الجمعة، 25 سبتمبر 2026

كلام الأقران ليس حُجّة مطلقة!

 

كلام الأقران ليس حُجّة مطلقة!

كيف حذّر أئمة أهل السنة من الطعن المتبادل بين العلماء؟

تمهيد

من أخطر الآفات التي قد تصيب أهل العلم وطلبته: الحسد والمنافسة والتعصب بين الأقران.

فقد يجتمع العلماء وطلبة العلم على ميدان واحد، ويتنافسون في المكانة العلمية، والقبول عند الناس، وكثرة الأتباع، والثناء، والرياسة؛ فإذا دخلت الأهواء في هذا التنافس تحوّل الاختلاف العلمي أحيانًا إلى طعن وتجريح وتبديع، وربما حمل بعض الناس كلام بعضهم في بعض على أنه حكم علمي نهائي لا يقبل النقاش.

ولهذا اعتنى أئمة أهل السنة بهذه المسألة، ونبّهوا إلى أن كلام الأقران يحتاج إلى تثبت وتأمل، ولا سيما إذا ظهرت المنافسة أو التعصب أو العداوة.


أولًا: تحاسد العلماء داء قديم

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:

«تأملت التحاسد بين العلماء، فرأيت منشأه من حب الدنيا، فإن علماء الآخرة يتوادون ولا يتحاسدون».

ثم ذكر رحمه الله أن علماء الآخرة لا يجعلون الرياسة وكثرة الأتباع والثناء غايتهم، بل كان بعضهم يحب الخمول، ويتدافعون الفتوى، ويدعو بعضهم لبعض، ويستفيد بعضهم من بعض.

ثم قال:

«الأمر الفارق بين الفئتين: أن علماء الدنيا ينظرون إلى الرياسة فيها، ويحبون كثرة الجمع والثناء، وعلماء الآخرة بمعزل من إيثار ذلك».

ويقول أيضًا في وصف بعض صور الخلطة بين العلماء:

«فلا تكاد ترى من تذاكره أمر الآخرة، إنما شغلهم الغيبة، وقصد الغلبة، واجتلاب الدنيا، ثم فيهم من الحسد للنظراء ما لا يوصف».

وهذه الكلمات تضع أيدينا على أصل مهم:

ليس كل خلاف بين العلماء خلافًا علميًا مجردًا؛ فقد تتدخل النفس، والمنافسة، وحب الظهور، والغيرة من المكانة العلمية.


ثانيًا: ماذا قال السلف في تحاسد الأقران؟

نُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما:

«خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة».

وقال مالك بن دينار رحمه الله:

«يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض؛ فإنهم أشد تحاسدًا من التيوس».

وقال عبد العزيز بن أبي حازم رحمه الله:

«العلماء كانوا فيما مضى من الزمان إذا لقي العالم من هو فوقه في العلم كان ذلك يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله ذاكره، وإذا لقي من هو دونه لم يزهُ عليه، حتى كان هذا الزمان، فصار الرجل يعيب من هو فوقه ابتغاء أن ينقطع منه حتى يرى الناس أنه ليس به حاجة إليه، ولا يذاكر من هو مثله، ويزهى على من هو دونه، فهلك الناس».

والمعنى هنا بالغ الأهمية:

العالم الصادق يرى في العالم الآخر فرصة للاستفادة، لا خطرًا على مكانته.


ثالثًا: ابن عبد البر يضع قاعدة عظيمة

قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله في بيان هذه المسألة إن من صحت عدالته، وثبتت أمانته في العلم، وعُرفت عنايته به، لا يُلتفت إلى قول الطاعن فيه إلا إذا جاء ببينة معتبرة.

ثم نبّه إلى أن السلف أنفسهم وقع بينهم كلام في بعضهم بعضًا، وكان من أسبابه الغضب والحسد والتأويل والاجتهاد، ولذلك لا يصح أن يتحول كل ما نُقل من كلام العلماء بعضهم في بعض إلى حكم لازم.

وخلاصة كلامه:

أن العالم المعروف بالعدالة والإمامة لا يُسقط بمجرد قول طاعن، وإنما لا بد من برهان وحجة.


رابعًا: الذهبي يحذر من كلام الأقران

وهنا نصل إلى مجموعة من العبارات شديدة الوضوح للإمام الذهبي رحمه الله.

قال:

«كلام الأقران بعضهم في بعض لا يؤبه به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد».

وقال أيضًا:

«كلام الأقران إذا تبرهن أنه بهوى وعصبية لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى».

وقال في موضع آخر:

«كلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل ويتأنى فيه».

وقال رحمه الله:

«وقد علم أن كثيرًا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به».

وقال كذلك:

«قلت: هذا من كلام الأقران الذي لا يسمع».

وقال:

«وبكل حال كلام الأقران بعضهم في بعض يحتمل، وطيه أولى من بثه».

وقال أيضًا:

«فلا يعتد غالبًا بكلام الأقران، لا سيما إذا كان بينهما منافسة».

وقال:

«وقد عرف وهن كلام الأقران المتنافسين بعضهم في بعض».

هذه النقول المتعددة ترسم لنا قاعدة واضحة:

ليس كل جرح يصدر من عالم في نظيره جرحًا مقبولًا بمجرد صدوره.

بل لا بد من النظر في:

  • سبب الجرح.

  • حال المتكلم.

  • حال المتكلم فيه.

  • وجود المنافسة أو العداوة.

  • وجود التعصب المذهبي.

  • وجود الدليل والبرهان.

  • وهل وافق هذا الجرح كلام جماعة من أهل العلم أم انفرد به صاحبه؟


خامسًا: ابن حجر يفرق بين الجرح المعتبر وغيره

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

«إن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضًا إذا كان غير مفسر».

وقال أيضًا:

«واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد، فينبغي التنبه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحق».

وهذا يبين أن مجرد اختلاف الاتجاه أو المذهب لا يكفي وحده لإسقاط العالم، وإنما لا بد من التثبت والنظر في حقيقة ما قيل.


سادسًا: لا تُسقط إمامة عالم بسبب دعوى مجردة

قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله:

«لو كان كل من ادُّعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادُّعي به، وسقطت عدالته، وبطلت شهادته بذلك، للزم ترك أكثر محدثي الأمصار».

وهذه قاعدة مهمة في التعامل مع الدعاوى:

ليس كل ما يُنسب إلى عالم يثبت بمجرد النسبة.

فالقول المنقول يحتاج إلى تحقق، والحكم يحتاج إلى بينة، وإسقاط العدالة والإمامة ليس أمرًا هينًا.


سابعًا: السبكي يحذر من فتح باب التجريح بلا ضوابط

قال تاج الدين السبكي رحمه الله:

«والحذر الحذر من هذا الحسبان، بل إن الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة».

ثم قال:

«ولو فتحنا هذا الباب، وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه، لما سلم لنا أحد من الأئمة».

وهذه العبارة جديرة بالتأمل:

لو جعلنا كل جرحٍ سببًا لإسقاط العالم، لما سلم لنا كثير من أئمة الأمة.

فليس المطلوب أن نغلق باب النقد العلمي، وإنما المطلوب أن نضع النقد في موضعه، ونفرّق بين النقد القائم على البرهان وبين الكلام الذي تحركه المنافسة أو التعصب أو الخصومة.


ثامنًا: التاريخ العلمي مليء بكلام العلماء بعضهم في بعض

من الخطأ أن يتصور طالب العلم أن العلماء جميعًا كانوا متفقين في كل شيء، أو أن أحدًا منهم لم يتكلم في أحد.

لقد وقع بين عدد من كبار الأئمة كلام ومناقشات وانتقادات، ومع ذلك لم يذهب ذلك بإمامتهم ولا بمكانتهم العلمية.

فقد تكلم ابن أبي ذئب في الإمام مالك.

وتكلم سعيد بن المسيب في عكرمة.

وتكلم الثوري في أبي حنيفة.

وتكلم الإمام مالك في محمد بن إسحاق.

ومع ذلك بقي هؤلاء أئمة في العلم، ولم يتعامل العلماء مع كل هذه الأقوال باعتبارها أحكامًا نهائية تسقط مكانة من قيلت فيه.

ولهذا نقل عن الإمام البخاري رحمه الله:

«ولم يلتفت أهل العلم إلى ذلك، ولا سقطت عدالة أحد إلا ببرهان ثابت وحجة».


تاسعًا: الذهبي يضرب أمثلة عملية

قال الذهبي رحمه الله في أبي الزناد:

«لا يسمع قول ربيعة فيه، فإنه كان بينهما عداوة ظاهرة».

وقال في قيس بن أبي حازم، بعدما نقل كلام بعض من تكلم فيه:

«أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه، نسأل الله العافية وترك الهوى».

وقال في ابن صاعد، بعد ذكر الخصومة التي وقعت بينه وبين ابن أبي داود:

«ونحن لا نقبل كلام الأقران بعضهم في بعض وهما بحمد الله ثقتان».

بل إنه اشتد إنكاره على العقيلي عندما ذكر الإمام علي بن المديني في كتاب الضعفاء، وبيّن علو مكانة علي بن المديني ومنزلته في الحفظ والإمامة.

وهذه الأمثلة تؤكد أن النقاد أنفسهم لم يكونوا يتعاملون مع كل كلام صادر من ناقد في نظيره على أنه حقيقة مطلقة لا تقبل النظر.


عاشرًا: أدب العلماء مع خلافات العلماء

قال تاج الدين السبكي رحمه الله:

«ينبغي لك – أيها المسترشد – أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح».

ثم قال:

«فإن قدرت على التأويل وتحسين الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحًا عما جرى بينهم، فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك، ودع عنك ما لا يعنيك».

وقال أيضًا:

«فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل، وربما لم نفهم بعضها».

وهذا من أجمل ما ينبغي أن يتعلمه طالب العلم:

ليس كل ما وقع بين العلماء مطلوبًا من الطالب أن يخوض فيه.

فقد يكون الاشتغال بالعلم النافع، والعبادة، وإصلاح النفس، وتعليم الناس، أولى من تحويل الخلافات التاريخية إلى معارك معاصرة.


الحادي عشر: هل يسلم أحد من ألسنة الناس؟

الجواب: لا.

فمن برز في العلم، أو تصدر للتعليم، أو خالف الناس في مسألة، أو اشتهر بين المسلمين، فلن يسلم غالبًا من النقد والطعن.

قال الذهبي رحمه الله:

«وقل من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا عودي، نعوذ بالله من الهوى».

وقال أيضًا:

«فمن ذا الذي يسلم من ألسنة الناس؟! لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله لم يضره ما قيل فيه، وإنما الكلام في العلماء يفتقر إلى وزن بالعدل والورع».

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:

«ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه».

إذن:

رضا الناس غاية لا تدرك، والسلامة من ألسنتهم أمر لا يكاد يتحقق.


الثاني عشر: لا تجعل كلام الطاعنين شغلك الشاغل

من أخطر ما يقع فيه طالب العلم أن يتحول من طالب للعلم إلى جامع للطعون.

كل يوم يبحث: من تكلم في فلان؟

ومن رد على فلان؟

ومن بدّع فلانًا؟

ومن حذر من فلان؟

ومن أسقط فلانًا؟

ثم تصبح هذه المعارك هي محور اهتمامه، بينما يتراجع العلم والعبادة والعمل والإصلاح إلى الخلف.

ولهذا قيل:

اشتغل بما يعنيك، ودع عنك ما لا يعنيك.

والعاقل لا يجعل كل كلمة جارحة مشروعًا للرد، ولا كل انتقاد معركة يجب أن يخوضها.


الثالث عشر: النقد الآثم لا يرفع صاحبه ولا يسقط غيره

قد يكون النقد الصادر عن حسد أو منافسة سببًا في انتشار ذكر من نُقد أكثر مما كان.

وكما قيل:

وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ
طويت أتاح لها لسان حسودِ

ولهذا فإن الإنسان لا ينبغي أن يجعل حياته العلمية قائمة على مطاردة كلام الآخرين عنه.

بل يعمل، ويتعلم، وينفع الناس، ويترك الحكم لله ولأهل العلم المنصفين.


تنبيه مهم: ليس كل نقد من كلام الأقران

وهنا لا بد من التنبيه إلى أمر مهم حتى لا تُفهم القاعدة على غير وجهها.

ليس المقصود أن كل طعن في عالم مردود، ولا أن كل كلام من عالم في عالم آخر سببه الحسد.

فقد يكون العالم صاحب بدعة ظاهرة، أو قول باطل ثابت، أو منهج منحرف ثبت بالأدلة، فيكون التحذير منه من باب النقد العلمي والتحذير من الخطأ، وليس من باب تحاسد الأقران.

وقد أُشير إلى ذلك في المادة الأصلية بوضوح، مع ذكر مثال كلام الإمام أحمد رحمه الله في الحسن بن علي الكرابيسي، وفي أبي الوليد هشام بن عمار، وأن العبرة في مثل ذلك بحقيقة المسألة وثبوتها، لا بمجرد كون المتكلم من أقران المتكلم فيه.

إذن القاعدة ليست:

«لا تقبل أي نقد لعالم».

وإنما القاعدة:

«لا تقبل كلام الأقران بعضهم في بعض بلا تثبت، ولا تجعل مجرد الجرح حجةً قاطعة دون النظر في سببه ودليله وقرائنه».


الخلاصة

من مجموع كلام هؤلاء الأئمة تتضح لنا جملة من القواعد المهمة:

① كلام الأقران يحتاج إلى التثبت والتأمل.

② المنافسة والعداوة والتعصب قد تؤثر في أحكام بعض الناس على بعض.

③ لا يجوز إسقاط إمام معروف بالعلم والعدالة بمجرد كلام طاعن لا تقوم على قوله حجة.

④ ليس كل جرح معتبرًا، ولا كل مادح صادقًا، والعبرة بالدليل والعدل والإنصاف.

⑤ التاريخ العلمي نفسه يشهد بوقوع خلافات بين كبار الأئمة دون أن يؤدي ذلك إلى إسقاط إمامتهم.

⑥ من الواجب التفريق بين النقد العلمي المبرهن وبين الطعن الناشئ عن الهوى والمنافسة.

⑦ لا يصح تحويل الخلافات بين العلماء إلى وسيلة لتصفية الحسابات في عصرنا.

⑧ طالب العلم مطالب بالأدب والعدل، لا بجمع العثرات والطعن في العلماء.

وفي النهاية، تبقى كلمة ابن عبد البر رحمه الله من أجمع ما يقال في هذا الباب:

«فهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن شاء الله».

فإذا ثبتت عدالة العالم وإمامته، فلا يُسقطه كلام قائل بلا برهان.

وإذا وُجد نقد صحيح موثق، قُبل بالعدل والإنصاف دون ظلم أو غلو.

وهذا هو الطريق الذي يجمع بين حفظ مكانة العلماء، وقبول النقد العلمي، ورفض التعصب، والتحرز من الهوى.

فالعلم أمانة، والجرح أمانة، والكلام في العلماء أمانة... والعدل هو الميزان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق