السلفي المدخلي يعرف عشرات المجروحين… ولا يعرف إمام المذهب المالكي!
في إحدى السنوات الغابرة، التقيتُ رجلًا من المهتمين بالمنهج المدخلي، وكان قد رآني باللحية والثوب، فظن أنني من جماعته.
جلسنا نتحدث، ثم أخرج هاتفه، فإذا به ممتلئ بمقاطع التجريح والتحذير من الأشخاص.
أسماء كثيرة لم أكن أعرف بعضها أصلًا:
فلان العنابي، وفلان الجلفاوي، وفلان التيارتي، وفلان المعسكري… وأسماء أخرى كثيرة.
فقلت له مازحًا:
— يبدو أنك متعمق جدًا في علم الجرح والتعديل!
ابتسم وقال بثقة:
— أنا لا أجرح أحدًا من عندي، وإنما أعتمد على التجريح المكتوب والموقَّع من المشايخ.
قلت:
— ومن هؤلاء المشايخ الذين يرسلون لك هذه التجريحات؟
فذكر لي أسماءً لم أسمع ببعضها من قبل، مع أنني أعرف شيئًا عن هذا التيار وأسماء كثير من رموزه.
فسألته:
— وهل هؤلاء جميعًا على منهج الشيخ ربيع المدخلي؟
قال:
— نعم، كلهم على منهج الشيخ ربيع حفظه الله.
قلت له:
— طيب، دعنا نترك التجريح قليلًا ونتحدث في العلم.
فقلت:
— ما رأيك في بعض المتعصبين للمذهب المالكي؟
قال فورًا:
— هؤلاء يزعمون أنهم على مذهب الإمام مالك، والإمام مالك بريء منهم!
قلت:
— وهل ترى أنهم أقرب إلى المذهب الشافعي؟
قال:
— هؤلاء من أهل الضلال، والمذاهب الأربعة بريئة منهم!
قلت:
— حسنًا… ولماذا يقال إن المذهب المالكي هو المذهب الغالب في الجزائر؟
نظر إليّ باستغراب وقال:
— أتهزأ بي؟ ألا تعرف السبب؟
قلت:
— لا، والله، لا أعرف.
قال بكل ثقة:
— لأن الإمام مالك جزائري!
توقفت قليلًا، ثم قلت:
— ماذا؟!
قال:
— الإمام مالك بن نبي جزائري.
قلت:
— لحظة يا أخي… أنا أسألك عن مالك صاحب المذهب المالكي، أحد الأئمة الأربعة!
قال:
— وهل يوجد اثنان اسمهما مالك؟ أليس مالك بن نبي هو صاحب المذهب المالكي؟
هنا أدركت أن الحوار أخذ منحى آخر تمامًا!
قلت له:
— يا أخي، مالك بن نبي مفكر جزائري معاصر، توفي سنة 1973م.
أما الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة وصاحب المذهب المالكي، فتوفي سنة 179هـ.
فسكت قليلًا.
فقلت له:
— إذا كنتَ منشغلًا إلى هذا الحد بأسماء المجروحين، وبمن قال في فلان، ومن بدَّع فلانًا، ومن حذَّر من فلان… ألا ترى أن الأولى أن تعرف شيئًا عن أئمة الإسلام الذين تتحدث عنهم وعن مذاهبهم؟
ثم قلت له:
— أنت تحفظ أسماء عشرات الأشخاص الذين جرى الكلام فيهم، لكنك لا تميز بين مالك بن أنس ومالك بن نبي!
فقال:
— أنا ملزم بمعرفة التوحيد، ولست ملزمًا بمعرفة تواريخ ولادة العلماء ووفاتهم.
قلت:
— جميل.
ولكن هل أنت ملزم أيضًا بمعرفة أسماء عشرات الأشخاص الذين تملأ بهم هاتفك من مقاطع التجريح والتحذير؟
وهل سيسألك الله عن التيارتي، والتيموشنتي، والورقلي، والسكيكدي، والعنابي، والسوقهراسي، ومن جرح فلانًا ومن رد على فلان؟
إن كان الجواب: لا…
فلماذا أخذتَ من وقتك واهتمامك ما لم تأخذه لكتب العلم؟!
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية:
ليست المشكلة أن الإنسان لا يعرف كل شيء؛ فهذا أمر طبيعي.
وإنما المشكلة أن يتحول الجهل بأصول العلم إلى ثقة واسعة في الحكم على العلماء والدعاة والناس.
أن يعرف المرء عشرات الأسماء في باب التجريح، ولا يعرف شيئًا يُذكر عن الفقه وأئمته وتاريخ المذاهب ومدارس العلم، ثم يتصدر للحكم على الناس!
هذه مفارقة تستحق التأمل.
ثم قال لي:
— يبدو أنك من أتباع الحلبي!
قلت:
— لا حلبي ولا مدخلي.
أنا أبحث عن الدليل، وأنتسب إلى الإسلام قبل كل هذه العناوين والتصنيفات.
ثم قلت له:
أنا لستُ في حاجة إلى أن أحشر نفسي في قائمة طويلة من الانتسابات حتى أعرف من أنا.
فلا أنا سلفي بالمعنى الحزبي الذي يريده بعض الناس، ولا مدخلي، ولا أشعري، ولا ماتريدي، ولا صوفي، ولا شيعي، ولا ناصبي، ولا جهمي، ولا معتزلي، ولا قدري، ولا جبري، ولا خارجي، ولا علماني، ولا تنويري، ولا تبليغي، ولا كرامي، ولا قرمطي، ولا باطني، ولا ظاهري، ولا مقلد متعصب، ولا صاحب حزب أو جماعة.
أنا مسلم.
وأعتني بالعلم والدليل، وأحاول أن أبني تصوري في مسائل العقيدة والفقه والمنهج على ما يظهر لي من الكتاب والسنة وفهم العلماء، بعيدًا عن تحويل الأسماء والأشخاص إلى معايير يُوالى ويُعادى الناس عليها.
ولي في هذا الباب مشروع علمي طويل، أعمل على جمعه وترتيبه في كتب مستقلة، بعد سنوات من الكتابة والبحث والنقاش.
وقد كتبت خلال هذه السنوات عشرات الآلاف من الصفحات، وما زلت أعمل على جمعها ومراجعتها وترتيبها بحسب الفنون والموضوعات.
والغاية ليست كثرة الصفحات، ولا التفاخر بعددها، وإنما أن يتحول هذا الجهد المتفرق إلى مشروع علمي مرتب يمكن قراءته ومراجعته والاستفادة منه.
الخلاصة
ليس العيب أن لا تعرف كل شيء.
العيب أن تجهل أصول العلم، ثم تتصدر للحكم على أهله.
وليس العيب أن لا تعرف تاريخ ولادة إمام من الأئمة.
لكن العجيب أن تجعل هاتفك مكتبةً لمقاطع التجريح، ثم تزعم أن معرفة أسماء المجروحين من العلم الذي لا غنى عنه!
فالعلم أوسع من قائمة طويلة من:
«فلان بدّع فلانًا»
«وفلان حذّر من فلان»
«وفلان رد على فلان»
«وفلان أسقط فلانًا».
العلم قرآن وسنة، وعقيدة وفقه، وأصول وتاريخ، ولغة، وفهم، ونظر، ومعرفة بأقوال العلماء ومناهجهم وسياقاتها.
أما أن تحفظ عشرات الأسماء في أبواب التجريح، ثم تخلط بين مالك بن أنس ومالك بن نبي…
فهنا يحق للمرء أن يتساءل:
هل نحن أمام طالب علمٍ يشتغل بالتجريح؟
أم أمام شخصٍ جعل التجريح نفسه علمًا؟
ملاحظة مهمة
القصة تحكي واقعة بعينها، والمقصود منها نقد ظاهرة أوسع:
أن ينشغل بعض المتصدرين بتفاصيل التصنيف والتجريح والهجر والتحذير، حتى يصبح هذا الباب هو معظم معرفتهم، بينما تظل أبواب العلم الأوسع — كالفقه والعقيدة وأصول الاستدلال وتاريخ العلماء — في الهامش.
فالمشكلة ليست في معرفة أخطاء الناس، وإنما في أن تصبح معرفة أخطاء الناس هي كل العلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق