التقييم
والتعامل
نقصد بالتقييم : وزن الأمر وتقييمه وإعطائه الوصف المناسب والمطابق له
وبيان حاله وهل هو حق أم باطل أو صواب أم خطأ لتتضح حقيقته وتتبيّن .
فيكون المرء على بيّنة من أمره فلا تختلط عليه الأمور ولا تتيه عنه الحقائق
، ومن ثم يعلم الصواب من الخطأ والحق من الباطل
.
( كَذَلِكَ نُفَصِّلُ
الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) ( [1] ) .
[ أي : نوضحهـا
ونبينهـا ، ونميز بين طريـق الهدى من الضلال ، والغي والرشاد ، ليهتدي بذلك
المهتدون ، ويتبين الحق الذي ينبغي سلوكه .
{ وَلِتَسْتَبِينَ
سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } الموصلة إلى سخط الله وعذابه ، فإن سبيل المجرمين إذا
استبانت واتضحت ، أمكن اجتنابها ، والبعد منها ، بخلاف ما لو كانت مشتبهة ملتبسة ،
فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل ] ([2])
.
أمّا التعامل فنقصد به : كيفية التعامل مع المقابل من الودّ والبر واللين ،
أو الخشونة والإقبال إليه أو الإعراض عنه .
فهذا التعامل لا يُبنى على التقييم .
بمعنى : لا يلزم – إن كان الإنسان الذي أتعامل معه على خطأ وباطل – أن يكون
تعاملي معه – دائماً – بالخشونة والإعراض .
وأنه إن كان على صواب وحق أن يكون تعاملي معه – دائماً – بالإقبال واللين !
فالتعامل لا يُبنى على التقييم .
بل التعامل يُبنى على الحكمة والمصلحة الحقيقية للإسلام ، بعيدة عن حظوظ
النفس وهواها .
مثال للتقييم وعدم بناء التعامل عليه
ولتوضيح الفرق بين التقييم والتعامل هو – كمثال – قول الله تعالى :
( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ
لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ .
وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا
مَعْرُوفًا )
([3])
.
فال الحافظ إبن كثير رحمه الله :
[ أَيْ : إِنْ
حَرَصَا عَلَيْكَ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ تُتَابِعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا ،
فَلَا تَقْبَلْ مِنْهُمَا ذَلِكَ ، وَلَا يمنعنَّك ذَلِكَ مِنْ أَنْ
تُصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا
] ([4]) .
[ ما الفرق
بين ( إحساناً ) و ( حُسناً ) ؟ الفرق أن الإحسان مصدر أحسن ، وأحسن حدث ، تقول :
أحسن فلان إحساناً .
أما
حُسناً فمن الحسن وهو المصدر الأصيل لهذه المادة كما تقول : فلان عادل ، فوصفته
بالعدل ، فإنْ أردتَ أنْ تبالغ في هذا الوصف تقول : فلان عَدْل أي : في ذاته ، لا
مجرد وَصْف له.
إذن :
فحُسْناً آكد في الوصف من إحساناً ، فلماذا جاءت في هذه الآية بالذات : { وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً
. . . } [ العنكبوت :
8 ]
قالوا
: لأن هذه الآية تتعرض لمسألة صعبة تمسُّ قمة العقيدة ، فسوف يطلب الوالدان من
الابن أنْ يشرك بالله .
لذلك
احتاج الأمر أنْ نوصي الابن بالحُسْن في ذاته ، وفي أسمى توكيداته فلم يقُلْ هنا (
إحْسَاناً ) إنما قال ( حُسْناً ) حتى لا يظن أن دعوتهما إياه إلى الشرك مبرر لإهانتهما
، أو التخلي عنهما ؛ لذلك يُعلِّمنا ربنا :
{ فَلاَ
تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً } ] ([5])
.
[ ولما أمر
بالقيام بحقه ، بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد ، أمر بالقيام بحق
الوالدين فقال : { وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ }
أي :
عهدنا إليه ، وجعلناه وصية عنده ، سنسأله عن القيام بها ، وهل حفظها أم لا ؟
فوصيناه
{ بِوَالِدَيْهِ } وقلنا له : { اشْكُرْ لِي } بالقيام بعبوديتي ، وأداء حقوقي ،
وأن لا تستعين بنعمي على معصيتي .
{ وَلِوَالِدَيْكَ
} بالإحسان إليهما بالقول اللين ، والكلام اللطيف ، والفعل الجميل ، والتواضع لهما
، وإكرامهما وإجلالهما ، والقيام بمئونتهما واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه ،
بالقول والفعل .
فوصيناه
بهذه الوصية ، وأخبرناه أن { إِلَيَّ الْمَصِيرُ }
أي :
سترجع أيها الإنسان إلى من وصاك ، وكلفك بهذه الحقوق ، فيسألك : هل قمت بها ،
فيثيبك الثواب الجزيل ؟ أم ضيعتها ، فيعاقبك العقاب الوبيل ؟ .
ثـم
ذكر السبب الموجب لبر الوالدين فـي الأم ، فقال : { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا
عَلَى وَهْنٍ } أي : مشقة علـى مشقة ، فلا تزال تلاقي المشاق ، من حين يكون نطفة ،
من الوحم ، والمرض ، والضعف ، والثقل ، وتغير الحال ، ثم وجع الولادة ، ذلك الوجع
الشديد .
ثم { فِصَالُهُ
فِي عَامَيْنِ } وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها ، أفما يحسن بمن تحمل على
ولده هذه الشدائد ، مع شدة الحب ، أن يؤكد على ولده ، ويوصي إليه بتمام الإحسان
إليه ؟
{ وَإِنْ
جَاهَدَاكَ } أي : اجتهد والداك { عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا } ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما ، لأن حق الله ،
مقدم على حق كل أحد ، و " لا طاعة لمخلوق ، في معصية الخالق "
ولم
يقل : " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فعقهما " بل قال :
{ فَلا تُطِعْهُمَا } أي : بالشرك ،
وأما
برهما ، فاستمر عليه ، ولهذا قال : { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا }
أي : صحبة إحسان إليهما بالمعروف ، وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي ، فلا
تتبعهما ] ([6]) .
فالتقييم – في هذه الآية الكريمة : أنّ الوالدان مشركان ، ليس هذا فحسب بل
يجاهدان ولدهما – جهاداً – أن يشرك هو
أيضاً فيصبح مثلهما !
فالوالدان كافران مشركان غاليان في الشرك غلواً جعلهما يناضلان أن يشرك
ولدهما أيضاً .
هذا من ناحية التقييم .
أما من ناحية التعامل : فقد أمر الله تعالى ولدهما بمصاحبتهما في الدنيا
بالمعروف والإحسان .
فتعاملهما لا يُبنى على تقييمهما !
التقييم والتعامل مع اليهود والنصارى
ويقول الله تعالى عن أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) :
( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى
حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ([7])
.
[ قَالَ ابْنُ
جَرِيرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ
الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } وَلَيْسَتِ
الْيَهُودُ - يَا مُحَمَّدُ - وَلَا النَّصَارَى بِرَاضِيَةٍ عَنْكَ أَبَدًا ،
فَدَعْ طَلَبَ مَا يُرْضِيهِمْ وَيُوَافِقُهُمْ ، وَأَقْبِلْ عَلَى طَلَبِ رِضَا
اللَّهِ فِي دُعَائِهِمْ إِلَى مَا بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ ] ([8]) .
ويقول تعالى : ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ
آمَنُوا الْيَهُودَ ) ([9]) .
[ العداوة
: بغض نفسي تجعل صاحبها بعيداً ممن يعاديه فلا يصله بخير ، ولا يقربه بمودة ، وقد
تحمله على إرادة الشر بالعدو . . .
أمـا
اليهود فلمـا توارثوه خَلفـاً عن سلف من إنكار الحق . والوقوف في وجه دعـاته ، إضـافـة
إلـى أن أملهـم فـي إعـادة مجـدهم ودولتهم يتعارض مع الدعوة الإسلامية ] ([10])
[ يقول تعالى
في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين ، وإلى ولايتهم ومحبتهم ، وأبعدهم من ذلك :
{ لَتَجِدَنَّ
أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا
} فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين ، وأكثرهم
سعيا في إيصال الضرر إليهم ، وذلك لشدة بغضهم لهم ، بغيا وحسدا وعنادا وكفرا ] ([11])
.
فهذا
من ناحية التقييم ؛ حيث أخبر الله تعالى نبيّه r
أنّ اليهود والنصارى لن يرضوا عنه حتى يتّبع ملّتهم ، فليعلم هذا جيّداً ، وليقطع
أمله وطمعه في ذلك ، ويرتاح ولا يذهب نفسه حسراتٍ عليهم !
بينما
يقول الله تعالى في آية أخرى :
( الْيَوْمَ أُحِلَّ
لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ
وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) ([12])
[ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْعُلَمَاءُ فِي
قوله : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ }
هَلْ يَعُمُّ كُلَّ كِتَابِيَّةٍ عَفِيفَةٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً
؟
حَكَاهُ
ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ ، مِمَّنْ فَسَّرَ الْمُحْصَنَةَ
بِالْعَفِيفَةِ .
وَقِيلَ
: الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ هَاهُنَا الْإِسْرَائِيلِيَّاتُ ، وَهُوَ
مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَقِيلَ
: الْمُرَادُ بِذَلِكَ : الذِّمِّيَّاتُ دُونَ الْحَرْبِيَّاتِ ؛ لِقَوْلِهِ : { قَاتِلُوا
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ
مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [ التَّوْبَةِ
: 29 ]
وَقَدْ
كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يَرَى التَّزْوِيجَ بِالنَّصْرَانِيَّةِ ،
وَيَقُولُ : لَا أَعْلَمَ شِرْكًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَقُولَ : إِنَّ رَبَّهَا
عِيسَى ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ
حَتَّى يُؤْمِنَّ } الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 221 ] .
وَقَالَ
ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ
سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبُ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ - يَعْنِي
المُزَنِيّ- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَمِيع ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ
الْغِفَارِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : {
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } قَالَ : فَحَجَزَ النَّاسُ
عَنْهُنَّ حَتَّى نَزَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } فَنَكَحَ النَّاسُ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ
الْكِتَابِ.
وَقَدْ
تَزَوَّجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ نِسَاءِ النَّصَارَى وَلَمْ يَرَوْا
بِذَلِكَ بَأْسًا ، أَخْذًا بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ] ([13])
.
[ أي : في هذا اليوم
الذي أكمل الله تعالى لكم فيه الدين أحل لكم ما سألتم عنه وهو سائر الطيبات ،
وكذا
طعام الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وهم اليهود والنصارى خاصة فطعامهم ، أي :
ذبائحهم حل لكم ، وطعامكم حل لهم ،
أي :
لا بأس أن تطعموهم من طعامكم فإن ذلك جائز لكم ولهم .
وأحل
لكم أيضاً نكاح المحصنات ، أي : العفائف من المؤمنات ، والمحصنات من نساء الذين
أوتوا الكتاب من قبلكم وهن العفائف من اليهوديات والنصرانيات ،
على
شرط إتيانهن أجورهن ، أي : مهورهن حال كونكم محصنين ، أي: عاقدين عليهن عقدة
النكاح المتوقفة على المهر والولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول ] ([14])
.
ذلك كان من باب
التقييم وبيان الحقيقة ، والموقف هنا موقف التعامل ، وهما مختلفان ، فلا يجوز
أبداً خلط الأمور وبناء التعامل على التقييم .
بمعنى : لا يجوز
أن يتّخذ منهم موقف الشدّة والقسوة والحقد والبغضاء – بناء على موقفهم هم منّا ،
اللهم إلّا في حال الحرب وفي ساحات الوغى .
ولا يجوز ضرب
الآيات القرآنية بعضها في بعض – نتيجة الخلط وعدم الفهم !
( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ
كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ([15])
فهمٌ سديدٌ في
القمة !
ولزيادة بيان هذا
الموضوع – الفرق بين التقييم والتعامل – ولعدم وضوح الرؤية عند بعض مَن ينتقد
الشهيد سيّد قطب رحمه الله ، سننقل كلاماً
رائعاً للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي – يبيّن المسألة فيه ويوضحها ويفرّق بين الأمرين .
يقول العلّامة
يوسف القرضاوي :
[ إن القرآن الكريم قد وضع دستور العلاقة بين
المسلمين وغيرهم في آيتين من كتاب الله تعالى في سورة الممتحنة ، وقد نزلت في شأن
المشركين الوثنيين ،
فقال تعالى :
" لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن
تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *
إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ
وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن
تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " (الممتحنة : 8 – 9 )
ففرقت الآيتان بين
المسالمين للمسلمين والمحاربين لهم .
فالأولون ( المسالمون
) شرعت الآية الكريمة برهم والاقساط إليهم ،
والقسط يعني :
العدل ، والبر يعني : الإحسان والفضل ، وهو فوق العدل ،
العدل : أن تأخذ
حقك ، والبر : أن تتنازل عن بعض حقك .
العدل أو القسط :
أن تعطي الشخص حقه لا تنقص منه .
والبر : أن تزيده
على حقه فضلا وإحسانا .
وأما الآخرون
الذين نهت الآية الأخرى عن موالاتهم ، فهم الذين عادوا المسلمين وقاتلوهم ،
وأخرجوهم من أوطانهم بغير حق ، إلا أن يقولوا : ربنا الله ، كما فعلت قريش ومشركو
مكة بالرسول وأصحابه .
وقد اختار القرآن
للتعامل مع المسالمين كلمة ( البر ) حين قال : " أن تبروهم " وهي الكلمة
المستخدمة في أعظم حق على الإنسان بعد حق الله تعالى ، وهو ( بر الوالدين ) .
وقد روى الشيخان
عن أسماء بنت أبي بكر أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول
الله ، إن أمي قدمت علي وهي مشركة ، وهي راغبة ( أي في صلتها والإهداء إليها )
أفأصلها ؟
قال : " صلي
أمك " ([16])
.
هذا وهي مشركة ،
ومعلوم أن موقف الإسلام من أهل الكتاب أخف من موقفه من المشركين الوثنيين .
حتى إن القرآن
أجاز مؤاكلتهم ومصاهرتهم ،
بمعنى : أن يأكل
من ذبائحهم ويتزوج من نسائهم ،
كما قال تعالى في سورة
المائدة : " وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ " ( المائدة : 5 ) ،
ومن لوازم هذا الزواج وثمراته : وجود المودة بين
الزوجين ([17])
،
كما قال تعالى :
" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا
لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً " ( الروم:21 ) .
وكيف لا يود الرجل
زوجته وربة بيته وشريكة عمره ، وأم أولاده ؟
وقد قال تعالى في
بيان علاقة الأزواج بعضهم ببعض : " هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ " ( البقرة :187) ،
ومن لوازم هذا الزواج وثمراته : المصاهرة بين
الأسرتين ، وهي إحدى الرابطتين الطبيعيتين الأساسيتين بين البشر ، كما أشار القرآن
بقوله :
" وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ
نَسَبًا وَصِهْرًا " ( الفرقان : 54 ) .
ومن لوازم ذلك :
وجود الأمومة ومالها من حقوق مؤكدة على ولدها في الإسلام ،
فهل من البر والمصاحبة بالمعروف أن تمر مناسبة
مثل هذا العيد الكبير [ يقصد
مناسبة : عيد المسيح ] عندها ولا يهنئها به ؟
وما موقفه من
أقاربه من جهة أمه ، مثل الجد والجدة ، والخال والخالة ، وأولاد الأخوال والخالات ،
وهؤلاء لهم حقوق
الأرحام وذوي القربى ، وقد قال تعالى : " وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ " ( الأنفال :75 ) ، وقال تعالى : " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى " ( النحل : 91 ) .
فإذا كان حق
الأمومة والقرابة يفرض على المسلم والمسلمة صلة الأم والأقارب بما يبين حسن خلق المسلم
، ورحابة صدره ، ووفاءه لأرحامه ،
فإن الحقوق الأخرى
توجب على المسلم أن يظهر بمظهر الإنسان ذي الخلق الحسن ،
وقد أوصى الرسول
الكريم أباذر بقوله : " اتق الله حيثما كنت ، واتبع السيئة الحسنة تمحها ،
وخالق الناس بخلق حسن " . هكذا : " خالق الناس " ولم يقل : خالق
المسلمين بخلق حسن .
كمـا حث النبـيّ
صلـى الله عليه وسلم على ( الرفق ) في التعامل مع غير المسلمين ،
وحذر من ( العنف )
والخشونة في ذلك .
ولما دخل بعض
اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولووا ألسنتهم بالتحية ، وقالوا : ( السام )
عليك يا محمد ، ومعنى ( السام ) : الهلاك والموت ،
وسمعتهم عائشة ،
فقالت : وعليكم السام واللعنة يا أعداء الله ،
فلامها النبي صلى
الله عليه وسلم على ذلك ، فقالت : ألم تسمع ما قالوا يا رسول الله ؟
فقال :" سمعت
، وقلت : وعليكم " ، ( يعني: الموت يجري عليكم كما يجري علي ) يا عائشة : "
الله يحب الرفق في الأمر كله " ([18]) .
وتتأكد مشروعية
تهنئة القوم بهذه المناسبة إذا كانوا . . . يبادرون بتهنئة المسلم بأعياده
الإسلامية ،
فقد أمرنا أن
نجازي الحسنة بالحسنة ، وأن نرد التحية بأحسن منها ، أو بمثلها على الأقل ،
كما قال تعالى :
" وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ
رُدُّوهَا " ( النساء : 86 ) .
ولا يحسن بالمسلم
أن يكون أقل كرما ، وأدنى حظا من حسن الخلق من غيره ،
والمفروض أن يكون المسلم هو الأوفر حظا ،
والأكمل خلقا ،
كما جاء في الحديث
" أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا " ،
وكما قال عليه
الصلاة والسلام : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " .
وقد روي أن نصرانياً
قال : السلام عليكم ، فقال ابن عباس : وعليكم السلام ورحمة الله .
فقـال بعض أصحـابه
: تقول له : ورحمة الله ؟ ! فقال : أو ليس في رحمة الله يعيش ؟ !
ويتأكد هـذا إذا
أردنـا أن ندعوهم إلى الإسلام ونقربهم إليه ، ونحبب إليهم المسلمين ، فهذا لا
يتأتى بالتجافي بيننا وبينهم .
وقد كان النبي صلى
الله عليه وسلم ، حسن الخلق ، كريم العشرة ، مع المشركين من قريش ، طوال العهد
المكي ، مع إيذائهم له ، وتكالبهم عليه ، وعلى أصحابه .
حتى أنهم - لثقتهم
به عليه الصلاة والسلام - كانوا يودعون عنده ودائعهم التي يخافون عليها ، حتى أنه
صلى الله عليه وسلم ، حين هاجر إلى المدينة ، ترك عليا رضي الله عنه ، وأمره برد
الودائع إلى أصحابها .
أنا أعلم أن شيخ
الإسلام ابن تيمية قد شدد في مسألة أعياد المشركين وأهل الكتاب والمشاركة فيها ،
وذلك في كتابه القيم ( اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم ) .
وأنا معه في
مقاومة احتفال المسلمين بأعياد المشركين وأهل الكتاب ، كما نرى بعض المسلمين
يحتفلون بـ ( الكريسماس ) كما يحتفلون بعيد الفطر ، وعيد الأضحى ، وربما أكثر ،
وهذا ما لا يجوز ،
فنحن لنا أعيادنا ، وهم لهم أعيادهم ،
ولكن لا أرى بأسا
من تهنئة القوم بأعيادهم لمن كان بينه وبينهم صلة قرابة أو جوار أو زمالة ، أو غير
ذلك من العلاقات الاجتماعية ، التي تقتضي المودة وحسن الصلة ، التي يقرها العرف
السليم .
ولا يخفى أن شيخ
الإسلام قد أفتى في هذه القضية في ضوء أحوال زمنه ،
ولو عاش رضي الله
عنه في زمننا ورأى تشابك العلاقات بين الناس بعضهم وبعض ، وتقارب العالم حتى غدا
كأنه قرية صغرى ،
ورأى حاجة
المسلمين إلى التعامل مع غير المسلمين ، وأنهم أصبحوا أساتذة للمسلمين – للأسف -
في كثير من العلوم والصناعات ،
ورأى حاجة الدعوة
الإسلامية إلى الاقتراب من القوم ، وإظهار المسلم بصورة الرفق لا العنف ، والتبشير
لا التنفير ،
ورأى أن تهنئة
المسلم جاره أو زميله ، وأستاذه في هذه المناسبة لا تحمل أي رضا من المسلم عن
عقيدة المسيحي ، أو إقراره على كفره الذي يعتقده المسلم ،
بل لو رأى أن
المسيحي نفسه لم يعد يحتفل بهذه الأعياد على أنها عمل ديني يتقرب به إلى الله ، بل
إنه أصبح - في الأعم الأغلب - عرفا وعادة وطنية أو قومية تعودها الناس ليستمتعوا
فيها بالإجازة والطعام والشراب والهدايا المتبادلة بين الأهل والأصدقاء .
لو عاش ابن تيمية
إلى زمننا ورأى هذا كله ، لغير رأيه ([19])
- والله أعلم - أو خفف من شدته ، فقد كان رضي الله عنه يراعي الزمان والمكان
والحال في فتواه ] ([20])
.
وما له علاقة
بالتعامل أيضاً ما رواه أنس بن مالك t : أن غلامًا
يهوديًّا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض ،
فأتاه النبي صلى
الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له : " أسلم " . فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه ، فقال : أطع أبا
القاسم . فأسلم ،
فخرج النبي صلى
الله عليه وسلم من عنده وهو يقول : " الحمد لله الذي أنقذه بي من النار "
([21])
.
وهذا عبد الله بن
عمرو ذبح شاة ، فقال : أهديتم لجاري اليهودي ؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : " ما زال جبريل يوصيني بالجار ، حتى ظننت أنه سيورثه " ( [22] ) .
وقد رُوِي عن الشعبي أنه قال ليهودي : عليك
السلام ورحمة الله ؛ فقيل له تقول ليهودي : ورحمة الله ؟ فقال : أليس في رحمة الله
يعيش ( [23]
) .
فالقرآن الكريم قد
فرّق بين التقييم وبين التعامل ، والشهيد سيّد قطب رحمه الله قد عاش – مدة من
الزمان – في ظِلال القرآن الكريم وفسّر القرآن كاملاً ؛ ومن ضمنه آيات التقييم
وآيات التعامل .
ولهذا نرى بعض مَن
إذا قرأ للشهيد سيّد قطب رحمه الله تفسيره أو أقواله في باب التقييم حاكمه اعتمادا
على آيات التعامل وأبوابه ، فيظلم الشهيد ظلماً كبيراً ، ويتّهمه بقدان التوازن ،
ويصم بيانه المضيء بردّ الفعل القاسي على الضغوطات التي كانت تقع عليه رحمه الله !
!
بينما القرآن
الكريم واضحٌ جداً في تشديده وفضحه ووصم المخالفين والمنحرفين عنه بأشدّ الأوصاف
الواضحة الساطعة التي تظهر حقائقهم سافرة جليّة من غير خلط أو غموض أو لُبسٍ أو
غبشٍ ، وكلّ ذلك في باب التقييم ، وما فعله الشهيد ليس إلا تفسيراً لتلك الآيات
وإنزالها إلى عالم الواقع !
فلا يضع آيات
التقييم وأحكامه في محل آيات التعامل وأحكامه أو آيات التعامل في موضع آيات
التقييم إلّا مَن لم يكن الموضوع واضحاً عنده تمام الوضوح .
وحينئذٍ تختلط
الأمور ويُظلَم المصيب ويُتّهَم بِتُهَمٍ باطلة جائرة !
([17]) كيف يوفّق – مَن لا يفرّق بين التقييم والتعامل
– بين هذه المودّة بين الرجل المسلم وامرأته النصرانية أو اليهودية ، وبين وجوب
كره وبغض اليهود والنصارى وعدم التعامل معهم ولا تهنئتهم بأعيادهم ولا السلام
عليهم ؟ !
([19]) فالفتوى تتغيّر بتغيّر الزمان ، والمكان ،
والأشخاص ، والعرف والعوائد ، كما قرّر ذلك تلميذه إبن القيّم في كتابه ( إعلام
الموقعين عن رب العالمين ) ، رحمهما الله .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق