هل كان الصحابة مشغولين عن الاحتفال بالمولد؟ أم أن اختلاف الواقع يفسر ذلك؟
من أكثر الاعتراضات تكرارًا على الاحتفال بذكرى مولد النبي ﷺ قول بعضهم:
"لو كان الاحتفال خيرًا لفعله الصحابة."
وقد ناقشنا في المقال السابق أن مجرد الترك لا يكفي وحده للحكم على المنع.
لكن يبقى سؤال آخر:
هل كانت ظروف الصحابة أصلًا تستدعي مثل هذا الاجتماع؟
عاشوا مع النبي ﷺ
الصحابة لم يكونوا يقرأون السيرة...
بل كانوا يصنعونها.
لم يكونوا يسمعون عن غزوة بدر...
بل كانوا أهل بدر.
ولم يكونوا يدرسون أخلاق النبي ﷺ في الكتب...
بل كانوا يرونها في كل يوم.
كان رسول الله ﷺ يعيش بينهم:
- إمامًا.
- وقاضيًا.
- ومعلّمًا.
- وقائدًا.
- وأبًا.
- ومربيًا.
فأي مناسبة سنوية يحتاجها قوم يعيشون مع النبي صباحًا ومساءً؟
إن محبتهم لم تكن مرتبطة بيوم في السنة، وإنما كانت حياةً كاملة.
ثم جاءت مرحلة البناء
بعد وفاة النبي ﷺ لم يتفرغ الصحابة لإقامة المواسم والاجتماعات.
بل وجدوا أنفسهم أمام مسؤوليات ضخمة.
كان عليهم:
- جمع القرآن.
- تثبيت الدولة.
- مواجهة المرتدين.
- نشر الإسلام.
- تعليم الداخلين الجدد في الدين.
- إقامة القضاء والإدارة.
- حفظ السنة.
فكانت الأولويات مختلفة تمامًا.
ولذلك فإن الاستدلال بعدم وقوع أمر معين، دون النظر إلى طبيعة المرحلة التاريخية، قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة.
اختلاف الزمان يغيّر الوسائل
كل عصر يفرض تحدياته.
ففي القرن الأول الهجري كان المسلم يتعلم الدين من الصحابي مباشرة.
أما اليوم، فقد يعيش المسلم سنوات طويلة دون أن يقرأ كتابًا واحدًا في السيرة.
بل قد يعرف أسماء مشاهير الرياضة والفن أكثر مما يعرف أسماء أمهات المؤمنين أو كبار الصحابة.
وهنا تظهر الحاجة إلى وسائل دعوية وتعليمية تناسب واقع الناس.
ولهذا انتشرت:
- الدورات العلمية.
- المؤتمرات الإسلامية.
- أسابيع السيرة.
- المعارض الإسلامية.
- البرامج الوثائقية.
- المنصات الرقمية.
وكلها وسائل لم تكن معروفة في صدر الإسلام.
الوسائل تتغير... والمقاصد ثابتة
لقد بقي مقصد الشريعة ثابتًا:
تعظيم النبي ﷺ.
ومحبته.
وتعليم سنته.
والصلاة والسلام عليه.
أما الوسائل التي تحقق هذه المقاصد، فقد اختلفت باختلاف العصور.
ولهذا قرر علماء الأصول أن الوسائل لها أحكام المقاصد، وأن الأصل فيها النظر إلى ما تحققه من مصالح وما قد تشتمل عليه من مفاسد.
ومن هنا جاء اجتهاد العلماء في تقييم الوسائل الجديدة، لا في تغيير أصول الدين.
هل يكفي اختلاف العصر وحده؟
الجواب: لا.
فليس كل ما يناسب العصر يكون مشروعًا.
كما أن اختلاف الزمن لا يجعل كل جديد مقبولًا.
بل يبقى الميزان هو:
- موافقة النصوص.
- وعدم معارضة أصول الشريعة.
- وتحقيق المصلحة المعتبرة.
- وخلو العمل من المحرمات.
فإذا تحققت هذه الضوابط، كان النظر في الوسائل بابًا من أبواب الاجتهاد.
كلمة أخيرة
إن الفرق بين عصر الصحابة وعصرنا ليس في الدين.
فالدين كامل لا يزيد ولا ينقص.
ولكن الفرق في الواقع الذي يُنزل عليه هذا الدين.
وقد أدرك الصحابة أنفسهم هذا المعنى، ولذلك اجتهدوا في قضايا كثيرة عندما تغيرت الظروف، مع محافظتهم الكاملة على ثوابت الشريعة.
فالعبرة ليست بتكرار صور الماضي، وإنما بالسير على منهج الصحابة في فهم النصوص، وتحقيق مقاصدها في كل زمان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق