صفات المنافقين في القرآن والسنة
علامات النفاق وأحوال أهله وكيف يُعرف خطره؟
ليس النفاق مجرد كلمة تُقال، ولا وصفًا يُرمى به المخالفون في الخصومات؛ وإنما هو داء خطير وصف القرآن الكريم والسنة النبوية علاماته وآثاره وأحوال أهله، حتى يكون المؤمن على بصيرة من هذا المرض الخطير، فيحذر أسبابه، ويراجع قلبه وعمله.
ومن المهم قبل بيان هذه الصفات أن نفرّق بين النفاق الاعتقادي الأكبر الذي يُبطن صاحبه الكفر ويظهر الإسلام، وبين النفاق العملي الذي تظهر بعض خصاله في سلوك المسلم، كالكذب والخيانة وإخلاف الوعد والرياء.
وقد قال النبي ﷺ:
«آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».
وفي الحديث الآخر: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها...».
فالمقصود أن المؤمن لا يكتفي بقراءة هذه الصفات في الآخرين، بل ينبغي أن يسأل نفسه أولًا: هل يوجد في سلوكي شيء من هذه الخصال؟
ومن أبرز الصفات التي جاءت بها النصوص:
أولًا: نقض العهد مع الله تعالى وإخلاف ما التزمه العبد
من أخطر مظاهر النفاق أن يقول الإنسان بلسانه ما لا يصدقه عمله، وأن يعاهد الله على الطاعة ثم ينقض عهده عندما تتعارض الطاعة مع هواه أو مصلحته.
قال تعالى:
﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُم مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 75-77].
ومن علامات صدق الإيمان أن يكون قول الإنسان موافقًا لعمله، وأن يكون التزامه بالله تعالى ثابتًا في حال الرخاء والشدة.
ثانيًا: التكاسل عن الصلاة والتثاقل عن أدائها
الصلاة من أعظم شعائر الإسلام، وقد جعل النبي ﷺ التثاقل عن بعض الصلوات من علامات المنافقين.
قال ﷺ:
«أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا...»
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
«ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق».
فالخشوع والمحافظة على الصلاة، والحرص على أدائها في وقتها، من علامات حياة القلب، بينما التثاقل عنها والتفريط فيها من الأمور التي ينبغي للمؤمن أن يخاف على نفسه منها.
ثالثًا: الاغترار برحمة الله وترك العمل الصالح
من أخطر الأمراض أن يعتمد الإنسان على رحمة الله اعتمادًا يجعله يترك العمل، أو يستمر في التقصير والمعصية بحجة أن الله غفور رحيم.
قال تعالى في وصف المنافقين:
﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: 14].
فالرجاء الصحيح في رحمة الله لا ينفصل عن العمل الصالح، كما أن الخوف من الله لا يعني اليأس من رحمته.
المؤمن يسير إلى الله بين الرجاء والخوف، ويجمع بين حسن الظن بالله وحسن العمل.
رابعًا: الإعراض عن الاستغفار والتوبة
من علامات قسوة القلب أن يرى الإنسان ذنبه صغيرًا، أو لا يرى في نفسه حاجة إلى التوبة والاستغفار.
قال تعالى عن المنافقين:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: 5].
وفي المقابل، فإن المؤمن كثير الرجوع إلى الله، لا يغتر بطاعته، ولا يبرئ نفسه من التقصير.
ولهذا رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه:
«إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا».
خامسًا: قلة ذكر الله تعالى
من أبرز صفات المنافقين التي ذكرها القرآن قلة ذكر الله.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142].
فالذكر ليس مجرد ألفاظ تتحرك بها الألسنة، وإنما هو حياة للقلب، واستحضار لعظمة الله، ومراقبة له في الأقوال والأعمال.
قال تعالى:
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: 19].
سادسًا: هجر تدبر القرآن وعدم الانتفاع به
ليس المقصود من القرآن مجرد القراءة بالألسنة، وإنما أن يصل أثره إلى القلب والسلوك والعمل.
قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46].
وقد ضرب النبي ﷺ أمثالًا بديعة في أثر القرآن في المؤمن والفاجر، مبينًا أن التلاوة وحدها لا تكفي إذا لم يكن لها أثر في القلب والعمل.
ومن هنا، فإن السؤال المهم ليس فقط:
كم نقرأ من القرآن؟
بل:
كم غيّر القرآن في أخلاقنا وأعمالنا وقلوبنا؟
سابعًا: الاضطراب عند المحن وضعف اليقين بقضاء الله وقدره
من علامات ضعف الإيمان أن يكون الإنسان ثابتًا ما دامت الأمور تسير وفق هواه، فإذا نزلت به المحنة اضطرب وتراجع واعترض.
قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: 11].
فالإيمان الحقيقي يظهر أثره عند الابتلاء، كما يظهر عند النعمة.
ليس الامتحان أن تعرف الله في أيام الرخاء فقط، وإنما أن يبقى قلبك متعلقًا به حين تضيق بك الأسباب.
ثامنًا: السخرية والاستهزاء بالدين وأهله
من أخطر مظاهر الانحراف أن يتحول الدين وشعائره وأهله إلى مادة للسخرية والاستهزاء.
قال تعالى:
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66].
ولهذا ينبغي للمؤمن أن يصون لسانه عن الاستهزاء بشعائر الدين، وألا يجعل المزاح ذريعة لتجاوز حدود الله.
تاسعًا: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف
قال تعالى:
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67].
وهنا تنقلب الموازين؛ فيصبح المعروف الذي أمر الله به ثقيلًا على النفس، ويصبح المنكر الذي نهى الله عنه أمرًا عاديًا أو مقبولًا.
والخطر لا يقف عند فعل المنكر، بل قد يصل إلى الدفاع عنه والدعوة إليه، والطعن في المعروف وأهله.
عاشرًا: موالاة الكافرين على حساب المؤمنين
قال تعالى:
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 138-139].
فالقرآن يحذر من جعل الولاء والنصرة والانحياز لأعداء المؤمنين على حساب أهل الإيمان، طلبًا للقوة أو الجاه أو المنفعة.
وهذا الباب يحتاج إلى فقه دقيق؛ إذ لا يصح تحويل كل معاملة أو علاقة إنسانية مع غير المسلمين إلى «موالاة» بالمعنى الشرعي.
الحادي عشر: تقديم المكاسب الدنيوية على الطاعة
من صفات المنافقين أن تكون مشاركتهم في الخير مرتبطة بالمصلحة العاجلة.
قال تعالى:
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة: 42].
فالطاعة عند صاحب القلب المريض تصبح مرتبطة بالمكاسب: إن وجد مصلحة أسرع إليها، وإن وجد مشقة أعرض عنها.
أما المؤمن فيعبد الله لأنه يستحق العبادة، لا لأن الطاعة تحقق له مكسبًا عاجلًا.
الثاني عشر: الإعراض عن التحاكم إلى الحق والعدل
من أخطر علامات النفاق أن يقبل الإنسان الحكم عندما يكون موافقًا لهواه، فإذا جاء الحكم على خلاف مصلحته أعرض عنه.
قال تعالى:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
فالميزان الحقيقي ليس أن تقبل الحق عندما يكون في مصلحتك، وإنما أن تقبله ولو خالف هواك.
الثالث عشر: نشر الإفك والطعن في أعراض المؤمنين
من أخطر مظاهر النفاق نشر الشائعات والطعن في الأعراض والافتراء على الأبرياء.
وقد كان حادث الإفك من أعظم الأمثلة التي كشفت خطر الشائعة والكلمة الباطلة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 11].
وهذا تحذير بالغ من خطورة أن تتحول الألسنة إلى أدوات لهدم سمعة الناس، ونشر الاتهامات بلا بينة.
الرابع عشر: الرياء والبخل وكراهية الإنفاق في الخير
قال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142].
فالرياء يجعل العمل الظاهر حسنًا في أعين الناس، بينما تكون الغاية الحقيقية طلب مدحهم وثنائهم.
ومن صفاتهم كذلك الشح والبخل، وقد قال تعالى:
﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: 58].
الخامس عشر: كثرة الحلف والكذب في الأيمان
قال تعالى:
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: 56].
وكثرة الحلف ليست دليل صدق بذاتها؛ فقد يكون الإنسان كثير الأيمان وهو قليل الصدق.
ولهذا قال تعالى في شأن المنافقين:
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور: 53].
فالصدق يظهر عند العمل والتنفيذ، لا بكثرة الأيمان والوعود.
السادس عشر: الخوف المَرَضي من الموت والفرار من المسؤولية
وصف القرآن المنافقين بالخوف الشديد والهلع، فقال:
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: 4].
كما قال تعالى:
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 18].
فالخوف الطبيعي غريزة بشرية، وليس كل خوف نفاقًا؛ وإنما المذموم أن يتحول الخوف إلى سبب لترك الحق، أو تثبيط الناس عن القيام بالواجبات.
السابع عشر: نشر الأراجيف والشائعات وتثبيط الناس
من أخطر الصفات التي كشفها القرآن الإرجاف؛ أي نشر الأخبار التي تثير الخوف والاضطراب وتضعف الثقة وتثبط الناس.
قال تعالى:
﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: 60].
وهذه الصفة خطيرة في كل زمان، ولا سيما عندما تتحول الشائعة إلى وسيلة لزعزعة المجتمع، أو تشويه الأبرياء، أو بث اليأس في النفوس.
الثامن عشر: الحسد وكراهية الخير للمؤمنين
قال تعالى:
﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120].
فمن أخلاق القلب المريض أن يحزن الإنسان لنعمة غيره، ويفرح بمصيبته، ويتمنى زوال الخير عنه.
أما القلب السليم فيفرح لخير الناس، ويسأل الله من فضله.
التاسع عشر: السخط على الرزق وعدم القناعة بما قسم الله
قال تعالى:
﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 58-59].
فمن علامات ضعف اليقين أن يكون رضا الإنسان مرتبطًا بما يحصل عليه من المال والمصلحة؛ فإذا أعطي رضي، وإذا منع سخط واعترض.
والقناعة لا تعني ترك السعي، وإنما تعني أن يسعى الإنسان في طلب الرزق، ثم يرضى بما قسم الله له.
العشرون: الاستهانة بالكلمات الخطيرة في الدين
الكلمة مسؤولية، وقد يهوي الإنسان بسبب كلمة قالها واستخف بها.
قال النبي ﷺ:
«إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم».
وقد ذكر القرآن عن بعض المنافقين:
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: 74].
ومن هنا يجب على المسلم أن يحفظ لسانه، وألا يجعل السخرية من الدين، أو الاستهزاء بالشعائر، أو التكفير بغير علم، أو الطعن في المؤمنين، أمرًا هينًا.
خاتمة
هذه الصفات ليست مجرد قائمة لاتهام الآخرين، وإنما هي مرآة لمراجعة النفس.
فالمؤمن العاقل لا يقرأ الحديث عن النفاق ليبحث عن المنافقين من حوله فقط، بل يسأل نفسه:
هل في لساني كذب؟
هل في وعودي إخلاف؟
هل أؤدي الأمانة؟
هل أتثاقل عن الصلاة؟
هل أذكر الله كثيرًا؟
هل أتدبر القرآن وأعمل به؟
هل أصبر عند البلاء؟
هل أسخر من أهل الدين؟
هل أفرح بمصيبة أخي وأحزن لنعمة أصابته؟
هل يختلف موقفي من الحق باختلاف مصلحتي؟
وهنا تظهر الحكمة من تحذير القرآن والسنة من النفاق؛ فالمقصود ليس أن نوزع الاتهامات، وإنما أن نحمي قلوبنا من أسبابه، ونطهّر أعمالنا من خصاله، ونلجأ إلى الله أن يثبتنا على الإيمان والصدق والاستقامة.
فالنفاق يبدأ حين ينفصل الظاهر عن الباطن، والقول عن العمل، والدعوى عن الحقيقة.
والنجاة في أن يكون المؤمن صادقًا مع الله، صادقًا مع نفسه، صادقًا مع الناس.
اللهم طهّر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وثبّتنا على الحق حتى نلقاك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق