الإسلام والمرأة: القوامة مسؤولية أم سلطة مطلقة على المرأة؟
من أكثر العبارات التي تتكرر عند الحديث عن المرأة في الإسلام:
«الإسلام جعل الرجل سيدًا على المرأة، وأعطاه سلطة مطلقة عليها باسم القوامة!»
ثم تُبنى على ذلك صورة كاملة للزواج الإسلامي، وكأن المرأة تدخل الزواج فتفقد استقلالها وشخصيتها، ويصبح الرجل صاحب القرار المطلق في حياتها.
لكن هل هذا هو معنى القوامة فعلًا؟
أم أن القوامة في الإسلام مفهوم مختلف تمامًا عن فكرة السيطرة المطلقة؟
أولًا: القوامة ليست امتلاكًا للمرأة
قال الله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
[النساء: 34]
فالآية لم تقل إن الرجل مالك للمرأة.
ولم تقل إن المرأة أصبحت جزءًا من ممتلكاته بمجرد الزواج.
بل تحدثت عن القوامة وربطتها في الآية بسببين:
المسؤولية
والإنفاق.
وهذا مهم جدًا لفهم طبيعة العلاقة الزوجية.
ثانيًا: القوامة مسؤولية قبل أن تكون صلاحية
القوامة في أصل معناها مرتبطة بالقيام على الشيء والرعاية والتدبير والمسؤولية.
ولهذا فإن اختزالها في كلمة:
«سلطة»
يُفقد المفهوم جزءًا أساسيًا من معناه.
فالرجل في الأسرة ليس مجرد صاحب أوامر، بل هو مطالب بالنفقة والرعاية وتحمل المسؤولية الأسرية.
ومن الخطأ أن تتحول القوامة إلى:
«أنا الرجل، إذن يجب أن تطيعيني في كل شيء».
فهذه ليست قاعدة شرعية مطلقة.
ثالثًا: القوامة لا تلغي شخصية المرأة
سبق أن رأينا أن المرأة في الإسلام لها:
ذمة مالية مستقلة.
حق التملك.
حق الميراث.
حق المهر.
حق الكسب المشروع.
أهلية دينية وأخلاقية.
حقوق زوجية مقررة.
فكيف يمكن أن نفهم القوامة على أنها إلغاء كامل لشخصية المرأة؟
القوامة لا تمحو هذه الحقوق.
والزواج لا يحول المرأة إلى شخص بلا إرادة أو أهلية.
رابعًا: الزواج في القرآن علاقة سكن ومودة ورحمة
قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
[الروم: 21]
لاحظوا الكلمات:
السكن.
المودة.
الرحمة.
هذه ليست لغة علاقة تقوم على الإهانة والإخضاع.
فالزواج في القرآن ليس معركة بين رجل يريد السيطرة وامرأة تحاول التخلص من سيطرته.
بل هو رابطة يفترض أن تقوم على السكن والمودة والرحمة.
خامسًا: القرآن يقرر المعاشرة بالمعروف
قال تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[النساء: 19]
وهذا أصل عظيم في العلاقة الزوجية.
فحتى مع وجود القوامة، يبقى الرجل مأمورًا بالمعاشرة بالمعروف.
وبالتالي لا يمكن أن تتحول القوامة إلى رخصة مفتوحة للظلم أو الإهانة أو العدوان.
القوامة لا تلغي المعروف.
بل القوامة نفسها لا تستقيم شرعًا إذا تحولت إلى ظلم.
سادسًا: الطاعة الزوجية ليست طاعة مطلقة
ومن الأخطاء الشائعة تصوير الزوجة في الإسلام وكأنها مطالبة بتنفيذ كل ما يطلبه الزوج مهما كان.
وهذا ليس صحيحًا.
فالطاعة في الإسلام ليست طاعة مطلقة لبشر.
وقد قرر الفقهاء قاعدة معروفة:
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
كما أن العلاقة الزوجية ليست تفويضًا للزوج كي يعتدي على حقوق زوجته أو يظلمها أو يجبرها على ما لا يجوز.
فالزواج عقد له حقوق وواجبات متبادلة.
سابعًا: الرجل أيضًا مقيّد بالواجبات
حين نتحدث عن القوامة، يجب ألا نذكر ما للرجل من مسؤولية دون أن نذكر ما عليه.
فالرجل مطالب بالنفقة.
ومطالب بحسن المعاشرة.
ومطالب بحفظ الحقوق.
ومطالب بالعدل في مواضعه.
ومطالب بعدم الظلم.
إذن القوامة ليست:
«حقوق للرجل وواجبات على المرأة فقط».
بل هي جزء من منظومة فيها حقوق وواجبات متبادلة.
ثامنًا: القوامة ليست مبررًا للعنف
وهذه نقطة لا بد من توضيحها.
لا يجوز أن تتحول القوامة إلى شعار لتبرير الإهانة أو التعنيف أو الاستبداد.
فقد أمر الله بالمعاشرة بالمعروف، وجعل الزواج قائمًا على المودة والرحمة.
ولهذا فإن كل ممارسة ظالمة ينبغي أن تُبحث في ضوء النصوص الشرعية والأحكام الفقهية والوقائع، لا أن تُبرر تلقائيًا بمجرد رفع شعار:
«أنا ولي الأمر في البيت».
فالمسؤولية لا تعني أن المسؤول فوق المحاسبة.
هل يعني هذا أن الرجل والمرأة متطابقان في كل شيء؟
لا.
وهنا نعود إلى القضية التي ناقشناها في المقال السابق:
المساواة ليست دائمًا تطابقًا.
فالإسلام يقرر اختلاف بعض المسؤوليات بين الرجل والمرأة، لكنه لا يجعل هذا الاختلاف دليلًا على أن أحدهما أقل قيمة إنسانية.
والأسرة تحتاج إلى توزيع للمسؤوليات.
فكما أن المؤسسات تحتاج إلى مسؤوليات مختلفة، تحتاج الأسرة أيضًا إلى تنظيم يقوم على التعاون وتحمل الأعباء.
لكن الفرق أن المسؤولية هنا لا ينبغي أن تتحول إلى استبداد.
تاسعًا: القوامة ليست تفوقًا مطلقًا للرجل
من الخطأ أن يُفهم قوله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
على أنه إعلان بأن كل رجل أفضل من كل امرأة.
فالقرآن نفسه يقول:
﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
ولم يجعل التفاضل بين جميع الرجال وجميع النساء قاعدة مطلقة في كل صفات الحياة.
بل ميزان الكرامة عند الله هو التقوى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
فالقوامة وظيفة ومسؤولية أسرية، وليست شهادة بأن الرجل أرقى إنسانيًا من المرأة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول القوامة إلى «ثقافة ذكورية»
وهنا يجب أن نفرق بين:
القوامة الشرعية
وبين:
الممارسات الاجتماعية التي تُنسب إليها.
قد يستخدم بعض الرجال مفهوم القوامة لتبرير التحكم في مال الزوجة، أو منعها من حقوقها، أو إهانتها، أو التحكم في كل تفاصيل حياتها.
لكن لا يصح أن ننسب كل هذه الممارسات إلى الإسلام لمجرد أن أصحابها يستخدمون المصطلح الديني.
كما لا يصح أن نأخذ أخطاء بعض المسلمين معيارًا للحكم على التشريع نفسه.
القوامة شراكة في المسؤولية وليست إلغاءً للمرأة
الأسرة الناجحة لا تقوم على سؤال:
«من ينتصر؟ الرجل أم المرأة؟»
بل على سؤال:
«كيف يتحمل كل طرف مسؤوليته ويحفظ حق الآخر؟»
ولهذا فإن العلاقة الزوجية في التصور الإسلامي ليست صراعًا على السلطة، وإنما عقد له حقوق وواجبات، ومقصدُه السكن والمودة والرحمة.
والقوامة، عندما تُفهم في إطارها الصحيح، تعني تحمل المسؤولية لا امتلاك الإنسان.
الخلاصة
القول:
«القوامة تعني أن الرجل يملك سلطة مطلقة على المرأة»
ليس هو الفهم الذي تعطيه المنظومة القرآنية للعلاقة الزوجية.
القوامة مرتبطة بالمسؤولية والنفقة والرعاية والتدبير الأسري، ولا تلغي شخصية المرأة ولا ذمتها المالية ولا حقوقها.
والزواج في القرآن يقوم على:
السكن.
والمودة.
والرحمة.
والمعاشرة بالمعروف.
ولهذا فإن القوامة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للظلم أو الإهانة أو الاستبداد.
فالزوج ليس مالكًا لزوجته، والزوجة ليست مملوكة لزوجها.
إنما هما طرفان في عقد شرعي، لكل منهما حقوق وعليه واجبات، مع اختلاف بعض المسؤوليات بينهما.
فالقوامة في ميزان الإسلام مسؤولية تُحمِّل الرجل أعباءً… وليست سلطة تمنحه حق إلغاء المرأة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق