الجمعة، 25 سبتمبر 2026

الدفاع عن الدين أولى من الدفاع عن النفس لا تجعلوا الردود تسرق أعماركم

 الدفاع عن الدين أولى من الدفاع عن النفس

لا تجعلوا الردود تسرق أعماركم

تصلني رسائل كثيرة حول موضوع يتكرر بين حين وآخر، خلاصتها:
نحن نعرف عنك عزوفك عن الدفاع عن نفسك، وابتعادك عن الدخول في معارك الردود، لكن أليس من الصواب أحيانًا أن تبيّن موقفك؟ فقد يلتبس الأمر على بعض الناس، وقد يفهمون عنك ما ليس فيك، وربما كان الرد سببًا في إطفاء فتنة أو إزالة شبهة.

والجواب:

نعم، من حق الإنسان أن يدافع عن نفسه، لكن الدفاع عن النفس ليس واجبًا في كل حال، ولا يلزم أن يتحول كل طعن إلى معركة، وكل اتهام إلى جواب، وكل كلمة إلى سلسلة طويلة من الردود.

بل إن الانشغال الدائم بالدفاع عن النفس قد يستنزف الذهن، ويصرف الجهد عن قضايا أكبر وأنفع، وقد لا يطفئ الفتنة كما يتوهم البعض، بل ربما زادها اشتعالًا؛ لأن كل رد يفتح مادة جديدة للتعليق، وكل جواب يصبح موضوعًا لجواب آخر، حتى تتحول القضية من خطأ عابر إلى خصومة مفتوحة بين طرفين.

والأولى أحيانًا أن يبقى المشهد على حقيقته:

طرف يهاجم، وطرف يعرض عنه، ويشتغل بما هو أنفع.

وفي النهاية، لا يصح إلا الصحيح.


هناك ما هو أكبر من خصومات الأشخاص

يوجد في العالم مليارات البشر ممن يحتاجون إلى أن يعرفوا ربهم حق المعرفة، ويوجد بين المسلمين من يحتاج إلى العلم والتربية والإصلاح، وتنتشر في مجتمعاتهم صور من الجهل والبدع والمعاصي والتقصير، وتعيش أمتنا قضايا كبرى تحتاج إلى عقول وجهود وطاقات.

فلماذا نحصر همّنا في شخص قال فينا كلمة، أو كاتب طعن فينا، أو مخالف ألصق بنا تهمة؟

لماذا لا نوجه جزءًا أكبر من طاقتنا إلى التعليم، والدعوة، والتربية، والإصلاح، وخدمة الناس، وبناء الوعي، ورعاية المواهب، ومعالجة المشكلات الحقيقية؟

إن الأمة تحتاج إلى من يبني أكثر مما تحتاج إلى من يرد.

وتحتاج إلى من يعلّم أكثر مما تحتاج إلى من يخاصم.

وتحتاج إلى من يجمع القلوب على الخير أكثر مما تحتاج إلى من يستنزفها في معارك الأشخاص.


حتى خصمك يمكن أن يعلمك شيئًا

من أعظم ما يمكن أن نستفيده من النقد أن يجعلنا نراجع أنفسنا.

قال النبي ﷺ:

«كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون»
رواه الترمذي وابن ماجه.

فإذا كان الناقد محبًا ناصحًا، قلنا:

رحم الله امرأً أهدى إلينا عيوبنا.

وإذا كان شانئًا مبغضًا، فلا مانع أن نستفيد من ملاحظته إن كانت صحيحة.

وقد قيل:

عداتي لهم فضلٌ عليَّ ومنّةٌ
فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا

همُ بحثوا عن زلتي فاجتنبتها
وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا

فليس كل نقد مؤامرة، وليس كل ملاحظة ظلمًا، وليس كل مخالف جاهلًا بالضرورة.

والعاقل لا يسأل فقط:

مَن قال؟

بل يسأل قبل ذلك:

ماذا قال؟ وهل ما قاله صحيح؟


لا تجعل النقد عدوًا لك

بعض الناس إذا نُبّه إلى خطأ أصرّ عليه عنادًا واستكبارًا، وبعضهم يتراجع عن الصواب خوفًا من الناس، وكلا المسلكين خلل.

فليس من الحكمة أن يتمسك الإنسان بالخطأ لأنه قيل عنه، كما ليس من الأمانة أن يترك الصواب لأنه قد يسبب له مشكلات.

والإنسان الذي اعتاد المديح وحده قد يصبح النقد ثقيلًا عليه، حتى لو جاء من محب ناصح، وحتى لو كان النقد صحيحًا.

ولهذا يحتاج الإنسان إلى أن يتدرب على سماع الملاحظة، وأن يفرق بين صحة الكلام وقسوة قائله.

فقد يأتي الحق ممن لا نحبه، وقد يأتي الخطأ ممن نحبه.

والحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف بالدليل.


اشتغلوا بدينكم، لا بخصوماتكم

ولهذا أقول لإخواننا الشباب، في بلاد العرب وفي بلاد المهجر وفي كل مكان:

لا تجعلوا حياتكم ساحةً دائمة للردود.

دافعوا عن دينكم، وبيّنوا الحق، وانصحوا بالتي هي أحسن، لكن لا تجعلوا الأشخاص محور دعوتكم، ولا تجعلوا خصوماتكم مع فلان وفلان هي القضية الكبرى في حياتكم.

حتى لو رأيتم الناس يصدقون كلامًا لا توافقونه، أو يشاركون منشورات تسيء إلى شخص أو داعية أو طالب علم، فليس كل شيء يحتاج إلى معركة.

هناك أوقات يكون فيها الكف والإعراض أبلغ من الرد.

وهناك معارك، مهما طال الانتصار فيها، لا تضيف إلى الإنسان علمًا، ولا إلى الأمة بناءً.


ما الذي ينبغي أن نفعله بدلًا من ذلك؟

الأولى أن نشتغل بالعمل الجاد المثمر:

تعلمًا، وتعليمًا، ودعوةً، وتربيةً، وإصلاحًا، وتعاونًا بين العاملين، وخدمةً للمجتمع، وتنميةً للمواهب والطاقات، ورعايةً للإبداع، ومشاركةً في ميادين الخير.

اشتغلوا بالإعلام النافع.

واشتغلوا بالعلم.

واشتغلوا بالتربية.

واشتغلوا بالإصلاح الاجتماعي.

واشتغلوا ببناء الإنسان.

فهذا كله أبقى أثرًا وأعظم نفعًا من عشرات المعارك التي تبدأ بمنشور وتنتهي بعشرات الردود.


ليست كل معركة تستحق أن نخوضها

إن كثيرًا من الأغلوطات والخصومات الصغيرة لا تنمي عقلًا، ولا تبني ثقافة، ولا تؤسس علمًا، ولا تشيد بناءً، ولا تحفظ ودًا، ولا تصلح فاسدًا.

ولو شغل الإنسان حياته كلها بسب فرعون وهامان وقارون وأبي جهل وأبي لهب، وهو يلعنهم ويفضحهم ويعدد جرائمهم، لكنه في المقابل يترك الطاعات والواجبات وينشغل عن ذكر الله بذكر الأشخاص، لكان قد أخطأ في ترتيب أولوياته.

وقد قال النبي ﷺ:

«لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء»
رواه الترمذي وأحمد.

وفي الحديث الآخر:

«فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا»
رواه البخاري.

فليس المقصود أن ننسى الحق أو نتوقف عن بيان الباطل، وإنما المقصود ألا تتحول حياة المسلم إلى موسوعة في تتبع الأشخاص والطعن فيهم.


لا تختصر الإنسان في زلته

إن النفس التي تتفرغ للبحث عن عثرات الناس، وجمعها، وتصنيفها، ومحاصرتهم بها، نفس تحتاج إلى مراجعة.

ومن ظلم الإنسان لنفسه أن يختصر الآخرين في زلات محدودة.

فالإنسان أوسع من خطئه، وأعمق من عثرته، وفي كثير من النفوس جوانب من الخير لو استُخرجت ووُجّهت ووُظفت، لكان وراءها خير كثير.

ولهذا كان من هدي المصلحين أنهم لا يكتفون بكشف الخطأ، وإنما يبحثون عن الخير الكامن في الإنسان، ثم يعملون على تنميته وتوجيهه.

وهذا يكون بالثناء المعتدل الصادق، وحفظ مكانة الناس، وعدم ازدرائهم، والتواضع لهم.

قال النبي ﷺ:

«الكِبْر بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس»
رواه مسلم.

و«غمط الناس» هو ازدراؤهم واحتقارهم.


اقبل الحق ولو جاء من غير مظنته

ومن علامات النضج أن تفرح بالحق، لا بمن قاله.

قال النبي ﷺ في قصة أبي هريرة رضي الله عنه:

«صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان»
رواه البخاري.

فقد يكون الإنسان مخالفًا لك في أشياء كثيرة، ثم يقول في مسألة واحدة كلامًا صحيحًا، فلا يمنعك الخلاف معه من قبول الحق.

وقد يخطئ من تتوقع منه الصواب، وقد يصيب من لا تتوقع منه الإصابة.

فلا تجعل محبتك لشخص حجابًا عن خطئه، ولا تجعل بغضك لشخص حجابًا عن صوابه.


افرح بنجاح الآخرين

ومن علامات سلامة الصدر أن تفرح بالنجاح الذي يحققه الآخرون.

الميدان واسع.

والفرص كثيرة.

ونجاح غيرك لا يعني بالضرورة فشلك.

وليس كل إنجاز يحققه الآخرون على حسابك.

بل إن من أعظم أسباب ضعف العمل الإسلامي أن تتحول المنافسة في الخير إلى غيرة، وأن يصبح نجاح الأخ مصدر قلق بدل أن يكون مصدر فرح.

والأمة تحتاج إلى جهود الجميع.

فإذا نجح عالم، أو داعية، أو معلّم، أو باحث، أو مؤسسة في تحقيق خير للناس، فليكن أول ما يخطر في أذهاننا:

الحمد لله، لقد تحقق خير.


أصلح طريقة التفكير قبل أن تطارد كل خطأ

أشعر أن الشباب المسلم بحاجة إلى تصحيح طرائق النظر والتفكير أكثر من حاجته إلى ملاحقة مفردات المسائل واحدةً واحدة.

فإذا كان المصنع مبنيًا بطريقة معوجة، وكانت القوالب غير منضبطة، فمن الطبيعي أن يخرج الإنتاج معوجًا.

وعندها لن يكون الحل في ملاحقة كل قطعة خرجت من المصنع لإصلاحها منفردة، وإنما في:

إصلاح المصنع، وتصحيح القوالب، وتقويم طريقة الإنتاج.

وهكذا الإنسان.

إذا صلحت طريقة نظره إلى الناس، وإلى الخلاف، وإلى النقد، وإلى الخطأ، وإلى نفسه، فسوف تتغير طريقة تعامله مع كثير من القضايا تلقائيًا.

أما إذا بقيت القوالب مختلة، فسوف نظل نطارد النتائج واحدةً بعد أخرى.


وهل يعني ذلك إلغاء الذب عن عرض المسلم؟

كلا.

وهيهات أن يكون هذا هو المقصود.

المسألة ليست إلغاء حق المسلم في الدفاع عن أخيه، ولا تحريم الرد على الباطل، ولا ترك البيان عند الحاجة.

وإنما الحديث عن صراعات مستمرة، واحتدام نزاع، وضياع أوقات، وتبادل اتهامات، ولغط لا ينتهي، وشماتة الأعداء بنا ونحن نتنازع فيما بيننا.

فإذا كان الانسحاب من هذا الميدان سيقود إلى عمل أنفع، وعلم أعمق، ودعوة أصلح، وتربية أفضل، وإصلاح أكبر، فذلك هو الاختيار الذي أراه أجدى.

وقد يذب المسلم عن عرض أخيه عند الحاجة، ثم يمضي، ولا يجعل المعركة مشروع حياته.


الخلاصة

ليس المطلوب أن نصمت عن كل باطل.

وليس المطلوب أن نقبل كل اتهام.

وليس المطلوب أن نترك النصيحة والبيان.

لكن المطلوب أن نحسن ترتيب الأولويات.

فليس كل ما يقال فينا يستحق جوابًا، وليس كل طعن يحتاج إلى معركة، وليس كل مخالف يحتاج إلى حملة، وليس كل خطأ عند الآخرين يستحق أن نجعل منه قضية عمر.

دافعوا عن الدين، لا تجعلوا الدفاع عن النفس دينكم.

ابنوا، ولا تكتفوا بالرد.

علّموا، ولا تجعلوا الخصومات مصدر ثقافتكم.

أصلحوا، ولا تجعلوا تتبع العثرات رسالتكم.

فالأمة تحتاج إلى من يبنيها، أكثر بكثير من حاجتها إلى من يثبت أنه كان على حق في خصومة عابرة.

وقد اقتصرت هنا على ما أظنه لبّ المسألة، وتركت كثيرًا من التفاصيل؛ ولعلها تكون مساهمة صغيرة في تصحيح طريقة النظر، وإصلاح القوالب التي نفكر من خلالها، وتوجيه الطاقات إلى ما هو أنفع وأبقى.

والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق