قبل أن تبحث عن المنافقين حولك… ابحث عن صفاتهم في نفسك!
هل أنت منهم؟!
حين نقرأ في القرآن الكريم والسنة النبوية عن المنافقين وصفاتهم، قد يتبادر إلى أذهاننا أشخاصٌ آخرون:
فلانٌ يكذب…
وفلانٌ يخلف الوعد…
وفلانٌ يرائي…
وفلانٌ يطعن في الناس…
وفلانٌ لا يظهر ما يُبطن…
لكن السؤال الأصعب ليس:
«مَن هم المنافقون؟»
وإنما:
«هل يمكن أن يكون فيَّ شيءٌ من صفاتهم؟»
فهنا تبدأ المحاسبة الحقيقية للنفس.
والحديث عن صفات المنافقين ليس بابًا للتشهير بالناس أو توزيع الأحكام عليهم، وإنما هو قبل ذلك مرآةٌ يقف أمامها كل مسلم ليراجع قلبه وعمله وسلوكه.
كما ينبغي التفريق بين النفاق الاعتقادي الذي يُبطن صاحبه الكفر ويُظهر الإسلام، وبين خصال النفاق العملي؛ فقد توجد في المسلم خصلة مذمومة من خصال النفاق، ولا يعني ذلك بمجرده أنه صار منافقًا نفاقًا اعتقاديًا.
فدعونا نسأل أنفسنا بصدق:
هل فيَّ شيءٌ من هذه الصفات؟
① هل أنقض عهدي مع الله؟
من أخطر ما ينبغي للمؤمن أن يراجعه: الوفاء بما عاهد الله عليه.
فقد يَعِد الإنسان نفسه بالتوبة، أو يلتزم بطاعة، أو يعزم على ترك معصية، ثم يعود سريعًا إلى ما تركه دون مبالاة.
المشكلة ليست في أن الإنسان يضعف؛ فالإنسان يخطئ ويقصر، وإنما الخطر في أن يعتاد نقض العهود ولا يبالي بمراجعة نفسه.
فاسأل نفسك: هل أفي بما عاهدت الله عليه؟
② هل أتثاقل عن الصلاة؟
الصلاة ليست مجرد عادة يومية، وإنما هي من أعظم علامات الصلة بالله تعالى.
وقد وصف القرآن المنافقين بقوله:
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾
فليس المقصود أن كل من شعر بالكسل في صلاة صار منافقًا، وإنما المقصود أن التثاقل المستمر عن الصلاة، وقيام الإنسان إليها بلا رغبة ولا تعظيم، أمرٌ يستحق أن يخاف منه المؤمن على قلبه.
فكيف هي علاقتي بالصلاة؟
③ هل أغتر برحمة الله وأترك العمل؟
رحمة الله واسعة، وهذا من أعظم ما يبعث على الرجاء.
لكن الرجاء الصادق لا يعني أن يتخذ الإنسان رحمة الله ذريعةً لترك الطاعة والاستمرار في المعصية.
فمن الخطأ أن يقول:
«الله غفور رحيم»
ثم يجعل هذه الكلمة مبررًا لعدم التوبة والعمل.
الرجاء الحقيقي يدفع إلى الطاعة، لا إلى الغفلة.
④ هل أؤخر التوبة والاستغفار؟
كلنا نخطئ، لكن المؤمن إذا أخطأ رجع.
أما الخطر فهو أن يعرف الإنسان خطأه، ثم يقول:
سأتوب لاحقًا…
حتى يصبح التأجيل عادة، وتصبح المعصية مألوفة، ويضعف الشعور بالحاجة إلى التوبة.
قال تعالى:
﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
فهل أنا سريع الرجوع إلى الله، أم كثير التأجيل؟
⑤ هل يقلُّ ذكري لله؟
القلوب تحتاج إلى الذكر كما تحتاج الأجساد إلى الطعام.
وقد وصف الله المنافقين بقوله:
﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
فليس المقصود أن كل من قلَّ ذكره في فترة معينة صار منافقًا، وإنما هي دعوة إلى أن يسأل الإنسان نفسه:
هل أصبح ذكر الله في حياتي شيئًا هامشيًا؟
⑥ هل أقرأ القرآن دون أن أتدبره؟
قد يقرأ الإنسان صفحات كثيرة، لكن قلبه لا يتغير.
وقد يسمع المواعظ، لكنه لا ينتفع بها.
وقد يعرف الحكم، لكنه لا يعمل به.
والقرآن لم ينزل لمجرد تحريك اللسان، وإنما قال تعالى:
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾
فالسؤال ليس: كم قرأت؟
بل:
ماذا غيَّر القرآن فيَّ؟
⑦ هل أضطرب عند البلاء وأفقد يقيني؟
المؤمن قد يحزن، ويخاف، ويتألم، فهذه طبيعة بشرية.
لكن الخطر أن يتحول البلاء إلى سوء ظن بالله، واعتراض على قضائه، وانهيار في الثقة بحكمته ورحمته.
فالمحن تكشف ما في القلوب.
فكيف يكون حالي عندما تضيق بي الدنيا؟
⑧ هل أسخر من الدين أو من أهله؟
الاستهزاء بالدين وأحكامه من أخطر الأمور.
وقد قال تعالى في قوم استهزؤوا:
﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾
فليس كل نقدٍ أو سؤالٍ استهزاء، ولا ينبغي التسرع في تكفير الناس أو الحكم عليهم.
لكن على كل مسلم أن يراقب لسانه، وألا يجعل السخرية من الدين أو شعائره أو أهل الصلاح وسيلةً للضحك أو الانتقاص.
⑨ هل آمر بالمنكر وأنهى عن المعروف؟
من علامات الانحراف الخطيرة أن تنقلب الموازين:
فيصبح المعروف ثقيلًا، والمنكر عاديًا.
ويُلام من ينصح، بينما يُصفق لمن يخطئ.
قال تعالى:
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾
فهل مواقفي تعين على الخير أم تضعفه؟
⑩ هل أقدّم مصلحتي على الحق؟
من أخطر ما يصيب الإنسان أن تصبح المصلحة الشخصية هي المعيار الوحيد:
إن وافق الحق مصلحتي قبلته،
وإن خالفها أعرضت عنه.
المؤمن قد يتألم من الحق، لكنه لا يجعل الهوى والمصلحة الشخصية ميزانًا للحقيقة.
فهل أتبع الحق، أم أبحث عن الحق الذي يوافقني؟
⑪ هل أبيع مبادئي من أجل الدنيا؟
المال والمنصب والشهرة والمكانة أمور مباحة في أصلها، لكن الخطر يبدأ عندما تصبح الدنيا أغلى من الدين والضمير.
فهل يمكن أن أكذب من أجل مكسب؟
أو أظلم من أجل مصلحة؟
أو أتنازل عن مبدأ أعرف أنه حق لأنني أخشى خسارة شيء من الدنيا؟
هنا ينبغي أن أتوقف وأراجع نفسي.
⑫ هل أرفض الحق عندما لا يوافق هواي؟
أحيانًا لا تكون المشكلة في أن الإنسان لا يعرف الحق، وإنما في أنه لا يريد قبوله.
قد يسمع الدليل، ثم يبحث عن مخرج.
وقد يعرف الصواب، ثم يرفضه لأن قائله لا يعجبه.
والإنصاف الحقيقي أن يكون الحق أحب إلينا من الأشخاص والأهواء.
فهل أقبل الحق ولو جاء ممن أختلف معه؟
⑬ هل أطعن في أعراض الناس وأنشر الكلام عنهم؟
من أخطر أمراض اللسان:
القذف، والغيبة، والبهتان، ونقل الكلام، وتشويه السمعة.
وقد يتحول الكلام في مجالس الناس ووسائل التواصل إلى ظلمٍ كبير لا يستطيع المظلوم دفعه.
فقبل أن تنشر خبرًا عن شخص، اسأل نفسك:
هل أقبل أن يُقال عني ما أقوله عنه؟
وهل أملك دليلًا على ما أنقله؟
⑭ هل أرائي الناس في عبادتي؟
قد يبدأ الإنسان العبادة لله، ثم يدخل عليه حبُّ نظر الناس وثنائهم.
يصلي فيحسن صلاته أمام الناس،
ويتصدق فيحب أن يُذكر،
ويفعل الخير انتظارًا للمدح.
وهنا يحتاج القلب إلى مراجعة شديدة.
لمن أعمل؟
لله… أم لنظر الناس؟
⑮ هل أبخل عندما يحين وقت الإنفاق في الخير؟
من صفات المنافقين التي ذكرها القرآن ذمُّهم في باب الإنفاق.
قال تعالى:
﴿وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾
وليس المقصود أن كل من بخل في موقف صار منافقًا، وإنما ينبغي للمؤمن أن يسأل:
هل أحب الخير فعلًا، أم لا أتحرك إلا إذا كان الأمر لا يكلفني شيئًا؟
⑯ هل أُكثر من الحلف والكذب؟
كثرة الأيمان قد تتحول إلى وسيلة لتغطية الكذب وإقناع الآخرين.
والقرآن حذّر من الذين يجعلون أيمانهم ستارًا لمواقفهم الباطلة.
فالمؤمن لا يحتاج إلى أن يجعل الحلف المتكرر والكلام المنمق وسيلة لإثبات صدقه.
فالصدق لا يحتاج إلى كثرة الأيمان.
⑰ هل أنشر الشائعات والأراجيف؟
كلمة واحدة قد تفسد علاقة،
وخبر واحد قد يسيء إلى إنسان،
ومنشور واحد قد يشعل فتنة.
ولهذا كان المؤمن مطالبًا بالتثبت.
قال تعالى:
﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
فهل أتثبت قبل أن أنقل؟ أم يكفيني أن يكون الخبر مثيرًا لأشاركه؟
⑱ هل أحسد المؤمنين على الخير؟
من أخطر أمراض القلوب أن يضيق الإنسان بنعمة غيره.
يفرح إذا سقط غيره،
ويحزن إذا نجح،
ويتمنى زوال الخير عنه.
أما القلب السليم فيدعو:
اللهم بارك له، وارزقني من فضلك.
فاسأل نفسك بصدق:
هل أفرح لنجاح الآخرين، أم أشعر بالضيق منه؟
⑲ هل أسخط على ما رزقني الله؟
القناعة لا تعني ألا يطلب الإنسان الأفضل، ولا تعني أن يتوقف عن السعي.
لكنها تعني ألا يتحول السعي إلى سخط دائم واعتراض على قسمة الله.
قد يكون عند الإنسان الكثير، لكنه لا يرى إلا ما ينقصه.
وقد يعيش في نعم عظيمة، لكنه لا يتوقف عن الشكوى.
فهل أرى نعم الله عليَّ، أم لا أرى إلا ما ليس عندي؟
⑳ هل أستهين بالكلمات الخطيرة في الدين؟
قد يقول الإنسان كلمة في لحظة غضب أو سخرية أو استهزاء، ثم يندم عليها.
ولهذا ينبغي للمؤمن أن يعرف خطورة اللسان، وألا يتعامل مع الكلمات المتعلقة بالدين والعقيدة باستخفاف.
لكن في الوقت نفسه، لا يجوز التسرع في الحكم على الأشخاص وتكفيرهم بمجرد كلمة محتملة؛ فالأحكام الشرعية لها ضوابط وشروط وموانع.
فهل أزن كلماتي قبل أن أطلقها؟
وأنت… هل راجعت نفسك؟
بعد كل هذه الصفات، لا تجعل أول سؤال يخطر ببالك:
«من حولي فيه هذه الصفات؟»
بل اجعل السؤال الأصعب:
«هل فيَّ شيءٌ منها؟»
هل أتثاقل عن الصلاة؟
هل أُكثر من الكذب؟
هل أخلف وعودي؟
هل أرائي الناس؟
هل أحسد غيري؟
هل أنشر ما لا أتحقق منه؟
هل أرفض الحق إذا خالف هواي؟
هل أفرح بسقوط الآخرين؟
هل أصبحت الدنيا أكبر همي؟
هل أتكلم عن الناس بما لا أحب أن يتكلموا به عني؟
هذه الأسئلة ليست لإدانة النفس واليأس منها، وإنما لإصلاحها وإنقاذها.
فالإنسان الذي يكتشف عيبًا في نفسه ثم يجاهد لإصلاحه، خيرٌ من إنسان لا يرى عيوبه لأنه مشغول بعيوب الآخرين.
لا تجعل صفات المنافقين سلاحًا ضد الناس… اجعلها مرآةً لنفسك.
ولا تستعجل في إطلاق كلمة «منافق» على أحد؛ فالحكم على القلوب إلى الله، ووجود خصلة مذمومة في المسلم لا يعني بالضرورة الحكم عليه بالنفاق الاعتقادي.
إنما المقصود أن نقف مع أنفسنا وقفة صدق:
ماذا يحتاج قلبي إلى إصلاح؟
وأيُّ صفة من هذه الصفات أخشى أن تكون قد تسللت إلى حياتي؟
فهذه هي الفائدة الحقيقية من معرفة صفات المنافقين:
أن نعرفها… حتى نحذرها.
ونراجع أنفسنا… حتى نصلحها.
ونخاف على قلوبنا… قبل أن ننشغل بقلوب الآخرين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق