأنا بعونك، ووفقتني فبتوفيقك، فلا تجعل ما أنعمت به عليّ سببًا يحجبني عنك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق