الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

هل أنا أتبع الدليل فعلًا؟ أم أتبع الأشخاص الذين قيل لي إنهم يمثلون الدليل؟

 

كيف يُستقطب الناس إلى المدخلية؟

خطوات تبدأ بالثقة… وتنتهي بالتصنيف والهجر

ليس من الصعب أن تدخل إلى أي خطاب فكري أو ديني من بابٍ تحبه، ثم تجد نفسك بعد فترة تتبنى منظومته كاملة دون أن تشعر.

وهذا بالضبط ما ينبغي أن نتوقف عنده حين نناقش ظاهرة الاستقطاب المدخلي.

فالمشكلة ـ في نظر منتقدي هذا التيار ـ ليست فقط في بعض المسائل العلمية التي يختلفون فيها مع غيرهم، وإنما في الطريقة التي تُبنى بها القناعة لدى المتلقي: من تحديد من يستحق أن يسمعه، إلى تحديد من يسميه «عالمًا»، ثم من يحق له أن يزكي، ومن يجب التحذير منه، حتى يصبح المخالف في النهاية خارج دائرة الثقة.

وهنا يمكن ملاحظة عدد من المراحل المتكررة في هذا النوع من الخطاب.


أولًا: تضييق دائرة الاهتمام

من أبرز الملاحظات التي تُطرح على الخطاب المدخلي أنه لا يعطي المساحة نفسها لكل ميادين الدعوة والإصلاح.

فبدل أن يكون الاهتمام موزعًا بين:

  • دعوة غير المسلمين.

  • معالجة الإلحاد والشبهات.

  • مواجهة العلمانية.

  • الرد على إنكار السنة.

  • معالجة الانحرافات الأخلاقية.

  • دعوة العصاة إلى التوبة.

  • تعليم العوام أصول الدين والعبادة والأخلاق.

يتركز جزء كبير من الخطاب ـ بحسب منتقديه ـ على متابعة الدعاة والمشايخ والتيارات الإسلامية وتصنيفهم والحكم عليهم.

وهنا يبرز سؤال مهم:

إذا كان الهدف هو إصلاح الناس وهدايتهم، فلماذا تتحول طاقة كبيرة من العمل الدعوي إلى مراقبة الدعاة وتصنيفهم والتحذير منهم؟


ثانيًا: صناعة الفارق بين «الداعية» و«العالم»

تبدأ العملية أحيانًا من نقطة تبدو بسيطة:

«الشيخ الذي تستمع إليه ليس عالمًا، وإنما هو داعية أو واعظ.»

وقد يكون في هذا التفريق من حيث الأصل جانب علمي صحيح؛ فليس كل داعية فقيهًا، وليس كل واعظ متخصصًا في جميع العلوم.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التفريق العلمي إلى وسيلة لإسقاط الثقة عن مجموعة كاملة من الدعاة، ثم تقديم مجموعة أخرى باعتبارها وحدها تمثل العلماء وأهل الحق.

وهنا ينتقل السؤال من:

ماذا قال الرجل؟ وهل دليله صحيح؟

إلى:

هل هو من العلماء الذين نعتمدهم أصلًا؟

وهذا انتقال خطير؛ لأنه يجعل هوية المتكلم وانتماءه مقدمة على مناقشة كلامه ودليله.


ثالثًا: صناعة «المرجعية الكبرى»

بعد إقناع المتلقي بأن كثيرًا ممن كان يسمع لهم ليسوا علماء، يُقدَّم له شخص أو مجموعة من الأشخاص باعتبارهم أصحاب الاختصاص في:

الجرح والتعديل، ومعرفة الرجال، وكشف أهل البدع، وتمييز أهل السنة من غيرهم.

وهنا تبدأ نقطة التحول.

فالعامي الذي لم يكن يعرف أصلًا هذه المصطلحات يجد نفسه أمام منظومة جاهزة:

هؤلاء علماء.
وهؤلاء دعاة فقط.
وهؤلاء أهل بدع.
وهؤلاء يجب التحذير منهم.

ومع تكرار هذه التصنيفات، تتحول المسألة تدريجيًا من اجتهادات قابلة للنقاش إلى ما يشبه الحقائق القطعية في ذهن المتلقي.


رابعًا: ربط «السلفية» بأشخاص محددين

وهذه من أخطر المراحل.

فالعامي قد يبدأ بحب السلف الصالح، والتمسك بالكتاب والسنة، وتعظيم العلماء.

وهذه معانٍ عامة يشترك فيها المسلمون.

ثم يأتيه من يقول له بصورة غير مباشرة:

إذا أردت السلفية الحقيقية، فعليك أن تعرف هؤلاء المشايخ تحديدًا.

وبمرور الوقت يصبح هناك خلط بين أمرين مختلفين:

منهج السلف

و

اجتهادات جماعة معينة في فهم منهج السلف.

وهنا ينبغي أن نسأل:

هل السلفية اسم لاتباع الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح؟

أم أصبحت في بعض الخطابات المعاصرة اسمًا لاتباع مجموعة معينة من المشايخ ومواقفهم في الأشخاص والجماعات؟

هذه نقطة تحتاج إلى نقاش علمي مستقل، ولا يصح أن تُحسم بمجرد الشعارات.


خامسًا: بناء الألفة قبل طرح القضايا الخلافية

من الأساليب التي يمكن ملاحظتها في بعض عمليات الاستقطاب أن المتلقي لا يُبدأ معه مباشرة بأشد مسائل التصنيف والجرح.

بل يبدأ الأمر بمواد يحبها أصلًا:

العقيدة، التوحيد، أسماء الله وصفاته، شرح الحديث، الفقه، السيرة…

ثم يتعرف شيئًا فشيئًا على أسماء المشايخ وأصواتهم وطريقة خطابهم.

وبعد أن تتكون الثقة، يبدأ الانتقال إلى ملفات أكثر حساسية:

فلان مبتدع.
فلان حزبي.
فلان إخواني.
فلان سروري.
فلان قطبي.
فلان يجب التحذير منه.

وهنا تكون المشكلة أن المتلقي لم يعد يستقبل الحكم بوصفه دعوى تحتاج إلى دليل، وإنما بوصفه صادرًا عن الشخص الذي وثق به مسبقًا.


سادسًا: تحويل الخلاف السياسي والفكري إلى معيار للولاء والبراء

ومن القضايا التي تحتاج إلى مراجعة دقيقة أيضًا طريقة التعامل مع:

الإخوان المسلمين، والحاكمية، والعمل السياسي، والخلافة، والموقف من الحكام، والانتخابات وغيرها.

فالاختلاف في هذه الملفات يمكن أن يكون اختلافًا فكريًا أو فقهيًا أو سياسيًا، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الخلاف في قضية معينة إلى اختبار شامل لسلامة عقيدة الشخص ومنهجه.

فقد يصبح الحديث عن الحاكمية ـ مثلًا ـ كافيًا عند بعض الخطابات لإدخال صاحبه في تصنيفات معينة، بدل مناقشة ما يقصده بهذا المصطلح وما الدليل الذي يستند إليه.

وهنا ينبغي أن نفرق بين:

نقد الفكرة

و

إسقاط صاحب الفكرة بالكامل.


سابعًا: إعادة تفسير تجربة المتلقي السابقة

وهذه مرحلة شديدة التأثير.

فقد يكون الشاب قد استفاد من داعية معين، أو ترك بعض المعاصي بسبب مواعظه، أو تعلّم الصلاة والقرآن والسيرة على يديه.

ثم يأتيه من يقول:

«كل ما استفدته منه لا يعني أنه على المنهج الصحيح.»

ثم تبدأ عملية إعادة قراءة الماضي كله:

هذا الداعية كان إخوانيًا.

وهذا حزبي.

وهذا مبتدع.

وهذا عليه ملاحظات.

وهذا تكلم فيه العلماء.

ومع كثرة هذه الأحكام، قد يشعر المتلقي أن كل من وثق بهم سابقًا كانوا على خطأ، وأن المجموعة الجديدة وحدها تمثل الطريق الصحيح.

وهنا تتكون التبعية الفكرية بسهولة أكبر؛ لأن الإنسان لا يريد أن يشعر أنه عاش سنوات من عمره وهو يثق بأشخاص غير موثوقين.


ثامنًا: التزكيات… عندما تصبح بديلًا عن البحث

من أكثر الأدوات تأثيرًا في هذا المجال:

التزكية.

فلان زكاه الشيخ الفلاني.

والشيخ الفلاني زكاه العالم الفلاني.

وهذا العالم أثنى على فلان.

ثم تُجمع مجموعة من التزكيات لتكوين صورة ذهنية مفادها:

هؤلاء هم أهل العلم الذين ينبغي أن تسمع لهم.

لكن السؤال الأهم:

هل تزكية عالم لشخص تعني عصمته من الخطأ؟

وهل ثناء عالم عليه يعني أن كل آرائه صحيحة؟

وهل اختلاف عالم آخر معه يجعل أحد الطرفين مبتدعًا بالضرورة؟

الجواب يحتاج إلى تفصيل علمي، لأن التزكية ليست شهادة عصمة، والعالم قد يصيب ويخطئ، وقد يعرف من الرجل جانبًا ولا يعرف جوانب أخرى.


تاسعًا: صناعة الخوف من مخالفة الجماعة

بعد أن يقتنع المتلقي بمنظومة التصنيف، تأتي مرحلة أخرى:

الخوف من مخالفتها.

فإذا خالف أحدهم حكمًا صدر عن الشيخ أو المجموعة، قيل له:

أنت تدافع عن أهل البدع.

أنت متعصب.

أنت لا تعرف المنهج.

أنت تتلقى من أهل الأهواء.

ثم يبدأ الشخص في مراقبة كلماته ومواقفه؛ خشية أن يُصنَّف هو نفسه.

وهنا يتحول الأمر من قناعة علمية إلى نوع من الضغط النفسي والاجتماعي.

ويصبح السؤال:

«هل الدليل مع هذا القول؟»

أقل حضورًا من السؤال:

«ماذا سيقولون عني إذا خالفتهم؟»

وهذا هو الفارق بين اتباع الدليل وبين الخضوع لسلطة التصنيف.


عاشرًا: الهجر قبل الحوار

ومن أكثر المظاهر التي تستحق النقد:

أن يتحول الاختلاف في بعض الأحيان إلى هجر وتحذير قبل استكمال الحوار العلمي.

فبدل أن يكون الأصل:

ناقش الفكرة، طالب بالدليل، بيّن الخطأ، ثم احكم بالعدل.

يصبح المسار:

صنّف الشخص، ثم ارفض كلامه، ثم حذّر منه.

وعندها قد لا يسمع المتلقي كلام المخالف أصلًا؛ لأن الحكم عليه صدر قبل أن يقرأ له أو يستمع إليه.

وهذا يضعف القدرة على التمييز؛ لأن الإنسان لا يتعلم فقط من موافقيه، بل يتعلم أيضًا من معرفة حجج المخالفين والرد عليها بالعلم والإنصاف.


الخلاصة

المشكلة ليست في أن يكون للإنسان علماء يثق بهم، ولا في أن يحذر من خطأ أو بدعة، ولا في أن ينتقد جماعة أو منهجًا.

كل ذلك يمكن أن يكون مشروعًا إذا قام على:

العلم، والدليل، والعدل، والإنصاف.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول السلفية من اتباع الكتاب والسنة وفهم السلف إلى منظومة مغلقة يكون فيها:

العالم هو من وافق الجماعة،
والمبتدع هو من خالفها،
والتزكية دليلًا على الحق،
والجرح دليلًا على الباطل،
والتحذير بديلًا عن الحوار،
والتصنيف بديلًا عن دراسة الأفكار.

وهنا ينبغي للإنسان أن يتوقف ويسأل:

هل أنا أتبع الدليل فعلًا؟
أم أتبع الأشخاص الذين قيل لي إنهم يمثلون الدليل؟

وهل أستطيع أن أقرأ للمخالف مباشرة، وأفهم حجته، ثم أحكم عليها؟

أم أنني لا أملك إلا الحكم الذي نُقل إليّ عنه؟

إن السلفية الحقيقية ـ إن كان المقصود بها اتباع السلف الصالح ـ لا تحتاج إلى إغلاق العقول، ولا إلى صناعة الخوف من المخالف، ولا إلى تحويل العلماء والدعاة إلى معسكرات متصارعة.

اتبع الدليل… واعرف قدر العلماء… ولا تجعل أحدًا بعد رسول الله ﷺ ميزانًا مطلقًا للحق والباطل.

فالرجوع إلى الكتاب والسنة لا يعني إلغاء العقل، وتعظيم العلماء لا يعني عصمتهم، والتحذير من الخطأ لا يعني تحويل المخالف إلى عدو، والانتساب إلى السلف لا يمنح أحدًا احتكار اسم «السلفية».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق