الخميس، 1 أكتوبر 2026

هل انتقد العلماء أحاديث في الصحيحين؟

 

صحيح البخاري ليس معصومًا من النقد

كيف تعامل علماء أهل السنة مع أحاديثه؟

من أكثر المسائل التي يكثر حولها الجدل: هل يعني وصف صحيح البخاري بأنه أصح كتاب بعد كتاب الله أن كل رواية فيه لا يمكن أن تكون محل بحث أو نقد؟

والجواب يحتاج إلى شيء من التفصيل.

فـتعظيم صحيح البخاري ومكانته بين كتب السنة أمر، والقول بأن كل حديث فيه لا يمكن أن يناقشه أحد من أهل الاختصاص أمر آخر.

والغريب أن إثبات هذه الحقيقة ليس طعنًا في البخاري، ولا انتقاصًا من مكانة الصحيح، بل هو في ذاته جزء من منهج علماء الحديث في التعامل مع الروايات.


أولًا: ماذا يعني قول العلماء «أصح كتاب بعد كتاب الله»؟

اشتهر عند أهل العلم أن صحيح البخاري أصح كتب الحديث بعد القرآن، وأنه مقدَّم في الصحة على سائر كتب الحديث.

لكن هذه العبارة لا تعني أن الإمام البخاري معصوم من الخطأ.

فالإمام البخاري نفسه محدث ناقد من البشر، وضع كتابه وفق شروطه واجتهاده في معرفة الصحيح وتمييزه من غيره.

ومن هنا لا يصح أن نحول عبارة:

«أصح كتاب بعد كتاب الله»

إلى معنى آخر لم يقصده العلماء، وهو:

«كل رواية فيه قطعية الصحة، ولا يجوز لأحد من أهل الحديث أن يناقشها».

فهذان شيئان مختلفان.

بل إن علماء الحديث أنفسهم ناقشوا بعض الروايات التي أخرجها البخاري، وكتبوا في ذلك مباحث مطولة.


ثانيًا: هل وُجدت انتقادات لصحيح البخاري عند أئمة الحديث؟

نعم.

وهذه ليست مسألة مستحدثة، ولا فكرة اخترعها بعض المعاصرين للطعن في السنة.

فالحافظ ابن حجر العسقلاني عقد في مقدمة فتح الباري فصلًا خاصًا للأحاديث التي انتقدها الدارقطني وغيره من النقاد.

وذكر ابن حجر أن ما اجتمع له من الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري بلغ 110 أحاديث، منها:

  • 32 حديثًا وافق مسلم البخاري على إخراجها.

  • 78 حديثًا انفرد البخاري بتخريجها.

لكن هنا ينبغي الانتباه إلى أمر بالغ الأهمية:

«انتُقد الحديث» لا تساوي «ثبت خطأ البخاري».

فهذه الانتقادات نفسها خضعت للنقاش والجواب والترجيح.

وقد دافع ابن حجر عن البخاري في عدد كبير منها، ورأى أن جانبًا كبيرًا من هذه الاعتراضات لا يقدح في صحة ما أخرجه البخاري.

إذن الصورة العلمية ليست:

الدارقطني ضعّف → انتهى الأمر.

ولا:

البخاري صحح → انتهى الأمر.

بل هناك نقد، ومناقشة، وجواب، وترجيح، ودراسة للعلل.

وهذا هو علم الحديث.


ثالثًا: السيوطي نفسه ذكر وجود الانتقاد

قال الإمام السيوطي في ألفيته في الحديث:

«وانتقدوا عليهما يسيرًا
فكم ترى نحوهما نصيرًا»

ثم قال:

«وليس في الكتب أصح منهما
بعد القرآن ولهذا قُدِّما»

والمعنى واضح:

صحيحا البخاري ومسلم في أعلى درجات كتب الحديث، ومع ذلك فقد وُجدت عليهما انتقادات يسيرة من أهل هذا الشأن.

وهنا تظهر دقة المنهج:

ليس المطلوب إسقاط الصحيحين بسبب وجود انتقادات.

وليس المطلوب أيضًا إنكار وجود الانتقادات.

بل المطلوب دراسة كل اعتراض على حدة.


رابعًا: وماذا قال ابن الصلاح؟

الإمام ابن الصلاح من أشهر من قرر مكانة الصحيحين، وذكر أن ما انفرد به البخاري أو مسلم داخل في قبيل ما يُقطع بصحته بسبب تلقي الأمة لكتابيهما بالقبول، ثم استثنى من ذلك أحرفًا يسيرة تكلم عليها بعض الحفاظ، كالدارقطني وغيره.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فابن الصلاح لا يقول إن كل ما في الصحيحين خارج عن دائرة البحث والنظر بصورة مطلقة، وإنما يذكر الاستثناءات المعروفة عند أهل هذا الفن.

ولهذا فإن العبارة الأدق ليست:

«كل ما في البخاري صحيح بلا أي نقاش»

ولا:

«البخاري مليء بالأحاديث الضعيفة»

بل:

«صحيح البخاري تلقته الأمة بالقبول، وهو أصح كتب الحديث، ومع ذلك عُرفت فيه مواضع يسيرة ناقشها بعض أئمة النقد، وبحث العلماء تلك الانتقادات وردوا على كثير منها.»

وهذه هي الصورة التي تجمع بين تعظيم الكتاب واحترام علم النقد.


خامسًا: هل كان نقد المتن معروفًا عند المحدثين؟

هنا نصل إلى قضية أخرى مهمة.

علم الحديث لا يقوم على النظر في السند وحده.

فمن شروط الحديث الصحيح عند أهل الحديث أن يكون:

متصل السند،

ورواته عدولًا ضابطين،

خاليًا من الشذوذ،

وخاليًا من العلة القادحة.

ومن هنا كان المحدثون لا يكتفون بمجرد قول:

«رجال السند ثقات».

فقد يكون السند في ظاهره قويًا، ثم تظهر للمحدث علة خفية عند جمع الطرق ومقارنتها.

وقد يكون أحد الثقات قد خالف من هو أوثق منه، فيحكم النقاد على الرواية بالشذوذ.

ولهذا فإن النقد الحديثي أوسع من مجرد الحكم على الرواة.


سادسًا: عائشة رضي الله عنها والنقد بالنظر في الرواية

ومن أشهر الأمثلة التي يُستدل بها في هذا الباب ما وقع من عائشة رضي الله عنها في مناقشة بعض الروايات التي بلغتها.

فقد أنكرت بعض الأحاديث أو صححت فهمها بناءً على ما تعرفه من هدي النبي ﷺ وملابسات الرواية.

وهذا لا يعني أن الصحابي كان يرد السنة لمجرد أنها لا توافق رأيه الشخصي.

بل يعني أن فهم الرواية وجمع النصوص ومعرفة سياقها كان حاضرًا في منهج الصحابة.

ولهذا كان المحدثون بعدهم يجمعون الطرق، ويقارنون الروايات، وينظرون في ألفاظها، ويعرضون بعضها على بعض.


سابعًا: هل مجرد صحة السند تكفي دائمًا؟

لا.

وهذه قاعدة أساسية في علم الحديث.

فقد يكون الراوي ثقة، لكن يروي حديثًا على خلاف ما رواه الحفاظ الأوثق منه.

وقد يكون الحديث محفوظًا من طريق، غير محفوظ من طريق آخر.

وقد يكون الخطأ من راوٍ ثقة في حديث معين.

ولهذا نشأ علم العلل، وهو من أدق علوم الحديث وأصعبها.

والمتخصص في العلل لا يسأل فقط:

من روى الحديث؟

بل يسأل أيضًا:

كيف رواه؟

ومن خالفه؟

وهل أخطأ في هذا الموضع؟

وهل الحديث محفوظ بهذا اللفظ؟

وهل الوصل صحيح أم أن الصواب الإرسال؟

وهكذا.


ثامنًا: هل انتقد العلماء أحاديث في الصحيحين؟

نعم، وقد صرح بذلك كبار العلماء.

ونقل ابن حجر أن جماعة من الحفاظ استدركوا على البخاري ومسلم بعض الأحاديث، ومنهم:

الدارقطني، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو علي الغساني وغيرهم.

لكن ابن حجر لم يتعامل مع هذه الاعتراضات باعتبارها كلها صحيحة.

بل درسها، وبيّن أن بعضها يمكن الجواب عنه، وأن بعضها أقوى من بعض.

وهذا يوضح لنا طبيعة المسألة:

النقد موجود، لكن الحكم النهائي يحتاج إلى دراسة.


تاسعًا: وماذا عن ابن تيمية؟

من المهم أيضًا أن نعرف أن مجرد وجود الانتقاد لا يعني أن العلماء كانوا يرون البخاري مخطئًا في تلك المواضع.

فقد نقل ابن تيمية أن جمهور ما أُنكر على البخاري مما صححه يكون القول فيه راجحًا للبخاري على من نازعه، بينما رأى أن بعض ما نوزع فيه مسلم كان الصواب فيه مع من نازعه.

وهذا نموذج ممتاز للمنهج العلمي:

وجود النقد شيء، وثبوت صحة النقد شيء آخر.

فلا يصح أن نقول:

«انتقد الدارقطني البخاري، إذن ثبت خطأ البخاري».

كما لا يصح أن نقول:

«أخرج البخاري الحديث، إذن لا يجوز بحثه أبدًا».

بل الصحيح:

ننظر في اعتراض الناقد، وننظر في جواب المدافع، ثم ندرس الأدلة.


عاشرًا: وهل نقد حديث في البخاري يعني الطعن في السنة؟

قطعًا لا يلزم من ذلك.

فالسنة النبوية أوسع من كتاب واحد.

وصحيح البخاري كتاب عظيم من كتب السنة، لكنه ليس هو السنة كلها.

والإمام البخاري نفسه لم يدّع العصمة.

كما أن نقد العلماء لبعض الروايات لا يعني أنهم يشكون في السنة النبوية، وإنما يعني أنهم يمارسون علم نقد الرواية الذي نشأ أساسًا لحماية السنة من الخطأ والوهم والوضع.

ومن هنا فالقول:

«من ناقش حديثًا في البخاري فقد طعن في السنة»

قول يحتاج إلى تفصيل.

فإن كان المقصود شخصًا غير متخصص يرد الحديث بمجرد الاستحسان أو الهوى، فهذا شيء.

أما إذا كان المقصود ناقدًا من أهل الحديث يناقش سندًا أو متنًا أو علة خفية، فهذا جزء من علم الحديث نفسه.


الحادي عشر: لكن الحذر واجب!

وهنا نقطة لا ينبغي أن تضيع وسط الكلام السابق.

فتح باب النقد لا يعني أن كل إنسان يستطيع أن يحكم على أحاديث البخاري من خلال شعوره الشخصي.

فقد يبدو الحديث غريبًا للقارئ، لكنه يكون صحيحًا من جهة أخرى.

وقد يظن الإنسان أن الحديث يخالف العقل، ثم يتبين أن المشكلة في فهمه للحديث.

وقد يبدو له أن الحديث يعارض القرآن، ثم يظهر أن التعارض غير موجود أصلًا.

لذلك فإن:

الاستغراب ليس علة حديثية.

و:

عدم فهم الحديث ليس دليلًا على بطلانه.

والباحث المنصف لا يبدأ بالسؤال:

«كيف أُسقط الحديث؟»

بل يبدأ بالسؤال:

«هل فهمت الحديث أصلًا؟ وهل درست طرقه؟ وهل عرفت كلام أئمة النقد فيه؟»


الثاني عشر: ماذا عن الأحاديث التي تبدو مستشكلة؟

مثل بعض الأحاديث المتعلقة بخلق آدم، أو الذبابة، أو سجود الشمس، أو سحر النبي ﷺ، وغيرها من الروايات التي يثير حولها بعض المعاصرين إشكالات.

هنا ينبغي التفريق بين ثلاث مسائل:

① صحة الحديث من جهة الصناعة الحديثية.

② صحة فهمنا لدلالة الحديث.

③ مدى توافق الفهم الذي وصلنا إليه مع سائر النصوص والحقائق الثابتة.

فقد يكون الحديث صحيحًا، لكن فهم القارئ له غير صحيح.

وقد يكون للحديث أكثر من احتمال في الدلالة.

وقد تكون المشكلة في نقل معنى الحديث من سياقه إلى معنى لم يقصده النبي ﷺ أصلًا.

ولهذا لا ينبغي أن يكون التعامل مع الروايات بمنهج:

«أشكل عليّ → إذن الحديث باطل».

بل:

«أشكل عليّ → إذن أحتاج إلى مزيد من البحث».


الثالث عشر: وماذا عن خبر الآحاد؟

هذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى دقة.

فمسألة إفادة خبر الواحد للعلم أو الظن من مسائل الخلاف المعروفة بين العلماء، ولا يصح اختصارها بعبارة واحدة وكأن جميع أهل العلم على قول واحد.

ثم إن الحديث قد يكون من حيث أصل الطريق خبر آحاد، لكن قد تحيط به قرائن وطرق وتلقٍّ بالقبول تجعله عند بعض العلماء في منزلة أعلى من مجرد الظن المجرد.

وابن الصلاح مثلًا قرر أن ما انفرد به البخاري أو مسلم قد يُقطع بصحته بسبب تلقي الأمة لهما بالقبول، مع استثناء الأحاديث اليسيرة التي وقع فيها كلام معتبر من النقاد.

إذن لا ينبغي أن نقول ببساطة:

«كل حديث آحاد ظني، ولذلك يمكن رده متى ما أشكل علينا».

فهذه صياغة أوسع من اللازم.


الرابع عشر: ما المنهج الصحيح إذن؟

إذا أشكل على الإنسان حديث في صحيح البخاري، فليس أمامه طريق واحد، وإنما خطوات علمية:

أولًا: يتأكد من نص الحديث كاملًا.

ثانيًا: يجمع طرق الحديث ورواياته المختلفة.

ثالثًا: ينظر في كلام أئمة الحديث على إسناده.

رابعًا: يبحث عن العلل والشذوذ.

خامسًا: ينظر في اختلاف ألفاظ الروايات.

سادسًا: يتأكد من دلالة الحديث وسياقه.

سابعًا: يجمعه مع النصوص الأخرى في الباب.

ثامنًا: يراجع كلام شراح الحديث والنقاد المتقدمين.

ثم بعد ذلك يمكن أن يصل الباحث إلى نتيجة.

أما أن يأخذ شخص حديثًا واحدًا، ويقرأه مجردًا من سياقه، ثم يقول:

«هذا لا يعجبني، إذن هو موضوع»

فهذا ليس نقدًا حديثيًا.


الخلاصة

صحيح البخاري كتاب عظيم، وهو أصح كتب الحديث عند جمهور أهل السنة، ومكانته العلمية لا ينازع فيها من يعرف علم الحديث.

لكن عظمة الكتاب لا تعني عصمة المؤلف.

وتلقي الأمة للكتاب بالقبول لا يعني إلغاء كل بحث نقدي في كل جزئية؛ فقد عرف علماء الحديث منذ وقت مبكر مواضع قليلة وقع فيها البحث والنقد، وناقشوا تلك المواضع حديثًا حديثًا.

وفي المقابل، فإن وجود الانتقادات لا يعني أن كل انتقاد صحيح، ولا أن الأحاديث المنتقدة أصبحت ضعيفة لمجرد أن أحد الحفاظ ناقشها.

بل إن كثيرًا من تلك الانتقادات أُجيب عنها، ورجّح العلماء صحة ما أخرجه البخاري فيها.

ولهذا فالمنهج المتوازن هو:

لا نقدس كتابًا من كتب البشر، ولا نهدم كتابًا عظيمًا بسبب شبهة عابرة.

ولا نرد الحديث لمجرد أنه استشكل علينا، ولا نقبله لمجرد أننا لم نعرف وجه الإشكال.

بل نرجع إلى علم الحديث، والعلل، وجمع الطرق، وفهم النصوص، وكلام أئمة هذا الشأن.

فالبخاري إمام جليل…

وصحيحه كتاب عظيم…

والنقد الحديثي علم أصيل…

ولا تعارض بين تعظيم البخاري واحترام علم النقد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق