العالم يُخطَّأ ولا يُسقط
منهج أهل السنة في التعامل مع أخطاء العلماء
ليست العصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ، والعالم يُخطَّأ ولا يُسقط، ويُردُّ خطؤه ولا تُهدر مكانته.
من أصول الإنصاف في التعامل مع العلماء أن ندرك حقيقةً لا ينبغي أن تغيب عن طالب العلم:
لا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ.
فالعالم مهما بلغ علمه وفضله واجتهاده، لا يسلم من الخطأ، وقد يصيب في مسائل ويخطئ في أخرى، وقد يخفى عليه من السنة ما ظهر لغيره، وقد يجتهد في مسألة فيوافق الحق تارة ويجانب الصواب تارة أخرى.
ولهذا فإن الخطأ لا يعني سقوط العالم، ولا يقتضي تبديعه أو هجره، ولا يبرر إسقاط علمه ومحو حسناته.
والموقف العادل هو:
نردُّ الخطأ، ولا نردُّ العالم.
ونبيّن الزلة، ولا نهدم المكانة.
ونترك متابعة الخطأ، ولا نترك الانتفاع بالصواب.
⚖️ العالم يُخطَّأ في خطئه، ويُنتفع بعلمه
إذا أخطأ العالم في مسألة، فلا يجوز أن يُتابع على خطئه لمجرد مكانته، كما لا يجوز في المقابل أن يتحول خطؤه إلى ذريعة للطعن فيه وإسقاطه.
فمن كان من العلماء قد مضى، استُفيد من علمه، وعُرف فضله، وحُذر من متابعة ما ظهر خطؤه فيه، ودُعي له وتُرحم عليه.
ومن كان حيًّا، نُبّه إلى خطئه بالعلم والرفق والأدب، ابتغاء رجوعه إلى الصواب، لا ابتغاء التشهير به وإسقاطه.
وهذا هو الإنصاف الذي يجمع بين حفظ مكانة العلماء، وعدم تقديس أقوالهم.
📚 أئمة كبار لم يمنع الخطأ من الانتفاع بعلمهم
من أوضح الأمثلة على ذلك أئمة كبار من أهل العلم، كالإمام البيهقي، والإمام النووي، والحافظ ابن حجر، مع ما وقع في بعض مسائل الاعتقاد أو غيرها من ملاحظات ناقشها العلماء.
ومع ذلك، لم يمنع ذلك أهل العلم من الانتفاع بكتبهم، والرجوع إلى مصنفاتهم، والإفادة من تحقيقاتهم.
الإمام البيهقي
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء في وصفه:
«هو الحافظ العلامة الثبت الفقيه شيخ الإسلام».
ووصف تصانيفه بأنها عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، وأثنى خصوصًا على كتابه السنن الكبرى، وبيّن مكانته العلمية في الحديث والفقه وعلل الحديث والجمع بين الروايات.
فهل يعني وجود ملاحظات على بعض اختياراته أن تُهدر هذه الثروة العلمية كلها؟
كلا.
بل يُنتفع بصوابه، ويُترك ما ظهر خطؤه فيه.
الإمام النووي
قال الذهبي في تذكرة الحفاظ واصفًا الإمام النووي بأنه:
«الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام، علم الأولياء، صاحب التصانيف النافعة».
وقال ابن كثير في البداية والنهاية في الثناء على تصانيفه، وخصَّ بالذكر شرح صحيح مسلم والروضة والمنهاج ورياض الصالحين والأذكار والمجموع وغيرها، وأثنى على تحقيقه وتحريره وفوائده العلمية.
ومع ذلك، لم يقل أهل السنة إن كل ما قرره النووي في كل مسألة حق لا يرد.
بل العالم يُحترم، ويُستفاد منه، ويُردُّ ما أخطأ فيه بالدليل.
الحافظ ابن حجر العسقلاني
ومن أئمة الحديث الذين لا يكاد طالب علم يستغني عن آثارهم:
الحافظ ابن حجر العسقلاني.
ومن أشهر كتبه فتح الباري، والإصابة في تمييز الصحابة، وتهذيب التهذيب، وتقريب التهذيب، ولسان الميزان، وبلوغ المرام وغيرها.
ومع مكانته العلمية، لا يقول أهل العلم إن ابن حجر معصوم من الخطأ، بل تُقبل إصابته، ويُناقش خطؤه، ويُنتفع بعلمه.
وهكذا يكون التعامل مع العلماء.
🕊️ وحتى الألباني لا يُردُّ علمه بسبب أخطائه
ومن العلماء المعاصرين الذين يبرز المثال في حقهم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، لما عُرف به من عناية واسعة بالحديث، وتحقيق الأسانيد، ودراسة الروايات.
وقد خالفه العلماء في عدد من المسائل، كما نوقشت له بعض الاختيارات الفقهية والحديثية، وهذا أمر طبيعي في مجال الاجتهاد والبحث العلمي.
لكن من الخطأ أن يتحول نقد بعض اختياراته إلى إهدار جميع جهوده الحديثية، كما أن من الخطأ أن يمنعنا احترام علمه من مناقشة ما نراه خطأً في اجتهاده.
وهنا تظهر قيمة القاعدة التي نُقلت عن الإمام مالك رحمه الله:
«كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرد، إلا صاحب هذا القبر»
وأشار إلى قبر النبي ﷺ.
فلا أحد بعد رسول الله ﷺ يُجعل قوله ميزانًا مطلقًا للحق والباطل.
⚖️ ماذا قال العلماء في اغتفار خطأ العالم؟
هذه ليست مجرد دعوى معاصرة، بل لها جذور واضحة في كلام أئمة الإسلام.
قال سعيد بن المسيب رحمه الله:
«ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله».
وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله:
«إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تذكر المحاسن».
وهذه قاعدة عظيمة في العدل والإنصاف.
فليس من الإنصاف أن تبحث عن زلة العالم، ثم تجعلها عنوانه الوحيد، وتنسى علمه وفضله وآثاره.
🕌 الإمام أحمد: الاختلاف لا يُسقط الإمام
قال الإمام أحمد رحمه الله في إسحاق بن راهويه:
«لا يعبر الجسر من خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء؛ فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا».
تأملوا هذا الفقه في التعامل مع العلماء:
الاختلاف موجود، والخلاف لا يعني إسقاط العالم.
فكم من إمام خالف إمامًا في مسائل، وبقيت منزلته محفوظة، واستمر الانتفاع بعلمه.
📖 ابن حبان: لا نترك الثقة بسبب أوهام
وقال أبو حاتم ابن حبان رحمه الله في بيان هذا المعنى:
«وليس من الإنصاف ترك حديث شيخ ثبت صحت عدالته بأوهام يهم في روايته».
ثم بيّن أن العلماء الكبار أنفسهم لم يكونوا معصومين من الوهم، وأن المنهج الصحيح هو قبول ما صح من روايات الثبت، وترك ما ظهر أنه وهم فيه، ما لم يفحش ذلك منه حتى يغلب على صوابه.
وهذه قاعدة مهمة جدًا:
لا يُترك العالم لمجرد وجود الخطأ، وإنما يُنظر في مقدار الخطأ وغلبته على الصواب.
🔎 ابن تيمية: قد يقع العالم في البدعة ولا يُجعل ذلك سببًا لإسقاطه
ومن أدق ما قيل في هذا الباب كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث بيّن أن المنتسبين إلى أئمة الدين ليسوا على درجة واحدة، وأن منهم من يخالف السنة في مسائل عظيمة، ومنهم من تكون مخالفته في أمور دقيقة.
وبيّن كذلك أن بعض أهل العلم قد يرد بدعة كبيرة، ثم يقع هو في خطأ أو بدعة أخف منها، وأن مثل هذا إذا لم يجعل ما ابتكره أصلًا يفرّق به جماعة المسلمين ويوالي ويعادي عليه، فإنه يكون من نوع الخطأ الذي يُغفر للمؤمن.
وقال رحمه الله:
«ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها لهم مقالات قالوها باجتهاد وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة».
ثم فرّق بين خطأ العالم واجتهاده وبين من يجعل المخالفة سببًا للتفرق والتبديع والتكفير والموالاة والمعاداة.
وهذا التفريق مهم للغاية.
🌿 ابن تيمية: المجتهد قد يقول البدعة ولا يعلم أنها بدعة
وقال رحمه الله:
«وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة».
ثم ذكر من أسباب ذلك الأحاديث الضعيفة التي ظنوها صحيحة، أو فهم بعض النصوص على غير مرادها، أو عدم بلوغ الدليل إليهم.
وهذا يؤكد أن مجرد وقوع العالم في قول غير صحيح لا يعني أنه متعمد لمخالفة السنة.
وقد يكون الرجل طالبًا للحق، مجتهدًا في طلبه، لكن لم يبلغه الدليل، أو بلغه وفهمه على وجه لم يكن هو المراد.
⭐ الذهبي يضع القاعدة بوضوح
ومن أجمل ما قاله الإمام الذهبي رحمه الله:
«ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه، وورعه واتباعه، يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه».
ثم قال:
«ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك».
وهذه العبارة تجمع المنهج كله:
نغفر الزلة، ولا نتبع الخطأ.
نحفظ المكانة، ولا نعصم العالم.
نذكر المحاسن، ولا نخفي الخطأ.
وقال أيضًا:
«ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له قمنا عليه وبدعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده ولا من هو أكبر منهما».
ثم قال:
«فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة».
وقال أيضًا:
«ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده، مع صحة إيمانه وتوخيه لإتباع الحق، أهدرناه وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا».
❤️ محبة العالم لا تعني قبول كل أقواله
وقال الذهبي رحمه الله:
«ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن».
وهذه من أعدل العبارات في الباب.
فليس أمامنا خياران فقط:
إما أن نقبل العالم بكل ما يقول، وإما أن نسقطه بكل ما فيه.
بل هناك طريق ثالث هو طريق أهل الإنصاف:
نقبل الحق، ونرد الخطأ، ونحفظ للعالم قدره.
⚔️ ابن القيم: لا نؤثم ولا نعصم
وقال ابن القيم رحمه الله:
«معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسله لا يوجب قبول كل ما قالوه».
ثم قال:
«فهذان طرفان جائران عند القصد، وقصد السبيل بينهما، فلا نؤثم ولا نعصم».
وهذه العبارة تصلح أن تكون قاعدة منهجية كبرى:
لا نؤثّم العالم لمجرد خطئه، ولا نعصمه من الخطأ.
ثم بيّن ابن القيم أن العالم الجليل قد تقع منه الهفوة والزلة، وقد يكون فيها معذورًا، بل مأجورًا على اجتهاده، وأن ذلك:
«لا يوجب أن تُهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين».
🌱 ابن رجب: المنصف يغتفر قليل الخطأ في كثير الصواب
وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
«ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه».
وهنا يصل المقال إلى جوهره:
المنصف لا يبحث عن زلة العالم ليهدم بها تاريخه كله.
بل ينظر إلى مجموع سيرته وعلمه وفضله واجتهاده، ويفرق بين خطأ عارض وبين منهج قائم على الانحراف.
🔴 فمتى يكون الخطأ خطأً، ومتى يتحول إلى منهج؟
ليس كل خطأ سواء.
فقد يخطئ العالم في مسألة، ويكون خطؤه ناشئًا عن اجتهاد أو تأويل أو عدم بلوغ الدليل.
وهذا شيء.
أما أن يجعل الإنسان الخطأ أصلًا يُوالى ويُعادى عليه، ويُفرَّق به بين المسلمين، ويُبدَّع ويُفسَّق المخالف من أجله، فهذا شيء آخر.
ولهذا ينبغي ألا تختلط علينا الأمور.
فالخطأ يُنظر فيه:
ما نوعه؟
وما سببه؟
وهل هو مسألة اجتهادية؟
وهل هو خطأ عارض أم أصل متكرر؟
وهل غلب على العالم صوابه أم خطؤه؟
وهل قصد مخالفة الدليل، أم اجتهد فأخطأ؟
وهل رجع إلى الحق عندما ظهر له؟
وهل تحولت المسألة إلى وسيلة للتبديع والهجر والتفريق؟
وهذه الأسئلة أدق بكثير من السؤال السطحي:
«هل أخطأ العالم؟»
لأن الجواب عن هذا السؤال غالبًا سيكون: نعم، أخطأ.
لكن السؤال الأهم:
كيف نتعامل مع خطئه؟
🧭 منهج أهل السنة ليس تقديس العلماء ولا إسقاطهم
ليس منهج أهل السنة أن نقول:
العالم أخطأ، إذن نتركه ونحذر منه ونهجره ونبدعه.
كما أنه ليس منهجهم أن يقولوا:
العالم إمام، إذن كل ما قاله حق.
بل المنهج العادل بين الطرفين:
نحترم العالم دون أن نعصمه.
ونرد الخطأ دون أن نسقط العالم.
وننتفع بالصواب دون أن نتبع الخطأ.
ونذكر المحاسن دون أن نخفي المآخذ.
وننقد القول بالدليل دون أن يتحول النقد إلى خصومة شخصية.
✨ الخلاصة
العلماء بشر، وليسوا أنبياء.
يُصيبون ويخطئون، ويجتهدون فيوافقون الحق أحيانًا ويجانبونه أحيانًا.
ومن الظلم أن تُهدر سنوات العلم، ومئات الكتب، وآلاف الفوائد، بسبب مسألة أخطأ فيها عالم.
كما أن من الظلم أن نجعل مكانة العالم مانعًا من بيان خطئه.
والعدل هو أن نعطي كل جانب حقه:
نعرف للعالم فضله، ونرد خطأه، ولا نقدس قوله، ولا نهدم مكانته.
فالحق أكبر من الرجال،
والرجال يُعرفون بالحق،
لكن الخطأ في مسألة لا يمحو الصواب في مسائل، والزلة لا تعني سقوط العالم.
رحم الله علماء الأمة جميعًا، وغفر لهم ما أخطؤوا فيه، ونفعنا بما تركوا من العلم والهدى، ووفقنا إلى العدل والإنصاف، وأعاذنا من الهوى والتعصب والظلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق