السلفيون والجرح والتعديل… من علمٍ له ضوابط إلى سلاحٍ للتصنيف؟
من الموضوعات التي يتوقف عندها المؤلف في كتابه «السلف والسلفيون: رؤية من الداخل» قضية الجرح والتعديل، وهي من أكثر القضايا حضورًا في الخطاب السلفي المعاصر.
لكن السؤال الذي يطرحه الكتاب ليس:
هل يوجد علم اسمه الجرح والتعديل؟
فوجود هذا العلم في التراث الإسلامي أمر معروف، وله مجاله وقواعده وأهله.
وإنما السؤال الأهم:
هل كل خلاف بين المسلمين يمكن أن يتحول إلى جرحٍ وتعديل؟
وهل كل مخالفة في الرأي أو المنهج تجعل صاحبها مستحقًا للتجريح والتصنيف؟
أولًا: الجرح والتعديل ليس مجرد إطلاق الأحكام
يشير المؤلف إلى أن الجرح والتعديل بمعناه الاصطلاحي علمٌ خاص له علاقة بنقد الرواة وتمييز المقبول من المردود في الرواية، وليس مجرد وسيلة عامة للحكم على الناس.
أما المسائل التي تحتمل الاجتهاد والخلاف، فليست بالضرورة ميدانًا للجرح والتعديل.
وهنا تظهر المشكلة عندما ينتقل المصطلح من مجاله العلمي المحدد إلى الحياة الدعوية والفكرية، فيصبح الخلاف في مسألة ما سببًا لتصنيف الأشخاص والحكم عليهم.
فالفارق كبير بين أن تقول:
«هذا الحديث لا يصح، وهذا الراوي ضعيف»
وبين أن تجعل كل خلاف مع شخص في قضية اجتهادية مدخلًا للحكم على دينه ومنهجه وشخصه.
ثانيًا: متى يتحول الخلاف إلى معيار للانتماء؟
يناقش المؤلف ظاهرة يرى أنها ظهرت عند بعض المنتسبين إلى السلفية، حيث أصبحت بعض المسائل معيارًا لمعرفة:
- من هو السلفي؟
- ومن هو المخالف؟
- ومن هو صاحب السنة؟
- ومن هو المبتدع؟
وقد يصل الأمر إلى أن تصبح بعض المصطلحات والأوصاف علاماتٍ على الانتماء والافتراق، لا مجرد أوصاف علمية.
وهنا ينبغي التوقف:
هل كل مسألة وقع فيها الخلاف بين العلماء تصلح لأن تكون معيارًا للولاء والبراء؟
المؤلف يلفت النظر إلى أن تاريخ الفقه الإسلامي نفسه شهد اختلافًا واسعًا بين العلماء، ومع ذلك لم يكن مجرد الاختلاف الفقهي سببًا لإسقاط الآخرين أو إخراجهم من دائرة أهل السنة.
ثالثًا: «السلفيون» أنفسهم ليسوا جماعة واحدة في كل شيء
ومن النقاط اللافتة التي يذكرها المؤلف أن بعض المنتسبين إلى السلفية يختلفون فيما بينهم في مسائل متعددة، بل قد يجرح بعضهم بعضًا، ويصنف بعضهم بعضًا.
وهذا يفتح سؤالًا مهمًا:
إذا كان الجرح والتصنيف معيارًا ثابتًا لمعرفة الحق، فكيف يختلف المنتسبون إلى الاتجاه نفسه في تطبيق هذا المعيار؟
فقد يرى فريق أن شخصًا ما من أهل السنة، بينما يراه فريق آخر مبتدعًا أو مخالفًا.
ومن هنا ينتقل النقاش من السؤال:
«ما الدليل على الحكم؟»
إلى سؤال آخر أكثر أهمية:
«من الذي يملك حق إصدار الحكم أصلًا؟»
رابعًا: الخلط بين مسائل الاجتهاد ومسائل الأصول
ينتقد المؤلف ما يراه نوعًا من الخلط بين القضايا التي يسوغ فيها الاجتهاد، والقضايا التي تعد من الأصول القطعية.
فليس كل خلاف في الفقه أو الدعوة أو وسائل العمل الإسلامي خلافًا في أصل من أصول العقيدة.
وقد عبّر عن ذلك باستحضار أقوال لعلماء من السلف تؤكد أن اختلاف العلماء في مسائل الاجتهاد لا يستلزم أن يتحول المخالف إلى خصم أو مبتدع.
فالخلاف الفقهي شيء، والخلاف في أصل قطعي شيء آخر.
والخلط بينهما يؤدي إلى توسيع دائرة التبديع والتجريح بصورة تفوق طبيعة المسألة المختلف فيها.
خامسًا: عندما يصبح «المنهج» كلمةً للحكم بدل أن يكون مفهومًا للفهم
ومن أكثر النقاط إثارة في هذا الفصل حديث المؤلف عن بعض العبارات التي أصبحت متداولة في الخطاب السلفي، مثل:
«سلفي العقيدة»
«سلفي المنهج»
«إخواني المنهج»
«حزبي»
وغيرها من المصطلحات.
ويرى أن المشكلة لا تكمن في المصطلح بذاته، وإنما في الطريقة التي يُستخدم بها.
فقد تتحول عبارة «المنهج» من مفهوم يراد به بيان طريقة الاستدلال والتعامل مع النصوص والقضايا، إلى بطاقة تصنيف يوضع بها الشخص في خانة معينة.
وبعد ذلك قد يصبح التصنيف مقدمةً للحكم عليه.
وهنا يتحول السؤال من:
ماذا قال الرجل؟ وما دليله؟
إلى:
من أي جماعة هو؟ ومن يزكيه؟ ومن يجرحه؟
وهذا، بحسب المؤلف، يغير طبيعة النقاش العلمي.
سادسًا: الجرح لا يصح أن يكون بديلًا عن العلم
يورد المؤلف في هذا السياق نماذج من العبارات التي يرى أنها تُستعمل أحيانًا لتثبيت الأحكام على الأشخاص، ثم يلفت إلى أن معرفة حقيقة الأقوال والقضايا تحتاج إلى علمٍ وفقهٍ بالواقع، لا مجرد إطلاق الأوصاف.
فليس كل من خالفك:
مبتدعًا.
وليس كل من وافقك:
سلفيًا.
وليس كل اختلاف:
انحرافًا عن السنة.
كما أن معرفة موقف الشخص من قضية معينة تحتاج إلى معرفة كلامه كاملًا، وسياقه، ودليله، وما إذا كان الخلاف في أصل قطعي أم في مسألة اجتهادية.
المشكلة ليست في الجرح والتعديل… بل في توسيع دائرته
وهنا يمكن تلخيص فكرة هذا الجزء من الكتاب في سؤال واحد:
هل نستخدم أدوات العلم لفهم الناس، أم نستخدم الناس لتبرير التصنيفات الجاهزة؟
فالجرح والتعديل في مجاله العلمي له وظيفة محددة، لكن عندما يتم نقله إلى كل خلاف دعوي وفكري، قد يتحول من منهج للتحقيق إلى منهج للتصنيف.
والنتيجة أن يصبح الاهتمام بـ:
من قال؟ ومن جرح؟ ومن عدّل؟
أكبر من الاهتمام بـ:
ماذا قال؟ وما الدليل؟ وهل المسألة أصل قطعي أم اجتهاد قابل للخلاف؟
وهنا تكمن خطورة الخلط بين نقد القول وإسقاط القائل.
الخلاصة
الفكرة التي يطرحها المؤلف في هذا الفصل ليست إلغاء علم الجرح والتعديل، وإنما نقد توسيع استعماله خارج مجاله.
فالمنهج العلمي يقتضي أن نفرق بين:
🔹 نقد الحديث ونقد الشخص.
🔹 نقد الفكرة وتصنيف صاحبها.
🔹 الخلاف الفقهي والخلاف العقدي.
🔹 الاجتهاد والبدعة.
🔹 بيان الخطأ وإسقاط المخالف.
🔹 النصيحة العلمية وتحويل الخلاف إلى خصومة.
وكلما اتسعت دائرة التصنيف، أصبح من الضروري أن نسأل:
هل نحن أمام خلاف علمي يحتاج إلى بحث ودليل، أم أمام منظومة من الأسماء والأوصاف أصبحت هي التي تحدد للناس من يقبلون ومن يرفضون؟
وهذا يقودنا إلى الفصل التالي في الكتاب، حيث ينتقل المؤلف إلى سؤال أكثر مباشرة:
«سلفية أم البانية؟!»
السلفيون والفقه… هل الخلاف الفقهي يبرر التصنيف؟
وفيه يناقش المؤلف تعامل بعض المنتسبين إلى السلفية مع مسائل الفقه، والخلاف بين العلماء، ومفهوم اتباع الدليل، وهي خطوة مهمة لفهم الصورة التي يرسمها الكتاب عن العلاقة بين السلفية المعاصرة والفقه الإسلامي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق