#
### اتقِ الله في الطريق، فليس ملكًا لك وحدك!
في شوارعنا وطرقنا ، تنتشر ظاهرة تستحق الوقوف عندها والتوعية بخطورتها: **إنشاء المطبات الصناعية العشوائية أمام المنازل أو المحال، من دون موافقات رسمية أو مراعاة للمواصفات المرورية، وكأن الطريق ملكٌ خاصٌّ لمن يسكن بجواره!**
تبدأ الحكاية أحيانًا عندما يقود شاب متهور مركبته بسرعة كبيرة أمام أحد المنازل، فيخاف صاحب البيت على أطفاله وأسرته، ويغضب من هذا التصرف الخطير. وهذا الخوف مفهوم، ورفض السرعة المتهورة واجب لحماية الأرواح.
لكن المشكلة تبدأ حين يقرر صاحب المنزل أن يعالج الخطأ بخطأ آخر، فيصنع مطبًّا عشوائيًّا أمام بيته، من دون الرجوع إلى الجهات المختصة، ومن دون مراعاة ارتفاعه أو شكله أو وضوحه أو حاجة الطريق إليه.
وهنا نسأل:
**هل يجوز أن نعالج تهوّر سائق واحد بإيذاء آلاف السائقين؟**
وهل يصبح الطريق ملكًا خاصًّا لنا لمجرد أن بيوتنا تقع على جانبيه؟
وهل الغضب من تصرف خاطئ يمنحنا الحق في إحداث ضرر عام؟
##
أولًا: الطريق حقٌّ عام، وليس ملكًا خاصًّا
الطرق والشوارع مرافق عامة ينتفع بها الجميع، ولا يجوز لأحد أن يتصرف فيها وفق هواه، أو أن يضع فيها ما يعرض الناس للخطر أو يلحق بهم الضرر.
وإنشاء المطبات الصناعية ليس مجرد عمل بسيط يحق لكل شخص القيام به متى شاء؛ بل ينبغي أن يخضع لحاجة الطريق والمواصفات الفنية وموافقة الجهات المختصة وفق الأنظمة المعمول بها.
فقد يكون المطبّ المصنوع عشوائيًّا مرتفعًا أكثر من اللازم، أو غير واضح للسائق، أو موضوعًا في مكان غير مناسب، فيؤدي إلى إتلاف المركبات، وإرباك حركة السير، وتعريض الركاب للخطر، وربما التسبب في حوادث لا تُحمد عقباها.
**الطريق ليس ملكًا لمن يسكن أمامه، ولا يحق لأحد أن يفرض على الناس أذاه الشخصي على حساب سلامتهم.**
##
ثانيًا: ديننا يأمرنا بإماطة الأذى، لا بصناعته!
لقد جعل الإسلام احترام الطريق وحماية الناس من الأذى من شعب الإيمان، فقال النبي ﷺ:
> «الإيمان بضع وسبعون شعبة… وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».
رواه مسلم.
وتأملوا هذا المعنى العظيم: أن يكون رفع الأذى عن طريق الناس شعبةً من شعب الإيمان!
فإذا كان المسلم يؤجر على إزالة حجر أو زجاج مكسور أو شيء مؤذٍ من الطريق، فكيف يليق به أن يصنع بنفسه عائقًا عشوائيًّا، فيؤذي به المارة ويشق عليهم، ثم يظن أنه لم يفعل شيئًا يستحق المراجعة والمحاسبة؟
ويقول النبي ﷺ:
> «اتقوا اللعانين». قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم».
رواه مسلم.
وإذا كان الشرع قد نهى عن إيذاء الناس في طرقاتهم، فإن القاعدة الأخلاقية واضحة: لا تجعل منفعتك الشخصية أو غضبك من شخص واحد سببًا في إلحاق الضرر بالناس جميعًا.
ولا يعني ذلك أن كل مطبٍّ محرم أو ممنوع؛ فالمطبّ المنظّم الذي تنشئه الجهة المختصة وفق الحاجة والمواصفات يختلف عن العائق العشوائي الذي يضعه الأفراد من تلقاء أنفسهم.
##
ثالثًا: انتبه! قد يتحول المطبّ إلى باب من أبواب الإثم
حين يصنع الإنسان عائقًا غير آمن في الطريق، وهو يعلم أنه قد يضر الناس، فإنه يعرّض نفسه للمساءلة الشرعية والأخلاقية، وقد تترتب عليه تبعات قانونية بحسب الأنظمة والضرر الناتج.
فربما تضررت مركبة، أو أصيب راكب، أو فقد سائق السيطرة على مركبته، أو تأخرت سيارة إسعاف عن الوصول إلى مريض.
ولا نجزم بأن كل من صنع مطبًّا عشوائيًّا يتحمل تلقائيًّا كل حادث يقع بسببه؛ فالمسؤولية تتوقف على الملابسات، والضرر، والسببية، وما تقرره الجهات المختصة. لكن الواجب أن يدرك الإنسان أن العائق الذي يضعه في طريق عام ليس أمرًا هينًا، وأن الضرر الذي يتسبب فيه قد تتجاوز آثاره ما كان يتوقعه.
**قد تنتهي المشكلة التي أغضبتك في دقائق، لكن المطبّ الذي صنعته قد يبقى سنوات، ويستمر أذاه بعد زوال غضبك.**
فلا تفتح على نفسك بابًا من الأذى والمساءلة بسبب تصرف كان يمكن علاجه بشكوى رسمية أو بطلب حلّ مروري مناسب.
##
رابعًا: لا ندافع عن السائق المتهور، بل نرفض الخطأين معًا
من المهم أن نفهم أن الدعوة إلى إزالة المطبات العشوائية لا تعني التساهل مع السرعة الجنونية، أو القيادة الطائشة، أو تعريض الأطفال والمارة للخطر.
السائق الذي يقود بسرعة مفرطة داخل الأحياء السكنية يرتكب تصرفًا خطيرًا، ويجب الإبلاغ عنه ومحاسبته وفق القانون.
لكن لا يجوز أن يتحول صاحب المنزل إلى جهة عقابية مستقلة، فيعاقب سائقًا واحدًا بإنشاء عائق يؤذي كل من يمر بعده.
**المتهور يُحاسَب على تهوّره، والمعتدي على الطريق يُحاسَب على اعتدائه؛ فلا نعالج مخالفةً بمخالفة أخرى!**
والحل الصحيح هو إبلاغ المرور والجهات البلدية المختصة، والمطالبة بوضع مطبّ نظامي أو وسائل تهدئة مرورية مناسبة عند الحاجة، خصوصًا أمام المدارس والمناطق السكنية والأماكن التي يكثر فيها عبور الأطفال.
##
خامسًا: رسالة إلى كل من صنع مطبًّا عشوائيًّا
أخي الكريم، إن كنت قد صنعت مطبًّا أمام منزلك بدافع الخوف على أسرتك، فنحن نتفهم خوفك، ونقدّر حرصك على سلامة أطفالك.
لكن اسأل نفسك: هل حميت أسرتك بطريقة لا تؤذي الآخرين؟ وهل تحققت من أن هذا المطبّ آمن ومسموح به؟ وهل فكرت في المريض الذي يجلس في سيارة، أو الكبير الذي يعاني ألمًا في ظهره، أو السائق الذي لا ينتبه إلى عائق غير واضح، أو سيارة الإسعاف التي قد تمر في وقت حرج؟
لا تجعل حرصك على أهلك سببًا في إلحاق الضرر بأهالي الآخرين.
راجع الجهة المختصة، واطلب معالجة المشكلة بطريقة رسمية وآمنة، وإذا كان المطبّ الذي أنشأته مخالفًا أو غير آمن، فبادر إلى معالجة وضعه بالتنسيق مع الجهات المعنية.
فالمروءة ليست أن تنتصر لنفسك بأي طريقة، بل أن تحمي حقك من دون الاعتداء على حقوق الآخرين.
##
ختامًا: ازرع السلامة، ولا تصنع الأذى
يا أهلنا الاعزاء ، شوارعنا ملكٌ عام، وسلامة الناس مسؤولية مشتركة، وديننا لا يعلّمنا أن نردّ الأذى بأذى مثله، بل يدعونا إلى العدل والإحسان وكفّ الضرر.
لا نريد شوارع بلا مطبات عند الحاجة إليها، بل نريد مطبات نظامية آمنة، تنشئها الجهات المختصة حيث تقتضي المصلحة، ونريد كذلك سائقين يحترمون حياة الناس، ومواطنين يحترمون الطريق وحقوق مستخدميه.
**ارفع الأذى عن الطريق، ولا تكن أنت من يصنعه.**
**لا تعالج تهوّر شخص واحد بأذى آلاف الناس.**
**الطريق حقٌّ للجميع، وسلامة الناس أمانة، وإيذاؤهم ليس حلًّا.**

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق