الجمعة، 25 سبتمبر 2026

حين يتحول تقدير العلماء إلى تقديس: لا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ

 

حين يتحول تقدير العلماء إلى تقديس: لا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ

ليس من العدل أن ننظر إلى الأشخاص بعينٍ واحدة؛ فنراهم إما معصومين من الخطأ لا يُرد لهم قول، وإما ساقطين من الاعتبار لا يُقبل منهم حق ولا يُنتفع بعلم.

والمنهج الإسلامي في التعامل مع الناس أعدل من ذلك وأوسط.

فالله تعالى يقول في شأن الخمر والميسر:

﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾

ويقول سبحانه:

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

فالعدل لا يعني أن ننكر الخير بسبب الخطأ، كما لا يعني أن نتجاهل الخطأ بسبب الخير.

لا تجعلوا الخطأ سببًا لإسقاط صاحبه

من المؤسف أن هذه القاعدة تغيب أحيانًا في التعامل مع العلماء والدعاة وطلبة العلم.

فقد يتعود بعض الناس أن يمنحوا شخصًا ما ثقة مطلقة، فيقلدونه في كل شيء، ويجعلون أقواله معيارًا للحق والباطل، حتى إذا اكتشفوا له خطأً في مسألة، انقلبوا عليه فجأة، وكأن اكتشاف خطأ واحد يعني سقوط جميع ما عنده من علم وخبرة واجتهاد.

فتسمع أحدهم يقول:

«فلان أخطأ في هذه المسألة، ولذلك لا نسمع منه شيئًا!»

وهنا يقال:

إذا كان مجرد الخطأ في مسألة يسقط العالم من الاعتبار، فمن بقي لنا من العلماء والدعاة؟

ألسنا جميعًا بشرًا؟

وهل يوجد عالم لم يخطئ في مسألة، أو يرجع عن اجتهاد، أو يختلف معه غيره من أهل العلم؟

إن الخطأ لا يجعل العالم جاهلًا، كما أن الإصابة في مسألة لا تجعل الإنسان معصومًا.

بين التقدير والتقديس

المشكلة ليست في أن نقدر العلماء ونحترمهم وننتفع بعلمهم.

بل هذا من الوفاء للعلم وأهله.

وإنما المشكلة حين يتحول التقدير إلى تقديس، والثقة إلى تسليم مطلق، والاجتهاد البشري إلى ما يشبه النص الذي لا يجوز مناقشته.

الشخصيات الكبيرة التي يلتف حولها الناس غالبًا تكون صاحبة علم أو تجربة أو قدرة أو تأثير، ومن الطبيعي أن يكثر أتباعها ومحبوها.

لكن مهما بلغ العالم أو الداعية من المكانة، فإنه يظل بشرًا غير معصوم.

نأخذ من علمه، ونستفيد من تجربته، ونحترم قدره، ونرد ما تبين لنا خطؤه بالدليل والأدب.

فالحق أكبر من الأشخاص، والعلم أوسع من أن يُختزل في فرد أو جماعة.

أخطر ما في التعلق بالأشخاص

التعلق المفرط بالأشخاص يصنع مشكلة أخرى.

فالمعجب بشيخه أو داعيته قد يجد صعوبة في الاعتراف بخطئه، فيبدأ بتأويل الخطأ وتبريره، وربما اتهم من خالفه بالجهل أو سوء الفهم أو قلة العلم.

ثم إذا تراكمت الأخطاء ولم يعد قادرًا على تبريرها، قد تحدث الصدمة.

فالشخص الذي كان بالأمس يراه فوق النقد، قد يتحول اليوم إلى شخص يرفض كل ما يصدر عنه.

وهكذا ينتقل الإنسان من الغلو في الثقة إلى الغلو في الرفض.

والأولى به أن يكون معتدلًا من البداية.

فلا يجعل أحدًا فوق النقد، ولا يجعل خطأ أحد سببًا لإنكار جميع فضائله.

لا تبحثوا عن معصومين

ليس أمام الإنسان إلا أن يتعامل مع العلماء والدعاة على أنهم بشر يجتهدون ويصيبون ويخطئون.

فإن جعلنا الخطأ الواحد سببًا لرفض كل عالم، انتهينا إلى أن لا نأخذ العلم عن أحد.

وإن جعلنا العالم لا يخطئ، انتهينا إلى تقديس الأشخاص.

وكلا الطرفين بعيد عن الاعتدال.

والمنهج الصحيح هو:

نقبل الحق ممن جاء به، ونرد الخطأ ممن أخطأ فيه، مع حفظ قدر صاحبه ومكانته.

فليس كل ما يقوله العالم حقًا، وليس كل ما أخطأ فيه باطلًا في جميع ما عنده.

لماذا يختلف الناس في الحكم على الشخصيات؟

عندما نقرأ في تراجم الشخصيات التي دار حولها جدل طويل، نجد أحيانًا صورتين متناقضتين تمامًا.

ففريق يصورها وكأنها بلغت الكمال، لا يكاد يذكر لها خطأ.

وفريق آخر يصورها وكأنها لم تقدم شيئًا، ولا تستحق إلا النقد والرفض.

والحقيقة في كثير من الأحيان لا تكون في أحد الطرفين.

فقد يكون الرجل عالمًا كبيرًا وله جهود عظيمة، ومع ذلك له أخطاء واجتهادات قابلة للنقد.

وقد يكون له موقف صحيح في جانب، وموقف يحتاج إلى مراجعة في جانب آخر.

والإنصاف يقتضي أن نرى الصورة كاملة، لا جزءًا منها فقط.

ولهذا قيل:

وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ
وعينُ السخطِ تُبدي المساويا

فالرضا المفرط قد يمنع الإنسان من رؤية العيوب، كما أن السخط المفرط قد يمنعه من رؤية المحاسن.

لا تردوا الحق بسبب صاحبه

وهناك صنف آخر من الناس يتحدثون بدافع الهوى والتجني، فينسبون إلى خصومهم ما لا يثبت عنهم، أو يضخمون أخطاءهم، أو يبنون أحكامهم على صورة مشوهة.

وهذا أيضًا ليس من العدل.

فالواجب أن نتحقق من الكلام، ونميز بين الثابت والمزعوم، وبين النقد العلمي والخصومة الشخصية.

ومن الخطأ أن نقبل الكلام لمجرد أن قائله يوافقنا، أو نرفضه لمجرد أن قائله يخالفنا.

الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف بالدليل.

ابن تيمية نموذج مهم في هذه القضية

ومن الأمثلة التي تكشف أثر النظرة الأحادية إلى الشخصيات العلمية: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

فقد تجد من يرفعه إلى مرتبة لا يكاد يسمح معها بذكر خطأ له، وتجد في المقابل من يصوره بصورة شديدة السلبية، حتى ينسب إليه ما لا يثبت عنه.

وهذا كلاهما بعيد عن الإنصاف.

يمكن للباحث أن يقدّر علم ابن تيمية واجتهاده وتأثيره الكبير، وفي الوقت نفسه يدرس بعض آرائه ومسائله دراسة نقدية، فيوافقه في موضع ويخالفه في موضع آخر.

ولا يحتاج الأمر إلى أن يتحول الخلاف العلمي إلى تقديس أو إسقاط.

وقد وقفت على مقالات قديمة تنسب إلى ابن تيمية أوصافًا شديدة، بل تزعم أنه يكفّر الأمة بأسرها، وهي دعاوى تحتاج إلى التثبت والنظر في كتبه ونصوصه، لا إلى إطلاق الأحكام بناءً على الخصومة.

فالمنهج العلمي لا يقوم على صناعة قديسين، ولا على صناعة شياطين.

بل يقوم على قراءة الشخصيات بميزان العدل.

العالم يُحترم ولا يُعصم

إن الأمة تحتاج إلى علمائها ودعاتها ومفكريها، ولا يمكن أن تستغني عن جهودهم.

لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى عقل نقدي واعٍ، يفرق بين:

احترام العالم وتعظيم العلم، وبين تقديس الشخص.

وبين:

الاستفادة من العالم، وبين التسليم له في كل ما يقول.

وبين:

نقد الخطأ، وبين إسقاط صاحبه بالكامل.

فلا تجعلوا العلماء آلهةً من حيث لا تشعرون، ولا تجعلوا أخطاءهم سببًا لإهدار جهودهم.

خذوا من كل عالم أحسن ما عنده، واتركوا ما ظهر لكم خطؤه بالدليل، واحفظوا لأهل العلم أقدارهم.

فالناس ليسوا ملائكة، والعلماء ليسوا معصومين، والاختلاف لا يعني العداوة، والخطأ لا يمحو كل صواب.

والعدل كل العدل أن نضع كل إنسان في منزلته: لا نرفعه فوق قدره، ولا ننقصه عن قدره.

فالعصمة للأنبياء فيما يبلغون عن الله، أما العلماء والدعاة وسائر البشر، فباب الاجتهاد والخطأ والصواب باقٍ مفتوحًا.

ولهذا كان من أعظم ما يحتاج إليه المسلم في زمن الاستقطاب:

أن يحب الحق أكثر من الأشخاص، وأن يطلب الدليل قبل أن يطلب الانتصار لشيخه أو جماعته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق