# **معمر القذافي في ميزان العلماء… لماذا أصدرت هيئة كبار العلماء فتوى بتكفيره؟**
### **قراءة في أقواله ومواقفه الدينية، ووثيقة هيئة كبار العلماء سنة 1402هـ**
ليس المقصود من هذا المقال إعادة فتح صفحات التاريخ لمجرد الإدانة أو التشهير، وإنما محاولة قراءة مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ ليبيا والعالم العربي، من خلال **الأقوال والمواقف المنسوبة إلى معمر القذافي، ثم الوقوف عند موقف هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية منه، كما ورد في وثيقتها الصادرة سنة 1402هـ.**
فقد كان القذافي شخصية سياسية مثيرة للجدل، ولم يقتصر خلافه مع خصومه على السياسة، بل امتد إلى مسائل تتعلق بالقرآن والسنة والشريعة والحج والنبوة وبعض الثوابت الدينية.
وهنا يبرز السؤال:
**ما الذي جعل هيئة كبار العلماء تصف القذافي بالكفر والضلال؟ وما أبرز الأمور التي استندت إليها في موقفها؟**
---
## **أولًا: الخلاف لم يكن سياسيًا فقط**
من أخطر ما يلفت النظر في المادة التي نُقلت عن القذافي، ما يتعلق بموقفه من **النص القرآني نفسه**.
فقد نُسب إليه الاعتراض على وجود كلمة **«قُل»** في عدد من آيات القرآن، باعتبار أنها خطاب موجَّه إلى النبي ﷺ، وأنها لا تلزم المسلمين بعده.
ومن أمثلة ذلك ما يتعلق بسور:
**الإخلاص، والفلق، والناس.**
غير أن القرآن الذي بين أيدي المسلمين يقول:
> **﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾**
ويقول:
> **﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾**
ويقول:
> **﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾**
ومن هنا جاءت خطورة هذه الدعوى في نظر العلماء؛ لأنها لا تتعلق باجتهاد فقهي أو خلاف في تفسير آية، وإنما تتعلق **بثبوت النص القرآني نفسه**.
وقد استُدل في المادة الأصلية بقول منسوب إلى عبد الله بن المبارك في خطورة إنكار حرف من القرآن.
---
# **ثانيًا: موقفه من الأنبياء والرسول ﷺ**
ومن القضايا التي أوردها النص الأصلي ما نُسب إلى القذافي من عبارات تتضمن **انتقاصًا لبعض الأنبياء**، ومنها كلامه عن نبي الله يعقوب عليه السلام.
كما أورد النص عبارات نُسبت إليه في حق النبي محمد ﷺ، من بينها وصفه له بما يفيد أنه مجرد **«ساعي بريد»**.
ومثل هذه العبارات – إن ثبتت بنصها وسياقها – لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد اختلاف سياسي؛ لأنها تمس مقام النبوة ومكانة الرسول ﷺ.
وقد شدد علماء المسلمين عبر التاريخ على أن الإيمان بالأنبياء وتعظيمهم واحترام مقامهم من أصول الإيمان.
قال تعالى:
> **﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾**
وقال سبحانه:
> **﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾**
ومن هنا كان العلماء شديدي التحذير من كل قول يتضمن الاستهزاء بالرسل أو الانتقاص منهم.
---
# **ثالثًا: إنكار السنة النبوية**
ومن أبرز ما نُسب إلى القذافي – بحسب المادة التي بين أيدينا – **إنكار حجية السنة النبوية**، بل واعتبار التمسك بها طريقًا إلى الشرك وعبادة الأصنام.
وهذه مسألة تختلف جذريًا عن نقد حديث معين أو مناقشة سند رواية بعينها.
فالعلماء يفرقون بين:
**نقد الحديث وتمييز صحيحه من ضعيفه**
وبين:
**رفض السنة النبوية من حيث أصل حجيتها.**
والقرآن نفسه جعل طاعة الرسول ﷺ جزءًا من طاعة الله:
> **﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾**
وقال سبحانه:
> **﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾**
ولهذا اعتبر العلماء أن إنكار السنة جملةً قضية بالغة الخطورة؛ لأن السنة ليست كتابًا منفصلًا عن القرآن في بناء الشريعة، وإنما هي بيان للكتاب وتفصيل لأحكامه.
---
# **رابعًا: هل كان يرى أن رسالة محمد ﷺ خاصة بالعرب؟**
ومن القضايا التي أوردها النص كذلك نسبة القول إلى القذافي بأن دعوة النبي ﷺ **ليست عامة للناس، وإنما هي للعرب**.
وهذا القول يصطدم بنصوص قرآنية وأحاديث صريحة في عالمية الرسالة.
قال تعالى:
> **﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾**
وقال سبحانه:
> **﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾**
وفي الحديث الصحيح:
> **«وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس عامة»**.
فالإسلام في التصور القرآني ليس رسالة قومية مرتبطة بالعرب، وإنما رسالة عالمية.
---
# **خامسًا: دعوى النبوة وخاتمية محمد ﷺ**
ومن أخطر ما أورده النص الأصلي ما يتعلق بما نُسب إلى القذافي من **ادعاء النبوة أو ما يقاربه من الدعاوى**، مع الحديث عن لجانه الثورية باعتبارها شيئًا شبيهًا بنبي العصر.
وهنا تظهر مسألة مركزية في العقيدة الإسلامية:
> **﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾**
وقال النبي ﷺ:
> **«لا نبي بعدي»**.
فخاتمية النبوة من المعتقدات المقررة في الإسلام، ولذلك شدد العلماء على خطورة كل دعوى تناقضها.
---
# **سادسًا: «الكتاب الأخضر» ومشكلة التشريع**
لم يقتصر الأمر – بحسب النص الأصلي – على نقد القرآن والسنة، بل نُسب إلى القذافي تقديم **«الكتاب الأخضر»** بوصفه مرجعًا للتشريع والحكم، مع الاستغناء عن الكتاب والسنة في بعض المجالات.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
**هل يجوز لبشر أن يجعل لنفسه تشريعًا دينيًا يناقض ما أنزله الله؟**
قال تعالى:
> **﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾**
وقد بالغ علماء أهل السنة في التحذير من استبدال أحكام الشريعة أو إنكارها أو جعل غيرها بديلًا عنها.
لكن من المهم هنا التفريق بين **الحكم على الفعل أو القول** وبين **الحكم على شخص بعينه**؛ فالحكم على المعيّن له ضوابطه وشروطه وموانعه، وهو ما ينبغي أن يراعى عند تناول مثل هذه القضايا.
---
# **سابعًا: موقفه من الحج والشعائر الإسلامية**
ومن الأمور التي أوردتها المادة الأصلية مواقف منسوبة إلى القذافي تتعلق بالحج والكعبة، ومن بينها القول بأن **المسلمين وغير المسلمين جميعًا من حقهم الحج إلى بيت الله والطواف به**.
كما وردت عنه عبارات شديدة تجاه الكعبة وبعض الشعائر الإسلامية.
ومثل هذه الأقوال – إذا ثبتت بنصها وسياقها – كانت من الأسباب التي أثارت اعتراض العلماء عليه؛ لأنها تتصل بشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام.
قال تعالى:
> **﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾**
والحج من أظهر شعائر الإسلام وأعظم فرائضه.
---
# **ثامنًا: موقفه من الصحابة والخلفاء الراشدين**
كما أورد النص الأصلي مواقف منسوبة إلى القذافي تجاه الخلفاء الراشدين والصحابة رضي الله عنهم.
والقرآن أثنى على أصحاب النبي ﷺ فقال:
> **﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾**
وقال سبحانه:
> **﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾**
ومن هنا كان الطعن في جمهور الصحابة أو اتهامهم بما يناقض ما أثنى الله عليهم به مسألة شديدة الخطورة في التراث العقدي الإسلامي.
---
# **تاسعًا: كيف نظرت هيئة كبار العلماء إلى هذه المواقف؟**
هنا نصل إلى أهم وثيقة في المقال.
فبحسب النص المرفق، عقدت **هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية** دورتها التاسعة عشرة سنة **1402هـ**، وناقشت ما نُشر عن القذافي ومواقفه من الإسلام والعقيدة والشريعة.
وجاء في البيان وصف شديد اللهجة لأقواله ومواقفه، ثم خلص المجلس إلى أن إنكاره للسنة، واستهانته ببعض التعاليم الإسلامية، ومواقفه من الحج وغيرها، تجعله – بحسب ما قرره المجلس – **«كافرًا وضالًا مضلًا»**.
وهذه النقطة مهمة للغاية:
**فالحديث هنا ليس عن رأي فردي من عالم واحد، وإنما عن وثيقة صادرة عن مجلس هيئة كبار العلماء في ذلك الوقت.**
وتضمّن النص أسماء عدد من كبار العلماء الذين وقّعوا البيان، ومنهم:
**الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ عبد الله بن قعود، والشيخ صالح اللحيدان، وغيرهم.**
وبذلك يصبح موقف الهيئة من القذافي جزءًا موثقًا من تاريخ الفتاوى والمواقف الدينية في تلك المرحلة.
---
# **عاشرًا: لكن ماذا عن الظلم والاستبداد؟**
وهنا تبدأ قضية أخرى لا ينبغي خلطها بالقضية العقدية.
فكون العلماء أصدروا حكمًا شديدًا على القذافي بسبب أقوال ومواقف دينية منسوبة إليه، لا يعني أن **كل موقف سياسي من نظامه كان محل اتفاق بين العلماء**.
وهذا يظهر بوضوح في المرحلة الأخيرة من النص.
فمع اندلاع الثورة الليبية، ظهرت مواقف فقهية مختلفة من **المظاهرات ومقاومة نظام القذافي**.
فبينما حاول النظام – بحسب المادة الأصلية – الاستناد إلى فتاوى تحرم الخروج والتظاهر، وتدعو إلى الصبر على الحاكم، ذهب علماء آخرون إلى تأييد احتجاج الشعب الليبي على النظام، بل صدرت فتاوى أكثر تشددًا في مقاومة القذافي.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل:
**إذا كان القذافي قد وصف في وثيقة هيئة كبار العلماء بأنه كافر وضال مضل، فكيف تعاملت بعض الخطابات الفقهية مع مسألة الخروج عليه سياسيًا؟**
وهذا يفتح بابًا أوسع للنقاش حول الفرق بين:
**الحكم العقدي على الأقوال والأفعال**
وبين:
**الحكم الفقهي والسياسي على مقاومة الحاكم الظالم.**
وهما مسألتان لا ينبغي دمجهما في مسألة واحدة.
---
# **الخلاصة**
إن قراءة موقف العلماء من معمر القذافي تحتاج إلى قدر من الدقة والإنصاف.
فالمادة التاريخية التي بين أيدينا تتضمن **أقوالًا ومواقف خطيرة نُسبت إليه**، تتعلق بالقرآن والسنة والنبوة والحج والشريعة وغيرها.
كما تتضمن **وثيقة واضحة لهيئة كبار العلماء سنة 1402هـ** انتهت إلى الحكم عليه بالكفر والضلال بناءً على ما نسب إليه من تلك المواقف.
لكن دراسة هذه المرحلة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد خطاب انفعالي؛ فالأهم هو **التحقق من النصوص المنقولة، ومعرفة سياقاتها، والتمييز بين ما ثبت تاريخيًا وما يحتاج إلى توثيق، ثم فهم الأسباب التي دفعت العلماء إلى إصدار ذلك الحكم في زمانه.**
كما أن نهاية القصة تكشف جانبًا آخر أكثر تعقيدًا:
**فموقف العلماء من عقيدة القذافي شيء، وموقفهم من الثورة عليه ومقاومة استبداده شيء آخر.**
وهذا الفرق مهم؛ لأن التاريخ لا يُقرأ بالشعارات، وإنما **بالوثائق، والنصوص، والسياقات، وتحرير محل النزاع.**
وفي النهاية، تبقى العبرة الأهم:
> **أن نقد الحاكم لا ينبغي أن يكون مجرد خصومة سياسية، كما أن الدفاع عن الدين لا ينبغي أن يكون انتقائيًا بحسب الموقف السياسي من الحاكم.**
فالميزان الصحيح هو **النص، والعلم، والعدل، والتحقق من الوقائع، وعدم الخلط بين القضايا العقدية والقضايا السياسية والفقهية.**
المصدر :

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق