«من هي الفرقة الناجية؟»وما مدى ثبوت الحديث؟
قبل أن نسأل «من هي الفرقة الناجية؟»… علينا أن نسأل: ما مدى ثبوت الحديث؟
من المهم قبل بناء تصنيف عقدي واسع على حديث «افتراق الأمة» أن نتوقف عند الحديث نفسه: ثبوتًا، وأسانيدَ، وألفاظًا، ودلالةً.
فليس صحيحًا أن حديث الافتراق ورد في صحيحي البخاري ومسلم؛ وإنما وردت رواياته في عدد من كتب السنن والمسانيد وغيرها، ومنها سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه.
وقد اختلف أهل الحديث في الحكم على طرقه وألفاظه؛ فبينما صحح أو حسن الحديث بعض العلماء، رأى آخرون أن في أسانيده مقالًا، أو أن مجموع طرقه لا ينهض عندهم إلى درجة الصحة.
ومن هنا ينبغي أن يكون الخطاب العلمي دقيقًا:
الحديث ليس من الأحاديث المتفق على صحتها في الصحيحين، كما أن الحكم على جميع طرقه وألفاظه ليس محل اتفاق بين المحدثين.
وهذا لا يعني بالضرورة إسقاط الحديث كله، ولكنه يعني أن التعامل معه ينبغي أن يكون بمنهج المحدثين، لا بمنهج الشعارات والتصنيفات الجاهزة.
🔎 والأهم: ماذا عن زيادة «كلها في النار إلا واحدة»؟
هذه الزيادة تحديدًا هي من أكثر المواضع التي وقع فيها النقاش.
فقد وردت في بعض طرق حديث الافتراق عبارة:
«كلها في النار إلا واحدة»
وقد صححها بعض العلماء أو قوّاها بمجموع طرقها وشواهدها، بينما ضعفها علماء آخرون، ومنهم ابن حزم والشوكاني ومحمد بن إبراهيم الوزير، مع اختلافهم في تفاصيل الحكم على طرق الحديث.
ولذلك فمن الخطأ المنهجي أن نتعامل مع هذه الزيادة وكأنها نصٌّ قطعي الثبوت لا خلاف فيه، ثم نبني عليها أحكامًا ضخمة تتعلق بمصائر طوائف بأكملها.
بل ينبغي التفريق بين:
أصل خبر الافتراق،
وبين:
زيادة «كلها في النار إلا واحدة»،
وبين:
تحديد المقصود بالفرقة الناجية.
فهذه مسائل مترابطة، لكنها ليست شيئًا واحدًا.
📖 ثانيًا: وماذا عن القرآن الكريم؟
هناك أيضًا إشكال يتعلق بفهم معنى الحديث عند مقارنته بسائر نصوص القرآن الكريم.
فالله تعالى يقول:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
[آل عمران: 110]
ويقول سبحانه:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾
[البقرة: 143]
ومن هنا أثار بعض العلماء والباحثين إشكالًا في كيفية فهم الرواية التي تجعل اثنتين وسبعين فرقة في النار، بحيث لا يُفهم منها أن أكثر أمة النبي ﷺ هالكة في مجموعها، أو أن كل اختلاف عقدي يؤدي إلى الخروج من الإسلام.
لكن الإنصاف يقتضي هنا أمرًا مهمًا:
لا يصح أن نقول إن العلماء اتفقوا على أن الحديث يعارض القرآن.
فمن صحح الحديث جمع بينه وبين الآيات بوجوه مختلفة؛ ومن ذلك أن الوعيد بالنار لا يعني بالضرورة الخلود فيها، ولا يلزم منه تكفير كل من دخل تحت هذا الوصف.
وهنا تظهر أهمية فهم الحديث في ضوء مجموع النصوص، لا بمعزل عنها.
⚠️ ثالثًا: «في النار» لا تساوي بالضرورة «كافر»
وهذه نقطة يغفل عنها كثير من الخطاب المعاصر.
فحتى على القول بصحة زيادة:
«كلها في النار إلا واحدة»
فليس من اللازم أن يكون معنى ذلك أن الفرق الأخرى كافرة خارجة من الإسلام.
فالوعيد بالنار في نصوص الشرع قد يكون وعيدًا على البدعة أو المعصية، ولا يلزم منه الخلود في النار.
ولهذا فهناك فرق كبير بين أن تقول:
«هذه الفرقة وقعت في بدعة أو خطأ»
وبين أن تقول:
«هذه الفرقة من أهل النار بمعنى الخلود والكفر».
والخلط بين الأمرين هو الذي جعل بعض الخطابات المعاصرة تتوسع في التبديع والتفسيق والتكفير بصورة لا يحتملها النص.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق