الأشاعرة ليسوا «مُعطِّلة» للصفات
إثباتُ الكمال وتنزيهُ الله عن خصائص المخلوقين
المحاضرة الثالثة والثلاثون
القدرة والعلم والحياة والسمع والبصر
هناك قضية مهمة في فهم المذهب الأشعري، وهي صفات المعاني، ومن أبرزها:
الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر.
والغرض من هذا البحث ليس مجرد عرضٍ نظري لمسائل علم الكلام، وإنما بيان حقيقة مهمة كثيرًا ما تُغفل في الجدل المعاصر، وهي أن تصوير الأشاعرة على أنهم ينكرون صفات الله تعالى من أصلها تصوير غير دقيق؛ إذ إن الأشاعرة يثبتون لله تعالى صفات الكمال، وإنما يقع الخلاف في طريقة فهم دلالات بعض النصوص، وفي كيفية تنزيه الصفات عن خصائص المخلوقين ولوازم الأجسام والحوادث.
أولًا: هل الأشاعرة ينكرون صفات الكمال؟
من المفيد أن نبدأ بشهادة عالم من أبرز من ناقشوا الأشاعرة، وهو ابن تيمية، الذي قرر في كلامه على الصفات أن:
«القول في بعض الصفات كالقول في بعض»
كما ذكر في سياق تقريره للصفات أن الله تعالى:
«حيٌّ بحياة، عليمٌ بعلم، قديرٌ بقدرة، سميعٌ بسمع، بصيرٌ ببصر، متكلمٌ بكلام، مريدٌ بإرادة».
وهذا يدل على أن أصل إثبات هذه المعاني لله تعالى ليس هو محل النزاع الذي تصوره بعض الخطابات الجدلية المعاصرة.
فالخلاف ليس ببساطة:
أشاعرة ينكرون الصفات ← ومثبتة يثبتونها.
وإنما المسألة أدق من ذلك.
فالأشاعرة يثبتون لله تعالى صفات الكمال، لكنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن هذه الصفات لا تشبه صفات المخلوقين، ولا تستلزم خصائص الأجسام والحواس والآلات.
وهنا ينبغي التفريق بين إثبات الصفة وبين إثبات لوازمها في المخلوق.
ثانيًا: الحياة الإلهية ليست كحياة المخلوق
يقرر الأشاعرة أن الله تعالى حيّ، وأن حياته صفة كمال تليق بجلاله، قال تعالى:
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
والمراد هنا ليس حياةً قائمة على الدم أو الروح أو الأعضاء أو التركيب، كما هي حياة المخلوقات.
فالله تعالى حيٌّ، لكن حياته ليست كحياة الإنسان أو الحيوان.
وهذا هو مقتضى قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
فالآية جمعت بين أصلين عظيمين:
نفي المماثلة، وإثبات الكمال.
ومن هنا لا يصح أن يُقال: إن التنزيه عن خصائص المخلوقين يساوي إنكار الصفة؛ لأن نفي مشابهة المخلوق لا يعني نفي أصل الكمال.
ثالثًا: العلم الإلهي وكمال التنزيه
أما العلم، فالأشاعرة يثبتون لله تعالى علمًا أزليًا محيطًا بجميع المعلومات.
قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
فعلم الله تعالى ليس علمًا يحصل بعد جهل، ولا علمًا يتجدد له سبحانه بسبب حدوث الأشياء.
فالشيء يحدث في عالمنا، لكن حدوث المعلوم لا يعني حدوث علم جديد لله تعالى بعد أن لم يكن عالمًا به.
وهنا تظهر أهمية التفريق بين:
حدوث المعلوم، وحدوث العلم به.
فليس كل ما يحدث في العالم يستلزم أن يحدث لله تعالى علم لم يكن موجودًا.
ولو قيل: إن الله تعالى لم يكن عالمًا بالشيء ثم صار عالمًا به عند حدوثه، للزم نسبة الانتقال من عدم العلم إلى العلم، وهذا ينافي كمال العلم الإلهي.
أما إذا قيل: إن الله تعالى عالم به أزلًا، فقد ثبت أن حدوث المعلوم لا يستلزم حدوث العلم.
وهذه قاعدة مهمة في باب الصفات.
رابعًا: القدرة الإلهية ليست قوة جسمانية
ويثبت الأشاعرة لله تعالى القدرة، وهي صفة كمال يتأتى بها إيجاد الممكنات وإعدامها.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
لكن القدرة الإلهية ليست قوة عضلية، ولا طاقة جسمانية، ولا قدرة تحتاج إلى آلة أو عضو.
فالإنسان عندما يوصف بأنه قادر، تكون قدرته مرتبطة بجسمه وأعضائه وأسبابه ووسائله.
أما الله تعالى فليس محتاجًا إلى شيء من ذلك.
ولهذا فإن قولنا:
«الله قادر»
لا يعني أن قدرته مماثلة لقدرة الإنسان، كما أن قولنا:
«الله عالم»
لا يعني أن علمه كعلم الإنسان.
فالاشتراك في أصل الاسم لا يستلزم الاشتراك في الحقيقة والكيفية واللوازم.
وهذه قاعدة أساسية في باب التنزيه.
خامسًا: السمع والبصر بين الإثبات والتنزيه
أما السمع والبصر، فهما من الصفات التي يثبتها الأشاعرة لله تعالى على الوجه اللائق به.
قال سبحانه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
وتأملوا بناء الآية:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
ثم:
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
فهي تجمع في آية واحدة بين:
التنزيه والإثبات.
وهذا مهم جدًا؛ لأن الآية لا تقول إن نفي المماثلة يستلزم نفي السمع والبصر، كما أنها لا تجعل إثبات السمع والبصر مستلزمًا لإثبات الأذن والعين والجارحة.
فالإنسان يسمع بواسطة الأذن، ويبصر بواسطة العين، وهذه من خصائص المخلوق.
أما الله تعالى فـ:
سميعٌ بلا أذن، وبصيرٌ بلا جارحة.
وهنا يظهر الفرق بين أصل الصفة وبين الآلة التي يحتاج إليها المخلوق في تحقيقها.
سادسًا: هل إثبات الصفة يستلزم إثبات لوازمها في المخلوق؟
هذه من أهم النقاط في المسألة.
فالإنسان عالم، لكن علمه يحصل بواسطة التعلم والنظر والتجربة والذاكرة.
والإنسان قادر، لكن قدرته مرتبطة بالأعضاء والأسباب.
والإنسان سميع، لكن سمعه مرتبط بالأذن والوسائط.
والإنسان بصير، لكن بصره مرتبط بالعين والوسائل الحسية.
فهل يلزم من إثبات العلم والقدرة والسمع والبصر لله تعالى أن نثبت له الوسائل نفسها التي يحتاج إليها الإنسان؟
بالطبع لا.
لأن هذه الوسائل من لوازم المخلوق، وليست هي نفس أصل معنى الكمال.
ولهذا فإن إثبات الصفة لله تعالى لا يعني نقل جميع خصائص المخلوقين إليها.
وهنا تتضح حقيقة التنزيه:
التنزيه ليس نفي الكمال، وإنما نفي خصائص المخلوقين عن الله تعالى.
سابعًا: «بلا كيف» لا تعني «بلا معنى»
ومن هنا تظهر أهمية التفريق بين أمرين:
إثبات الصفة مع نفي الكيفية.
و
إثبات معنى حسي يستلزم خصائص الأجسام ثم القول: بلا كيف.
فإذا كان المقصود بقول القائل:
«نثبت الصفة بلا كيف»
أنه يثبت ما دلت عليه النصوص، مع القطع بأن الله تعالى لا يماثل خلقه، فهذا أصل مفهوم.
أما إذا كان المقصود أن يُثبت أولًا معنىً يستلزم الجهة أو العضو أو الجارحة أو الحركة أو خصائص الجسم، ثم يقال بعد ذلك:
«لكن بلا كيف»
فالسؤال هنا ليس فقط عن الكيفية، بل عن أصل المعنى الذي أُثبت ابتداءً.
فإذا كان المعنى نفسه مستلزمًا لخصائص الأجسام، فإن مجرد نفي الكيفية لا يزيل ذلك اللازم.
ولهذا فالنقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول الألفاظ وحدها، وإنما حول:
ما المعنى الذي يُراد إثباته؟ وما الذي يلزم منه؟
ثامنًا: قاعدة «القول في الصفات كالقول في الذات»
ومن القواعد المهمة التي قررها ابن تيمية:
«القول في الصفات كالقول في الذات»
ومعنى هذه القاعدة أن الله تعالى له ذات حقيقية تليق بجلاله، وليست كذوات المخلوقين، وكذلك صفاته ثابتة له على وجه يليق به، وليست كصفات المخلوقين.
وهذا الأصل يمكن أن يكون محل اتفاق في الجملة:
كما أن ذات الله لا تشبه ذوات المخلوقين، فصفاته لا تشبه صفات المخلوقين.
لكن هنا يأتي السؤال المنهجي:
إذا كان إثبات الحياة والعلم والقدرة لا يستلزم مماثلة المخلوق، فلماذا يكون إثبات بعض الصفات الخبرية مستلزمًا بالضرورة لمعانٍ حسية قريبة من خصائص الأجسام؟
إذا كان المعيار هو:
إثبات الصفة مع نفي المماثلة،
فالأصل أن يكون هذا المعيار مطردًا في جميع الصفات.
وهنا يظهر جوهر الخلاف بين المناهج المختلفة في فهم النصوص.
تاسعًا: ليس كل ما يلزم المخلوق يلزم الخالق
من أكبر أسباب الإشكال في هذا الباب الخلط بين:
معنى الصفة
و
لوازم الصفة في المخلوق.
فالإنسان إذا قيل عنه: «عالم»، فقد ارتبط علمه بالتعلم والذاكرة والتجربة.
وإذا قيل عنه: «قادر»، فقد ارتبطت قدرته بالأعضاء والأسباب.
وإذا قيل عنه: «سميع»، ارتبط سمعه بالأذن.
وإذا قيل عنه: «بصير»، ارتبط بصره بالعين.
لكن لا يصح أن نجعل هذه اللوازم جزءًا من أصل معنى العلم والقدرة والسمع والبصر.
وإذا لم تكن هذه اللوازم جزءًا من أصل الكمال حتى في تصور الصفة، فلا يصح أن تُجعل لازمة للصفة الإلهية.
ومن هنا يقول أهل التنزيه:
الله تعالى عالم بلا تعلم، وقادر بلا آلة، وسميع بلا أذن، وبصير بلا عين جارحة، وحيّ بلا روح أو دم أو تركيب.
وهذا ليس نفيًا للصفات، بل هو إثبات للصفات مع نفي خصائص الحدوث والاحتياج.
عاشرًا: أين يقع الخلاف الحقيقي؟
إذا أردنا أن نكون أكثر دقة، فليس الخلاف بين:
«من يثبت الصفات»
و
«من ينكر الصفات».
فهذه صياغة تختزل المسألة اختزالًا شديدًا.
بل الخلاف يدور في مسائل أعمق، منها:
🔹 ما دلالة النص؟
🔹 هل يحمل اللفظ على معنى حسي أم على معنى يليق بالله تعالى؟
🔹 ما الذي يلزم من إثبات الصفة؟
🔹 هل لوازم الصفة في حق المخلوق تدخل في معناها عند نسبتها إلى الله؟
🔹 كيف نجمع بين إثبات النصوص وبين قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾؟
فالأشاعرة يقولون: نثبت صفات الكمال، وننفي عنها خصائص المخلوقين.
ومن هنا فإن وصفهم بإطلاق بأنهم:
«معطلة للصفات»
لا يعبر بدقة عن حقيقة موقفهم العقدي.
الحادي عشر: التنزيه لا يعني التعطيل
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى خطأ شائع في الخطاب الجدلي:
كل من نفى عن الله خصائص الأجسام ليس بالضرورة معطلًا للصفات.
فالتعطيل شيء، والتنزيه شيء آخر.
التعطيل هو نفي ما يجب إثباته.
أما التنزيه فهو نفي ما لا يليق بالله تعالى.
ولهذا يستطيع المسلم أن يقول في وقت واحد:
الله سميع بصير
و:
ليس سمعه كسمع المخلوق، ولا بصره كبصر المخلوق.
ويقول:
الله عالم قادر حي
و:
علمه ليس كعلم المخلوق، وقدرته ليست كقدرة المخلوق، وحياته ليست كحياة المخلوق.
وهذا هو الجمع بين طرفي الدليل:
إثبات الكمال، ونفي المماثلة.
الخلاصة
إن تصوير الأشاعرة على أنهم ينكرون صفات الله تعالى من أصلها لا يعبّر عن حقيقة مذهبهم.
فهم يثبتون لله تعالى صفات الكمال، ومن ذلك:
الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والإرادة والكلام.
لكنهم ينزهون هذه الصفات عن خصائص المخلوقين، وعن لوازم الجسمية والحواس والآلات والاحتياج.
فالإنسان يسمع بأذن، والله تعالى سميع وليس محتاجًا إلى أذن.
والإنسان يبصر بعين، والله تعالى بصير وليس محتاجًا إلى جارحة.
والإنسان يعلم بعد تعلم، والله تعالى عليم أزلًا.
والإنسان يقدر بواسطة جسم وأسباب، والله تعالى قادر لا يحتاج إلى آلة ولا عضو.
والإنسان حي بروح ودم وتركيب، والله تعالى حيٌّ قيوم، منزه عن خصائص الحدوث.
إذن فالمسألة ليست:
إثبات الصفات أم إنكارها؟
بل المسألة:
كيف نثبت صفات الكمال لله تعالى مع القطع بأنه سبحانه ليس كمثله شيء؟
وهنا يقول أهل التنزيه:
نثبت ما يليق بالله من صفات الكمال، وننفي عنه خصائص المخلوقين ولوازم الأجسام والحوادث.
وهذا هو مقتضى الجمع بين قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
وقوله سبحانه:
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
فلا تنزيه بلا إثبات، ولا إثبات صحيح بلا تنزيه.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق