🟦 الأشاعرة لا يُعطِّلون صفات الله…
بل يُنزِّهونه عن مشابهة المخلوقات
من أكثر الاتهامات التي تُوجَّه إلى الأشاعرة قول بعض مخالفيهم:
«الأشاعرة يعطّلون صفات الله؛ لأنهم يؤوّلون بعض نصوص الصفات.»
وهذه العبارة تحتاج إلى تحريرٍ علمي؛ لأن التعطيل شيء، والتنزيه شيء آخر، والتأويل شيء ثالث، ولا يصح جعلها مترادفات.
فالأشاعرة لا ينفون صفات الكمال عن الله تعالى، وإنما يثبتون له ما يليق بجلاله، وينزّهونه في الوقت نفسه عن مشابهة المخلوقات وخصائص الأجسام.
🔹 أولًا: ما معنى تعطيل صفات الله؟
التعطيل هو نفي ما ثبت لله تعالى من صفات الكمال، كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام وغيرها.
وهذا ليس مذهب أهل السنة؛ لأن الله تعالى أثبت لنفسه صفات الكمال، فقال:
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
وقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾
وقال:
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
فإثبات صفات الكمال لله تعالى أصلٌ لا ينكره أهل السنة.
والأشاعرة، في أصول مذهبهم، يثبتون صفات الله تعالى وينزّهونه عن مشابهة الحوادث، فلا يصح اختزال موقفهم في وصف «المعطلة».
🔹 ثانيًا: إثبات الصفات لا يعني تشبيه الله بالمخلوقات
من أهم القواعد التي ينبغي فهمها في هذا الباب:
اشتراك الخالق والمخلوق في الاسم لا يعني اشتراكهما في الحقيقة والكيفية.
فالله تعالى موصوف بالعلم، والإنسان قد يوصف بالعلم، ولكن:
علم الله ليس كعلم الإنسان.
والله تعالى موصوف بالقدرة، والإنسان قد يوصف بالقدرة، ولكن:
قدرة الله ليست كقدرة الإنسان.
والله تعالى سميع بصير، والمخلوق قد يكون سميعًا بصيرًا، ولكن:
سمع الله وبصره ليسا كسمع المخلوق وبصره.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
فالآية جمعت بين أصلين عظيمين:
نفي المماثلة وإثبات الصفات.
🔹 ثالثًا: التنزيه عن مشابهة المخلوقات ليس تعطيلًا
وهنا يقع الخلط الذي ينبغي تصحيحه.
عندما يقول المسلم:
الله ليس جسمًا، وليس عضوًا، وليس كالمخلوقات، ولا تحيط به حدود المخلوقين وخصائصهم
فهو لا ينفي بذلك صفات الله تعالى، وإنما ينفي عنه خصائص المخلوقات.
والقرآن نفسه قرر أصل التنزيه فقال:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
فالله سبحانه ليس كمثله شيء، ولا يجوز أن تُفهم صفاته على النحو الذي تُفهم به صفات المخلوقين.
ولهذا قال الإمام الطحاوي في عقيدته:
«ليس في معناه أحدٌ من البرية، وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.»
وهذا يدل على حضور معنى التنزيه بقوة في كتب علماء أهل السنة.
🔹 رابعًا: وماذا عن اليد والوجه ونحوهما؟
هنا تأتي مسألة الصفات الخبرية، وهي من أشهر مواضع الخلاف بين علماء المسلمين.
فقد ورد في النصوص الشرعية ذكر ألفاظ مثل:
اليد، والوجه، والاستواء وغيرها.
واتفق أهل السنة على أن الله تعالى منزّه عن مشابهة المخلوقات وعن خصائص الأجسام والأعضاء والجوارح.
لكنهم اختلفوا في كيفية التعامل مع بعض هذه النصوص عند احتمال توهم معنى حسي لا يليق بالله تعالى.
فمنهم من اختار التفويض، ومنهم من اختار التأويل عند الحاجة والقرينة، ومنهم من اختار إثبات اللفظ والمعنى اللائق بالله مع نفي الكيفية والتشبيه.
وهنا ينبغي أن ننتبه:
الخلاف في طريقة فهم بعض نصوص الصفات لا يساوي الخلاف في أصل تنزيه الله وإثبات صفات الكمال له.
🔹 خامسًا: هل التأويل يعني تعطيل الصفة؟
ليس كل تأويلٍ تعطيلًا.
فالتعطيل هو نفي الصفة أو إنكارها، أما التأويل فهو حمل اللفظ على معنى تحتمله اللغة العربية وتقوم عليه قرينة معتبرة، بما يليق بجلال الله تعالى.
ولهذا فإن القول بأن:
«كل من أوّل فهو معطّل»
قول يحتاج إلى تفصيل.
فالذي يؤول لفظًا في موضعٍ ما مع إثبات كمال الله وتنزيهه عن مشابهة خلقه، لا يصح أن يُجعل تلقائيًا في زمرة من ينكر صفات الله.
والأدق أن يقال:
هناك خلاف بين علماء أهل السنة في بعض طرق التعامل مع نصوص الصفات الخبرية، وليس كل خلاف في التأويل خلافًا في إثبات صفات الله.
🔹 سادسًا: الأشاعرة يثبتون صفات الكمال
من المهم هنا إزالة الصورة النمطية التي تصور الأشاعرة وكأنهم ينفون صفات الله تعالى.
فالأشاعرة يثبتون لله تعالى صفات الكمال، ومن ذلك:
الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام وغيرها مما قرره علماء المذهب في كتبهم.
وقد نقل أبو الحسن الأشعري تقريره لإثبات صفات الله تعالى، ومن ذلك الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام.
فكيف يصح بعد ذلك إطلاق وصف «المعطلة» عليهم بإطلاق؟
إن كان المقصود بالتعطيل نفي صفات الله تعالى وإنكارها، فهذا ليس وصفًا دقيقًا لمذهب الأشاعرة.
أما إذا كان المقصود أنهم لا يحملون بعض نصوص الصفات على ظاهرٍ حسي، فهذه مسألة أخرى تتعلق بمنهجهم في التأويل والتنزيه، ولا يصح الخلط بينها وبين إنكار صفات الله.
🔹 سابعًا: بين التشبيه والتعطيل طريق أهل السنة
المشكلة تبدأ عندما يُجعل المسلم أمام خيارين فقط:
إما أن تثبت المعنى الحسي، وإما أنك معطّل!
وهذا تقسيم غير لازم.
فالقرآن جمع بين الأمرين في قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
فلا تشبيه، ولا إنكار لصفات الكمال.
ومن هنا قرر علماء أهل السنة قاعدة جامعة:
إثباتٌ بلا تشبيه، وتنزيهٌ بلا تعطيل.
والأشاعرة حين ينزهون الله تعالى عن الجسمية والحدود والأعضاء وخصائص المخلوقات، لا يقصدون بذلك نفي صفات الكمال عنه سبحانه، وإنما يقصدون إثبات كماله وتنزيهه عن مشابهة خلقه.
🟨 الخلاصة
الأشاعرة لا ينكرون صفات الله تعالى ولا ينفون عنه صفات الكمال، وإنما يقررون تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات وخصائص الأجسام.
وإذا وقع الخلاف بينهم وبين غيرهم في بعض نصوص الصفات الخبرية، فذلك خلافٌ في طريقة الفهم والتفسير والتعامل مع النص، وليس بالضرورة خلافًا في أصل الإيمان بكمال الله وصفاته.
لذلك لا ينبغي أن تتحول كلمة «التأويل» إلى مرادف لكلمة «التعطيل»، ولا أن يتحول «التنزيه» إلى تهمة.
فالقاعدة التي ينبغي أن تبقى واضحة:
الأشاعرة لا يُعطِّلون صفات الله… بل يُنزِّهونه عن مشابهة المخلوقات.
والله تعالى أعلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق