رِفْقًا أَهْلَ السُّنَّةِ بِأَهْلِ السُّنَّةِ
الانتساب إلى السنة ليس أسماءً وشعارات، بل علمٌ ورحمةٌ وأخلاق
أهل السنة والجماعة هم الذين يتمسكون بما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم، ويجعلون الكتاب والسنة أصلًا للهداية والاتباع.
وقد قال النبي ﷺ:
«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ».
وحذّر من مخالفة السنة ومحدثات الأمور فقال ﷺ:
«وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
وقال ﷺ:
«من رغب عن سنتي فليس مني».
ومن هنا كانت السنة منهجًا جامعًا للعقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة، وليست مجرد عنوانٍ يُرفع، أو اسمٍ يُنتسب إليه، أو وسيلةٍ للحكم على الآخرين.
السُّنَّةُ ليست لقبًا يُضاف إلى الاسم
ظهرت عبر التاريخ فرق ونِحل كثيرة، وانتسب أصحابها إلى أصول أو أشخاص أو مذاهب معينة، أما أهل السنة فانتسابهم الأصلي إلى السنة نفسها.
وقد نُقل عن الإمام مالك رحمه الله أنه قال:
«لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».
وقال عبد الرحمن بن مهدي: سئل مالك بن أنس عن السنة، فقال:
«هي ما لا اسم له غير السنة».
ونقل ابن القيم رحمه الله:
«أهل السنة ليس لهم اسم يُنسبون إليه سواها».
وروى ابن عبد البر أن مالكًا سُئل: من أهل السنة؟ فقال:
«أهل السنة الذين ليس لهم لقب يُعرفون به؛ لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي».
والمقصود أن السنة ليست حزبًا مغلقًا، ولا اسمًا شخصيًا، ولا رايةً يتعصب لها أصحابها؛ وإنما هي اتباعٌ لما جاء به رسول الله ﷺ، مع لزوم العدل والرحمة والإنصاف.
ولهذا فليس من الدقة أن تتحول الأسماء إلى معيارٍ مستقل للحكم على الناس، ولا أن يصبح الانتساب إلى اسمٍ معين غايةً في ذاته.
حين يصبح الخلاف بين أهل السنة أشد من الخلاف مع غيرهم
من المؤسف أن يقع بين بعض المنتسبين إلى السنة في زماننا من التنازع والتجريح والتحذير والهجر ما يستهلك طاقةً كبيرة، ويجعل بعضهم منشغلًا ببعض، بينما المقصود من السنة هو جمع القلوب على الحق، والتعاون على البر والتقوى.
والاختلاف في بعض المسائل لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة دائمة، ولا إلى إسقاطٍ للأشخاص، ولا إلى تتبعٍ للعثرات، ولا إلى حملٍ لكل كلمة على أسوأ المحامل.
وقد أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان.
فإذا كان الانتساب إلى السنة صحيحًا، فإن من آثار ذلك أن يكون صاحبه أعدل في الحكم، وأحفظ للسان، وأبعد عن الظلم، وأرحم بإخوانه.
نعمة اللسان… ومسؤولية الكلمة
من أعظم نعم الله على الإنسان نعمة النطق والبيان.
قال تعالى:
﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.
وقال سبحانه:
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾.
فاللسان نعمة عظيمة، لكنه قد يكون سببًا في رفعة صاحبه، وقد يكون سببًا في هلاكه.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
وقال سبحانه:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
وقال النبي ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
وهذه قاعدة عظيمة ينبغي أن يستحضرها كل من يكتب أو يتحدث، خصوصًا في زمن أصبحت فيه الكلمة تنتشر في لحظات، وقد يقرأها آلاف الناس، ويبقى أثرها بعد وفاة صاحبها.
الكلمة المكتوبة مسؤولية أيضًا
لم تعد الكلمة محصورة في الكلام المنطوق.
فما يُكتب في تعليق، أو منشور، أو تغريدة، أو رسالة، قد ينتشر أكثر مما يتوقع صاحبه، وقد يبقى سنوات بعد كتابته.
ولهذا كان التحذير من اللسان شاملًا لما يلحق به من وسائل التعبير والكتابة.
قال الحافظ في شرح حديث:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
وبيّن أن أثر اللسان قد يتجاوز الحاضر إلى الغائب والماضي ومن يأتي بعده، وأن الكتابة قد تشارك اللسان في ذلك، بل قد يكون أثرها عظيمًا.
وهنا ينبغي أن يسأل الإنسان نفسه قبل أن يكتب:
هل هذه الكلمة حق؟
وهل هي نافعة؟
وهل أحتاج فعلًا إلى نشرها؟
وهل أقبل أن تبقى هذه الكلمة عني بعد سنوات؟
الغيبة ليست كذبًا فقط
من الأخطاء الشائعة أن يظن الإنسان أن الكلام في أخيه لا يكون غيبة إلا إذا كان كذبًا.
وقد بيّن النبي ﷺ الأمر بوضوح، فقال:
«أتدرون ما الغيبة؟»
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال:
«ذكرك أخاك بما يكره».
قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟
قال:
«إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته».
فإذا كان الكلام صحيحًا لكنه مما يكره الشخص أن يُذكر به في غيبته، فقد دخل في الغيبة.
وإذا كان غير صحيح، فقد تجاوز الأمر إلى البهتان.
فكيف بمن يجعل صفحات التواصل الاجتماعي ساحةً لتعداد عيوب إخوانه، وتتبع زلاتهم، وتشهيرهم، وتحذير الناس منهم؟
«من سلم المسلمون من لسانه ويده»
قال رسول الله ﷺ:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
وهذا الحديث يرسم صورة واضحة للمسلم الذي ينتفع الناس بصحبته: يسلمون من أذاه.
فليس كمال التدين في كثرة الكلام عن أخطاء الآخرين، ولا في القدرة على إسقاط الأشخاص، ولا في جمع العثرات، وإنما من كمال الدين أن يأمن المسلم أخاه على عرضه وكرامته.
ولهذا قال ﷺ:
«بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم».
وقال ﷺ:
«كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه».
فالعِرض ليس شيئًا يسيرًا.
والطعن في الناس ليس أمرًا هينًا.
والكلمة التي تُكتب في لحظة غضب قد تترك أثرًا طويلًا لا يستطيع صاحبها محوه.
لا تتعجل في الحكم على الناس
من أخطر أبواب الخصومة: الظن.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾.
وقال النبي ﷺ:
«إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا».
فلا تجعل كلمةً محتملة سببًا لحكمٍ قاطع.
ولا تجعل مقطعًا مبتورًا سببًا للطعن في إنسان.
ولا تجعل نقلًا عن شخصٍ سببًا للحكم عليه قبل التثبت.
ولا تجعل الخطأ الواحد عنوانًا تختصر به تاريخ إنسان كامل.
وقد نُقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
«ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملًا».
وهذا من أعظم أبواب العدل والإنصاف.
«لعل لأخي عذرًا لا أعلمه»
قال أبو قلابة رحمه الله:
«إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له العذر جهدك، فإن لم تجد له عذرًا فقل في نفسك: لعل لأخي عذرًا لا أعلمه».
هذه ليست دعوة إلى تبرير الأخطاء، ولا إلى إلغاء النصيحة، وإنما هي دعوة إلى العدل قبل الحكم.
فقد يصلنا الكلام ناقصًا.
وقد ننقل عن شخصٍ ما لم يقله.
وقد نفهم العبارة على غير مراده.
وقد يكون للمتكلم سياقٌ لا نعرفه.
وقد يكون الخطأ حقيقيًا، لكن علاجه يحتاج إلى نصحٍ وإصلاح، لا إلى تشهيرٍ وإسقاط.
والفرق كبير بين النصيحة والتشهير، وبين بيان الخطأ وتتبع العورات.
من أجمل ما قيل في ترك تتبع العيوب
قال ابن حبان رحمه الله:
«الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه».
وهذه قاعدة تستحق أن تُكتب أمام أعيننا دائمًا:
كلما اشتغل الإنسان بإصلاح نفسه، قلّ اشتغاله بتصيد عيوب الآخرين.
وقد قال سفيان بن حسين لإياس بن معاوية، بعدما ذكر رجلًا بسوء، فقال له إياس:
«أفتسلم منك الروم والسند والهند والترك، ولم يسلم منك أخوك المسلم؟»
فما أحوجنا إلى هذا المعنى في زمنٍ أصبح فيه البحث عن أخطاء الآخرين أسهل من البحث عن أخطائنا.
الرفق ليس ضعفًا
الرفق ليس تمييعًا للحق، ولا تنازلًا عن المبادئ، ولا سكوتًا عن الخطأ.
بل الرفق طريقة في عرض الحق ومعالجة الخطأ.
قال الله تعالى لنبيه ﷺ:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
وقال سبحانه لموسى وهارون عليهما السلام وهما ذاهبان إلى فرعون:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.
وقال النبي ﷺ:
«إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله».
وقال ﷺ:
«إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه».
وقال ﷺ:
«من يُحرم الرفق يُحرم الخير».
فإذا كان هذا هو هدي النبي ﷺ في التعامل مع المخالف، فكيف ينبغي أن يكون تعامل أهل السنة فيما بينهم؟
رفقًا أهل السنة بأهل السنة
نعم، يجب بيان الخطأ.
ونعم، يجب نصح المخطئ.
ونعم، قد يحتاج الناس أحيانًا إلى التحذير من قولٍ أو منهجٍ أو تصرفٍ ضار.
لكن ذلك كله يحتاج إلى علمٍ وعدلٍ وتقوى وتجردٍ عن الهوى.
أما أن يتحول الخلاف إلى سبٍّ وتجريحٍ وتشنيع، وأن يصبح تتبع العثرات مشروعًا دائمًا، وأن تتحول صفحات التواصل إلى ساحات لتصفية الحسابات، فهذه ليست الصورة التي ينبغي أن يكون عليها أهل السنة.
ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء.
وليس المطلوب أن نتوقف عن بيان الحق.
وإنما المطلوب أن نتعلم كيف نختلف دون أن نظلم، وكيف ننصح دون أن نشهّر، وكيف نرد دون أن نفجر، وكيف ننتقد دون أن نسقط كرامة المخالف.
السنة أخلاق قبل أن تكون شعارًا
إذا كان الانتساب إلى السنة يعني اتباع رسول الله ﷺ، فإن اتباعه لا يكون في بعض الجوانب وترك بعضها.
فالنبي ﷺ جاء بالحق، وجاء كذلك بالرحمة والعدل والحلم والرفق وحفظ الأعراض.
ومن أراد أن ينتسب إلى السنة، فليجعل من السنة في سلوكه كما يجعلها في كلامه.
فليس من السنة أن نحفظ نصوص الوعيد وننسى نصوص الرحمة.
وليس من السنة أن نعرف أخطاء الآخرين ولا نرى أخطاء أنفسنا.
وليس من السنة أن نطالب الناس بالاتباع ثم ننسى أدب الاختلاف.
وليس من السنة أن يكون اللسان أسرع من العلم، والحكم أسرع من التثبت، والتجريح أسرع من النصيحة.
كلمة أخيرة
إن أهل السنة أحوج ما يكونون اليوم إلى جمع الكلمة، وإصلاح ذات البين، والتعاون على الخير، وإحسان الظن، وحفظ اللسان، والتثبت من الأخبار، والرفق عند النصيحة، والعدل عند الحكم.
فليست القوة في أن ننتصر على إخواننا في الجدل.
وليست السنة في أن نكثر من الأسماء والتصنيفات.
وليست الغيرة على الحق في أن يتحول الخلاف إلى خصومة شخصية.
إنما القوة أن نكون أقرب إلى الحق، وأبعد عن الظلم، وأحفظ لألسنتنا، وأرحم بإخواننا، وأعدل مع مخالفينا.
فلنختلف، إن احتجنا إلى الاختلاف، ولكن بأدب.
ولننصح، ولكن برفق.
ولنبين الخطأ، ولكن بعدل.
ولنحذر من الباطل، ولكن دون أن تتحول التحذيرات إلى بابٍ مفتوح للطعن في الأعراض.
ولنتذكر دائمًا:
أن السنة التي لا تهذب اللسان، ولا تصلح القلب، ولا تحمل صاحبها على العدل والرحمة، تحتاج إلى أن نراجع فهمنا لها قبل أن نطالب الآخرين باتباعها.
رفقًا أهل السنة بأهل السنة…
فما أحوجنا إلى سنةٍ تجمع القلوب، لا إلى خصوماتٍ تفرقها.
نسأل الله أن يصلح ذات بين المسلمين، وأن يؤلف بين قلوبهم، وأن يهدينا سبل السلام، وأن يجعلنا من أهل السنة علمًا وعملًا وخُلقًا، إنه سميع مجيب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق