الخميس، 1 أكتوبر 2026

السلفية المدخلية تنكر الحزبية والتنظيم ظاهرًا… وتمارسهما خفيًا بأبشع صورهما!

 


السلفية المدخلية تنكر الحزبية والتنظيم ظاهرًا… وتمارسهما خفيًا بأبشع صورهما!

من المرجعية العليا إلى أصغر تابع: كيف يعمل الهرم المدخلي؟

من أكثر المفارقات إثارة للتأمل في الخطاب المدخلي أنهم يكثرون من الحديث عن الحزبية، ويحذرون من التنظيمات والجماعات، ويؤكدون أن دعوتهم ليست حزبًا ولا تنظيمًا ولا جماعة لها هيكل أو قيادة أو عضوية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس:

ماذا يسمون أنفسهم؟

وإنما:

كيف يعمل هذا التيار على أرض الواقع؟

كيف تنتقل المواقف من الأعلى إلى الأسفل؟

كيف يعرف الأتباع من يُسمع له ومن لا يُسمع له؟

كيف تنتشر أحكام التجريح والتحذير؟

كيف يُعرف المسموح به والممنوع؟

وكيف يتحول موقف يصدر عن شيخ بعيد إلى قرار اجتماعي يطبقه أتباعه في مسجد أو حي أو مدينة؟

إذا تركنا الأسماء والشعارات جانبًا، ونظرنا إلى آليات العمل والتأثير، فإننا نجد أمامنا بنية هرمية متدرجة، تتفاوت فيها المواقع والأدوار، حتى تصل في نهايتها إلى العامي الذي قد لا يعرف من تفاصيل القضية شيئًا، لكنه يعرف جيدًا: من يجب أن يتبعه، ومن يجب أن يحذر منه.

وهنا تبدأ قصة الطبقات المدخلية.


أولًا: قمة الهرم… المرجعية

في أعلى الهرم تأتي المرجعية التي يمثلها ربيع المدخلي في الوعي المدخلي المعاصر.

وهنا لا نتحدث فقط عن عالم له كتب ودروس وآراء، وإنما عن مرجعية يُستأنس بأقوالها في تحديد المواقف من الأشخاص والتيارات والدعاة، ولا سيما في قضايا التجريح والتبديع والهجر والتحذير.

ومن هذه النقطة يبدأ نزول التأثير عبر شبكة واسعة من المشايخ والدعاة والأتباع.

فالموقف لا يبقى في مكانه.

إنه ينتقل.

ثم ينتقل مرة أخرى.

ثم يتحول من رأي إلى موقف.

ومن موقف إلى تحذير.

ومن تحذير إلى هجر.

ومن هجر إلى ثقافة اجتماعية كاملة تجاه الشخص المخالف.


ثانيًا: الحلقة الأقرب إلى المرجعية

ثم تأتي طبقة من المشايخ الذين ارتبطوا بالخطاب المدخلي، ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:

محمد بن ربيع المدخلي، وعبيد الجابري، وأحمد بازمول وغيرهم.

وهذه الطبقة تقوم بدور مهم في نقل الخطاب وتفسيره وتوسيعه.

وهنا تبدأ الحلقة الثانية من السلسلة:

مرجعية → مشايخ → أتباع.

لكن الأمر لا يتوقف هنا.

فلا يمكن لأي تيار أن ينتشر بمجرد وجود شيخ أو مجموعة من المشايخ.

لا بد من طبقات وسيطة تحمل الأفكار إلى الجمهور.


ثالثًا: طبقة الدعاة والواجهات المؤثرة

ثم تأتي طبقة من الدعاة الذين لعبوا أدوارًا بارزة في نشر الخطاب المدخلي في العالم العربي، ومن الأسماء التي ارتبطت بهذا الخطاب:

محمد سعيد رسلان، محمود الرضواني، طلعت زهران وغيرهم.

وهنا تنتقل الأفكار من مجالس المشايخ إلى الجمهور الواسع.

محاضرات.

دروس.

ردود.

مقاطع.

تحذيرات.

تصنيفات.

نقاشات على وسائل التواصل.

وبهذه الوسائل يصبح الخطاب أكثر انتشارًا، وأكثر قدرة على تشكيل وعي الأتباع.


رابعًا: الحلقة المحلية

ثم نصل إلى مستوى آخر:

المشايخ والدعاة المعروفون في البيئات المحلية.

وفي الجزائر، مثلًا، يظهر في هذا السياق عدد من الأسماء التي ارتبطت بالتيار السلفي المدخلي بدرجات مختلفة، ومن بينها محمد علي فركوس ولزهر سنيقرة وعبد الغني عويسات وغيرهم.

وهنا يحدث أمر مهم:

فالعامي لا يعيش مع الشيخ الموجود في أعلى الهرم.

ولا يستطيع متابعة كل كتبه ودروسه وردوده.

بل يحتاج إلى شخص أقرب إليه.

شيخ في مدينته.

إمام في مسجده.

داعية في حيه.

شخص يتابع خطاب المرجعيات ويقدمه له في صورة مبسطة.

وهكذا يصبح الوسيط المحلي عنصرًا أساسيًا في استمرار المنظومة.


خامسًا: أئمة المساجد والدعاة المحليون

ثم تأتي طبقة أوسع:

أئمة المساجد، والمدرسون، وطلبة العلم، والدعاة الذين يتأثرون بهذا الخطاب.

وهؤلاء هم الذين يتعامل معهم الجمهور بصورة مباشرة.

ومن خلالهم تتحول القضايا الكبرى إلى ممارسات يومية:

من يُسمع له؟

من لا يُسمع له؟

من يُدعى إلى المجلس؟

من يُستبعد؟

من يُنصح بعدم متابعته؟

من يُقال عنه إنه "منحرف"؟

من يُطلب من الشباب ترك مجالسته؟

هنا تنتقل القضية من الفكر إلى السلوك.

وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها التنظيم — بمعناه العملي — أكثر وضوحًا من أي تعريف نظري.


سادسًا: حراس البوابة

وهذه طبقة شديدة الأهمية.

ففي بعض البيئات المدخلية تظهر فئة من الأتباع تتحول عمليًا إلى حراس للبوابة.

ليسوا بالضرورة علماء.

وليسوا بالضرورة أصحاب مؤلفات.

لكنهم يعرفون:

من معنا… ومن ضدنا.

من يُسمع له… ومن لا يُسمع له.

من نقترب منه… ومن نبتعد عنه.

من نمدحه… ومن نحذر منه.

وقد يصبح رأي هذه الدائرة المحلية مؤثرًا جدًا في علاقات الأشخاص داخل البيئة الدعوية.

وهنا تظهر المفارقة:

تيار يرفض الحزبية نظريًا، لكنه قد ينتج في بعض البيئات آليات شديدة الشبه بآليات العمل الحزبي: مرجعية، ودوائر نفوذ، وتدرج في الأدوار، ومراكز تأثير، وآلية للقبول والاستبعاد.

وهذه ليست مسألة أسماء.

إنها مسألة آليات عمل.


سابعًا: المنفذون

ثم تأتي طبقة الأتباع الذين لا يملكون قرارًا كبيرًا، لكنهم يملكون شيئًا آخر:

القدرة على التنفيذ.

فإذا قيل لهم:

احذروا من فلان.

حذروا منه.

وإذا قيل:

لا تجلسوا معه.

ابتعدوا عنه.

وإذا قيل:

لا تسمعوا له.

أغلقوا المقاطع.

وإذا قيل:

فلان مبتدع أو منحرف.

انتقل الحكم إلى الآخرين دون أن يسأل كثير منهم:

ما الدليل؟

ما سياق كلام العالم؟

هل ثبت النقل؟

هل الحكم على الشخص نفسه أم على قول محدد؟

وهنا تتحول القضية إلى ثقافة تنفيذ.


ثامنًا: جامعو التجريحات

وهذه فئة يعرفها كل من عاش طويلًا في أجواء الخصومات السلفية.

هاتف ممتلئ بالمقاطع.

ملفات بأسماء الدعاة.

مئات التسجيلات للردود.

عشرات القضايا في:

فلان حُذّر منه.

فلان رُد عليه.

فلان بُدّع.

فلان تراجع.

فلان لا يُسمع له.

حتى يصبح بعض الأتباع يعرف عن أخطاء العلماء والدعاة أكثر مما يعرف عن مسائل العلم التي يحتاج إليها هو في حياته.

وهنا ينبغي أن يُطرح السؤال:

هل غاية طالب العلم أن يعرف من أخطأ؟ أم أن يعرف الحق؟

فالاشتغال الدائم بملفات الأشخاص قد يصنع إنسانًا شديد المعرفة بالخصومات، لكنه ضعيف المعرفة بالعلم نفسه.


تاسعًا: واجهة التدين الهادئة

وهناك فئة أخرى أكثر هدوءًا.

لا تبدأ معك بالتجريح.

ولا تملأ حديثها بالتحذيرات.

بل قد تجد عندها:

حسن خلق،
وانضباطًا،
وحرصًا على الصلاة،
ومعرفة ببعض مسائل الفقه،
وحديثًا عن التوحيد والسنة.

وهذا يجعلها قادرة على الاقتراب من المتدين الجديد بصورة أكثر سهولة.

فيبدأ الحديث عن الصلاة.

ثم الوضوء.

ثم اللحية.

ثم اللباس.

ثم التوحيد.

ثم:

من هم العلماء الذين ينبغي أن تسمع لهم؟

ثم:

من هم الذين ينبغي أن تحذر منهم؟

وبالتدريج ينتقل الشخص من مجرد التدين إلى الانتماء إلى منظومة معينة من المرجعيات والمواقف.

وهنا لا يدخل بعض الناس إلى التيار دفعة واحدة.

بل يدخلون إليه خطوة بعد خطوة.


عاشرًا: أتباع الخوف

وهؤلاء يتبعون المجموعة أحيانًا لا لأنهم درسوا كل أصولها، وإنما لأنهم يخافون من نتائج مخالفتها.

يخاف أن يقال عنه:

مميع.

حزبي.

منحرف.

صاحب بدعة.

لا يعرف السلفية.

فيصبح السؤال عنده:

"ما الحق؟"

أقل حضورًا من السؤال:

"ماذا سيقول الإخوة عني؟"

وهنا تتحول الجماعة من مجرد بيئة علمية إلى سلطة اجتماعية ونفسية على أتباعها.

وهذا أخطر من مجرد الخلاف العلمي.


أما الطبقة الأخيرة… فهي المتمدخل الجديد

وهؤلاء أكثر الناس ترديدًا لعبارات مثل:

"يا أخي أنا لست طالب علم."

"أنا لا أعرف شيئًا."

"اسأل العلماء."

"نحن عوام."

"لولا العلماء لما عرفنا السلفية."

والاعتراف بعدم العلم ليس عيبًا.

بل هو من علامات التواضع.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاعتراف إلى حصانة ضد المراجعة.

فهو لا يعرف الدليل…

لكنه يعرف أن فلانًا مبتدع.

ولا يعرف المصدر…

لكنه يعرف أن فلانًا لا يُسمع له.

ولا يستطيع مناقشة المسألة…

لكنه يستطيع الحكم على صاحبها.

فإذا قلت له:

ما دليلك؟

قال:

أنا لا أعلم.

وإذا قلت:

من قال لك؟

قال:

أحد الإخوة.

وإذا قلت:

أين المصدر؟

قال:

سمعته من المشايخ.

وهكذا تصبح مصادر المعرفة دائرة مغلقة:

شيخ ← أخ ← أخ ← عامي ← أخ

ثم تعود المعلومة مرة أخرى إلى الدائرة نفسها.


وهنا نصل إلى الفئة التي نكتب من أجلها

المتمدخل الذي لم يكتمل تمدخله

هذه الفئة مختلفة.

فقد تجد شخصًا:

يحب القرآن.

يحب السنة.

يحترم العلماء.

يكره الخصومات.

لا يحب التجريح.

لا يرتاح للهجر.

يكره التنفير.

ويرفض كثيرًا من صور التبديع والتصنيف.

وقد تجد عنده رغبة حقيقية في طلب العلم.

لكن مشكلته أنه لا يزال محاصرًا داخل دائرة ضيقة من التلقي.

وهؤلاء تحديدًا لا نريد أن نهاجمهم.

ولا نريد أن ننتصر عليهم في جدال.

بل نريد أن نقول لهم:

لا تجعلوا احترامكم للعلماء سببًا لإغلاق أبواب العلم.

اقرؤوا.

قارنوا.

اسألوا.

تثبتوا.

اعرفوا اختلاف العلماء.

اطلعوا على المذاهب.

اقرؤوا في الفقه وأصوله.

اقرؤوا الحديث وعلومه.

اقرؤوا التفسير.

اقرؤوا السيرة.

وتعلموا كيف يفكر العلماء عندما يختلفون.


حين يتحول التخصص إلى سجن

قد تجد طالبًا مجتهدًا يحفظ القرآن، ويحفظ المتون، ويعيد دراسة بعض الكتب مرات ومرات.

وهذا في أصله خير.

لكن العلم ليس أن تظل تدور حول كتاب واحد إلى ما لا نهاية.

ولا أن تجعل مرحلة المبتدئ إقامة دائمة.

فطالب العلم يحتاج إلى أن ينتقل من:

العقيدة إلى الفقه،

ومن الفقه إلى أصوله،

ومن الحديث إلى مصطلحه،

ومن النص إلى فهم أقوال العلماء،

ومن الحفظ إلى الفهم،

ومن التلقي إلى المقارنة،

ومن التقليد إلى الملكة العلمية.

أما أن يظل الإنسان يعيد المرحلة نفسها سنوات طويلة، لأن محيطه أقنعه أن هذه هي نهاية الطريق، فهنا يجب أن يتوقف ويسأل:

هل أنا أتقدم في العلم… أم أدور في المكان نفسه؟


الحزبية ليست اسمًا فقط

وهنا أصل المسألة.

الحزبية ليست بالضرورة بطاقة عضوية.

وليست شرطًا أن يكون لها مكتب رسمي.

وليست ضرورية أن تكتب لائحة داخلية وتعلن عن نفسها.

فقد توجد روح حزبية وآليات حزبية داخل جماعة لا تسمي نفسها حزبًا.

والعبرة ليست بالاسم.

العبرة بكيفية العمل.

إذا وجدت:

مرجعية محددة،

ودوائر متدرجة من التابعين،

وشبكة من العلاقات،

ومعايير للقبول والاستبعاد،

ومواقف تنتقل من الأعلى إلى الأسفل،

وأحكامًا على الأشخاص يجري تعميمها بين الأتباع،

ورقابة اجتماعية على من يخالف،

وخوفًا من الخروج عن موقف المجموعة،

فهنا يصبح من المشروع أن نسأل:

ما الفرق بين هذا وبين البنية التنظيمية التي ينتقدونها عند الآخرين؟

قد يختلف الاسم.

وقد تختلف الشعارات.

لكن الآليات هي التي تكشف حقيقة الممارسة.


الخلاصة: المشكلة ليست في كلمة «حزب»… بل في صناعة التبعية

لسنا أمام مشكلة اسمية.

وليست القضية أن نسأل:

هل توجد بطاقة عضوية؟

بل:

هل توجد تبعية؟

هل توجد مرجعية لا يكاد الأتباع يتجاوزونها؟

هل توجد شبكة تنقل المواقف من الأعلى إلى الأسفل؟

هل يوجد تصنيف للناس وفق قربهم وبعدهم؟

هل يوجد هجر وتحذير يجري تداوله بين الأتباع؟

هل يخشى الفرد أن يسأل حتى لا يُتهم بالمخالفة؟

هل يصبح موقف المجموعة أهم من قوة الدليل؟

إذا كان الجواب نعم في واقعٍ معين، فالمشكلة ليست في الاسم الذي اختارته الجماعة لنفسها.

المشكلة في الآلية التي تعمل بها.

وهنا تظهر المفارقة التي يستحق هذا الموضوع أن يُناقش من أجلها:

قد تنكر الحزبية في خطابك، بينما تمارس بعض آلياتها في واقعك.

وقد ترفع شعار:

"نحن لا نتبع الأشخاص."

ثم يصبح الخروج عن رأي أشخاص بعينهم سببًا في الهجر والتحذير.

وقد تقول:

"نحن مع الدليل."

ثم يصبح السؤال عن الدليل نفسه نوعًا من الجرأة على "العلماء".

وقد تقول:

"نحن لا نُقدس الأشخاص."

ثم يتحول موقف الشخص إلى معيار لقبول الحق أو رده.

وهنا ينبغي لطالب العلم أن يتحرر من سؤال:

من قال؟

إلى سؤال أعمق:

ماذا قال؟ وما دليله؟ وكيف فهمه العلماء؟

فالعلم أوسع من شيخ.

والسنة أوسع من جماعة.

والحق أوسع من دائرة مغلقة.

وأكبر خدمة يمكن أن تقدمها لشاب صادق محب للعلم، ليست أن تستبدل له شيخًا بشيخ… وإنما أن تساعده على امتلاك أدوات العلم التي تجعله قادرًا على النظر والفهم والتمييز.

فربما كان بين هؤلاء الأتباع شابٌ يملك عقلًا ناضجًا، وحافظة قوية، وهمّة عالية، وقدرة على البحث…

لكن طاقته لم تجد طريقها بعد.

فلا تحطموا هذه الطاقات بالتصنيف.

ولا تحاصروها بالخوف.

ولا تجعلوا "الإخوة" نهاية الطريق.

افتحوا لها أبواب العلم…

فربما خرج من بين هؤلاء التابعين يومًا طالب علم مستقل، يعرف قدر العلماء، ويحفظ مكانة السلف، لكنه لا يجعل أحدًا فوق النقد، ولا جماعة فوق الدليل، ولا تنظيمًا فوق الحق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق