الأحد، 20 سبتمبر 2026

ماهو الفرق بين التقييم والتعامل في العلوم الشرعية !؟

 


التقييم والتعامل

نقصد بالتقييم : وزن الأمر وتقييمه وإعطائه الوصف المناسب والمطابق له وبيان حاله وهل هو حق أم باطل أو صواب أم خطأ لتتضح حقيقته وتتبيّن .

فيكون المرء على بيّنة من أمره فلا تختلط عليه الأمور ولا تتيه عنه الحقائق ، ومن ثم يعلم الصواب من الخطأ والحق من الباطل  .

(  كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ  ) ( [1] ) .

[  أي : نوضحهـا ونبينهـا ، ونميز بين طريـق الهدى من الضلال ، والغي والرشاد ، ليهتدي بذلك المهتدون ، ويتبين الحق الذي ينبغي سلوكه .

 

 

 

 

{ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } الموصلة إلى سخط الله وعذابه ، فإن سبيل المجرمين إذا استبانت واتضحت ، أمكن اجتنابها ، والبعد منها ، بخلاف ما لو كانت مشتبهة ملتبسة ، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل  ] ([2]) .

 

أمّا التعامل فنقصد به : كيفية التعامل مع المقابل من الودّ والبر واللين ، أو الخشونة  والإقبال إليه  أو الإعراض عنه .

 

 

 

 

فهذا التعامل لا يُبنى على التقييم .

 

 

 

بمعنى : لا يلزم – إن كان الإنسان الذي أتعامل معه على خطأ وباطل – أن يكون تعاملي معه – دائماً – بالخشونة والإعراض .

 

 

 

وأنه إن كان على صواب وحق أن يكون تعاملي معه – دائماً – بالإقبال واللين !

 

 

 

فالتعامل لا يُبنى على التقييم .

 

 

 

بل التعامل يُبنى على الحكمة والمصلحة الحقيقية للإسلام ، بعيدة عن حظوظ النفس وهواها .

 

مثال للتقييم وعدم بناء التعامل عليه

 

 

 

 

ولتوضيح الفرق بين التقييم والتعامل هو – كمثال – قول الله تعالى :

( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ .

وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا   ) ([3]) .

فال الحافظ إبن كثير رحمه الله :

 

 

 

 

                                            

[   أَيْ : إِنْ حَرَصَا عَلَيْكَ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ تُتَابِعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا ، فَلَا تَقْبَلْ مِنْهُمَا ذَلِكَ ، وَلَا يمنعنَّك ذَلِكَ مِنْ أَنْ تُصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ] ([4]) .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[   ما الفرق بين ( إحساناً ) و ( حُسناً ) ؟ الفرق أن الإحسان مصدر أحسن ، وأحسن حدث ، تقول : أحسن فلان إحساناً .

 

 

 

أما حُسناً فمن الحسن وهو المصدر الأصيل لهذه المادة كما تقول : فلان عادل ، فوصفته بالعدل ، فإنْ أردتَ أنْ تبالغ في هذا الوصف تقول : فلان عَدْل أي : في ذاته ، لا مجرد وَصْف له.

إذن : فحُسْناً آكد في الوصف من إحساناً ، فلماذا جاءت في هذه الآية بالذات :    { وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً . . . } [ العنكبوت : 8 ]

 

 

 

 

 

قالوا : لأن هذه الآية تتعرض لمسألة صعبة تمسُّ قمة العقيدة ، فسوف يطلب الوالدان من الابن أنْ يشرك بالله .

 

 

 

 

 

 

لذلك احتاج الأمر أنْ نوصي الابن بالحُسْن في ذاته ، وفي أسمى توكيداته فلم يقُلْ هنا ( إحْسَاناً ) إنما قال ( حُسْناً ) حتى لا يظن أن دعوتهما إياه إلى الشرك مبرر لإهانتهما ، أو التخلي عنهما ؛ لذلك يُعلِّمنا ربنا :

 

 

 

{ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً }  ] ([5]) .

 

[  ولما أمر بالقيام بحقه ، بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد ، أمر بالقيام بحق الوالدين فقال : { وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ }

 

 

 

 

أي : عهدنا إليه ، وجعلناه وصية عنده ، سنسأله عن القيام بها ، وهل حفظها أم  لا ؟

فوصيناه { بِوَالِدَيْهِ } وقلنا له : { اشْكُرْ لِي } بالقيام بعبوديتي ، وأداء حقوقي ، وأن لا تستعين بنعمي على معصيتي .

 

 

 

 

{ وَلِوَالِدَيْكَ } بالإحسان إليهما بالقول اللين ، والكلام اللطيف ، والفعل الجميل ، والتواضع لهما ، وإكرامهما وإجلالهما ، والقيام بمئونتهما واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه ، بالقول والفعل .

فوصيناه بهذه الوصية ، وأخبرناه أن { إِلَيَّ الْمَصِيرُ }

 

 

 

 

 

 

 

أي : سترجع أيها الإنسان إلى من وصاك ، وكلفك بهذه الحقوق ، فيسألك : هل قمت بها ، فيثيبك الثواب الجزيل ؟ أم ضيعتها ، فيعاقبك العقاب الوبيل ؟ .

 

 

 

 

ثـم ذكر السبب الموجب لبر الوالدين فـي الأم ، فقال : { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ } أي : مشقة علـى مشقة ، فلا تزال تلاقي المشاق ، من حين يكون نطفة ، من الوحم ، والمرض ، والضعف ، والثقل ، وتغير الحال ، ثم وجع الولادة ، ذلك الوجع الشديد .

ثم { فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها ، أفما يحسن بمن تحمل على ولده هذه الشدائد ، مع شدة الحب ، أن يؤكد على ولده ، ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه ؟

 

 

 

 

{ وَإِنْ جَاهَدَاكَ } أي : اجتهد والداك { عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا } ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما ، لأن حق الله ، مقدم على حق كل أحد ، و " لا طاعة لمخلوق ، في معصية الخالق "

 

 

 

ولم يقل : " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فعقهما " بل قال : { فَلا تُطِعْهُمَا } أي : بالشرك ،

 

 

 

 

 

وأما برهما ، فاستمر عليه ، ولهذا قال : { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } أي : صحبة إحسان إليهما بالمعروف ، وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي ، فلا تتبعهما ] ([6]) .

 

 

 

 

 

فالتقييم – في هذه الآية الكريمة : أنّ الوالدان مشركان ، ليس هذا فحسب بل يجاهدان  ولدهما – جهاداً – أن يشرك هو أيضاً فيصبح مثلهما !

 

 

 

 

 

فالوالدان كافران مشركان غاليان في الشرك غلواً جعلهما يناضلان أن يشرك ولدهما أيضاً .

 

 

 

هذا من ناحية التقييم .

 

 

 

 

 

أما من ناحية التعامل : فقد أمر الله تعالى ولدهما بمصاحبتهما في الدنيا بالمعروف والإحسان .

 

 

 

 

 

 

فتعاملهما لا يُبنى على تقييمهما !

 

 

 

 

 

 

التقييم والتعامل مع اليهود والنصارى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ويقول الله تعالى عن أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) :

 

 

 

 

 

(  وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ  ) ([7]) .

 

 

 

 

 

[   قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } وَلَيْسَتِ الْيَهُودُ - يَا مُحَمَّدُ - وَلَا النَّصَارَى بِرَاضِيَةٍ عَنْكَ أَبَدًا ، فَدَعْ طَلَبَ مَا يُرْضِيهِمْ وَيُوَافِقُهُمْ ، وَأَقْبِلْ عَلَى طَلَبِ رِضَا اللَّهِ فِي دُعَائِهِمْ إِلَى مَا بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ ] ([8]) .

 

 

 

 

 

 

 

 ويقول تعالى : ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ ) ([9]) .  

[ العداوة : بغض نفسي تجعل صاحبها بعيداً ممن يعاديه فلا يصله بخير ، ولا يقربه بمودة ، وقد تحمله على إرادة الشر بالعدو . . .

 

 

 

 

أمـا اليهود فلمـا توارثوه خَلفـاً عن سلف من إنكار الحق . والوقوف في وجه دعـاته ، إضـافـة إلـى أن أملهـم فـي إعـادة مجـدهم ودولتهم يتعارض مع الدعوة الإسلامية ] ([10])

 

[ يقول تعالى في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين ، وإلى ولايتهم ومحبتهم ، وأبعدهم من ذلك :

{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين ، وأكثرهم سعيا في إيصال الضرر إليهم ، وذلك لشدة بغضهم لهم ، بغيا وحسدا وعنادا وكفرا  ] ([11]) .

 

 

 

 

 

 

 

فهذا من ناحية التقييم ؛ حيث أخبر الله تعالى نبيّه r أنّ اليهود والنصارى لن يرضوا عنه حتى يتّبع ملّتهم ، فليعلم هذا جيّداً ، وليقطع أمله وطمعه في ذلك ، ويرتاح ولا يذهب نفسه حسراتٍ عليهم !  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بينما يقول الله تعالى في آية أخرى :

( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ) ([12])

 

[  اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْعُلَمَاءُ فِي قوله : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } هَلْ يَعُمُّ كُلَّ كِتَابِيَّةٍ عَفِيفَةٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً ؟

 

 

 

 

حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ ، مِمَّنْ فَسَّرَ الْمُحْصَنَةَ بِالْعَفِيفَةِ .

 

 

 

 

وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ هَاهُنَا الْإِسْرَائِيلِيَّاتُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .

 

 

 

 

 

وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ : الذِّمِّيَّاتُ دُونَ الْحَرْبِيَّاتِ ؛ لِقَوْلِهِ : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [ التَّوْبَةِ : 29 ]

 

 

 

 

وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يَرَى التَّزْوِيجَ بِالنَّصْرَانِيَّةِ ، وَيَقُولُ : لَا أَعْلَمَ شِرْكًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَقُولَ : إِنَّ رَبَّهَا عِيسَى ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 221 ] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبُ ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ - يَعْنِي المُزَنِيّ- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَمِيع ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } قَالَ : فَحَجَزَ النَّاسُ عَنْهُنَّ حَتَّى نَزَلَتِ الَّتِي بَعْدَهَا : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } فَنَكَحَ النَّاسُ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ.

وَقَدْ تَزَوَّجَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ نِسَاءِ النَّصَارَى وَلَمْ يَرَوْا بِذَلِكَ بَأْسًا ، أَخْذًا بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ  ] ([13]) .

[  أي : في هذا اليوم الذي أكمل الله تعالى لكم فيه الدين أحل لكم ما سألتم عنه وهو سائر الطيبات ،

 

 

 

 

وكذا طعام الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وهم اليهود والنصارى خاصة فطعامهم ، أي : ذبائحهم حل لكم ، وطعامكم حل لهم ،

 

 

 

 

أي : لا بأس أن تطعموهم من طعامكم فإن ذلك جائز لكم ولهم .

 

 

 

وأحل لكم أيضاً نكاح المحصنات ، أي : العفائف من المؤمنات ، والمحصنات من نساء الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وهن العفائف من اليهوديات والنصرانيات ،

 

 

 

على شرط إتيانهن أجورهن ، أي : مهورهن حال كونكم محصنين ، أي: عاقدين عليهن عقدة النكاح المتوقفة على المهر والولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول ] ([14]) .

 

ذلك كان من باب التقييم وبيان الحقيقة ، والموقف هنا موقف التعامل ، وهما مختلفان ، فلا يجوز أبداً خلط الأمور وبناء التعامل على التقييم .

 

 

 

بمعنى : لا يجوز أن يتّخذ منهم موقف الشدّة والقسوة والحقد والبغضاء – بناء على موقفهم هم منّا ، اللهم إلّا في حال الحرب وفي ساحات الوغى .

 

ولا يجوز ضرب الآيات القرآنية بعضها في بعض – نتيجة الخلط وعدم الفهم !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ([15])        

 

 

 

 

 

 

 

فهمٌ سديدٌ في القمة !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ولزيادة بيان هذا الموضوع – الفرق بين التقييم والتعامل – ولعدم وضوح الرؤية عند بعض مَن ينتقد الشهيد سيّد قطب رحمه الله ،  سننقل كلاماً رائعاً للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي – يبيّن  المسألة فيه ويوضحها ويفرّق بين الأمرين .    

 

 

 

 

يقول العلّامة يوسف القرضاوي :

 

 

 

 

 

 

[  إن القرآن الكريم قد وضع دستور العلاقة بين المسلمين وغيرهم في آيتين من كتاب الله تعالى في سورة الممتحنة ، وقد نزلت في شأن المشركين الوثنيين ،

 

 

 

 

فقال تعالى : " لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ  " (الممتحنة : 8 – 9 )

 

 

 

 

 

 

ففرقت الآيتان بين المسالمين للمسلمين والمحاربين لهم .

 

 

 

 

 

فالأولون ( المسالمون ) شرعت الآية الكريمة برهم والاقساط إليهم ،

 

 

 

 

 

والقسط يعني : العدل ، والبر يعني : الإحسان والفضل ، وهو فوق العدل ،

 

 

 

 

العدل : أن تأخذ حقك ، والبر : أن تتنازل عن بعض حقك .

 

 

 

 

 

العدل أو القسط : أن تعطي الشخص حقه لا تنقص منه .

 

 

 

والبر : أن تزيده على حقه فضلا وإحسانا .

 

 

 

 

وأما الآخرون الذين نهت الآية الأخرى عن موالاتهم ، فهم الذين عادوا المسلمين وقاتلوهم ، وأخرجوهم من أوطانهم بغير حق ، إلا أن يقولوا : ربنا الله ، كما فعلت قريش ومشركو مكة بالرسول وأصحابه .

 

 

 

 

 

 

وقد اختار القرآن للتعامل مع المسالمين كلمة ( البر ) حين قال : " أن تبروهم " وهي الكلمة المستخدمة في أعظم حق على الإنسان بعد حق الله تعالى ، وهو ( بر الوالدين ) .

 

 

 

 

 

وقد روى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن أمي قدمت علي وهي مشركة ، وهي راغبة ( أي في صلتها والإهداء إليها ) أفأصلها ؟

قال : " صلي أمك " ([16]) .

هذا وهي مشركة ، ومعلوم أن موقف الإسلام من أهل الكتاب أخف من موقفه من المشركين الوثنيين .

حتى إن القرآن أجاز مؤاكلتهم ومصاهرتهم ،

 

 

 

 

بمعنى : أن يأكل من ذبائحهم ويتزوج من نسائهم ،

 

 

 

 

 

كما قال تعالى في سورة المائدة : " وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ " ( المائدة : 5 ) ،

 ومن لوازم هذا الزواج وثمراته : وجود المودة بين الزوجين ([17]) ،

 

 

 

 

 

 

كما قال تعالى : " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً " ( الروم:21 ) .

 

 

 

 

 

وكيف لا يود الرجل زوجته وربة بيته وشريكة عمره ، وأم أولاده ؟

 

 

 

 

وقد قال تعالى في بيان علاقة الأزواج بعضهم ببعض : " هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ " ( البقرة :187) ،

 ومن لوازم هذا الزواج وثمراته : المصاهرة بين الأسرتين ، وهي إحدى الرابطتين الطبيعيتين الأساسيتين بين البشر ، كما أشار القرآن بقوله :

 

 

 

 

" وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا " ( الفرقان : 54 ) .

 

 

 

 

ومن لوازم ذلك : وجود الأمومة ومالها من حقوق مؤكدة على ولدها في الإسلام ،

 

 

 

 

 

 فهل من البر والمصاحبة بالمعروف أن تمر مناسبة مثل هذا العيد الكبير          [ يقصد مناسبة : عيد المسيح ] عندها ولا يهنئها به ؟

 

 

 

 

 

وما موقفه من أقاربه من جهة أمه ، مثل الجد والجدة ، والخال والخالة ، وأولاد الأخوال والخالات ،

وهؤلاء لهم حقوق الأرحام وذوي القربى ، وقد قال تعالى : " وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ " ( الأنفال :75 ) ، وقال تعالى : " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى " ( النحل : 91 ) .

 

 

 

فإذا كان حق الأمومة والقرابة يفرض على المسلم والمسلمة صلة الأم والأقارب بما يبين حسن خلق المسلم ، ورحابة صدره ، ووفاءه لأرحامه ،

 

 

 

فإن الحقوق الأخرى توجب على المسلم أن يظهر بمظهر الإنسان ذي الخلق الحسن ،

وقد أوصى الرسول الكريم أباذر بقوله : " اتق الله حيثما كنت ، واتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن " . هكذا : " خالق الناس " ولم يقل : خالق المسلمين بخلق حسن .

 

كمـا حث النبـيّ صلـى الله عليه وسلم على ( الرفق ) في التعامل مع غير المسلمين ،

وحذر من ( العنف ) والخشونة في ذلك .

 

 

 

 

ولما دخل بعض اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولووا ألسنتهم بالتحية ، وقالوا : ( السام ) عليك يا محمد ، ومعنى ( السام ) : الهلاك والموت ،

 

 

 

 

وسمعتهم عائشة ، فقالت : وعليكم السام واللعنة يا أعداء الله ،

 

 

 

 

فلامها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ، فقالت : ألم تسمع ما قالوا يا رسول الله ؟

فقال :" سمعت ، وقلت : وعليكم " ، ( يعني: الموت يجري عليكم كما يجري علي ) يا عائشة : " الله يحب الرفق في الأمر كله " ([18]) .

 

 

 

 

وتتأكد مشروعية تهنئة القوم بهذه المناسبة إذا كانوا . . . يبادرون بتهنئة المسلم بأعياده الإسلامية ،

 

 

 

فقد أمرنا أن نجازي الحسنة بالحسنة ، وأن نرد التحية بأحسن منها ، أو بمثلها على الأقل ،

كما قال تعالى : " وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا " ( النساء : 86 ) .

 

 

 

 

 

ولا يحسن بالمسلم أن يكون أقل كرما ، وأدنى حظا من حسن الخلق من غيره ،

 

 

 

 

 والمفروض أن يكون المسلم هو الأوفر حظا ، والأكمل خلقا ،

 

 

 

كما جاء في الحديث " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا " ،

 

 

 

 

 

وكما قال عليه الصلاة والسلام : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " .

 

 

 

 

 

وقد روي أن نصرانياً قال : السلام عليكم ، فقال ابن عباس : وعليكم السلام ورحمة الله .

فقـال بعض أصحـابه : تقول له : ورحمة الله ؟ ! فقال : أو ليس في رحمة الله يعيش ؟ !

ويتأكد هـذا إذا أردنـا أن ندعوهم إلى الإسلام ونقربهم إليه ، ونحبب إليهم المسلمين ، فهذا لا يتأتى بالتجافي بيننا وبينهم .

 

 

 

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ، حسن الخلق ، كريم العشرة ، مع المشركين من قريش ، طوال العهد المكي ، مع إيذائهم له ، وتكالبهم عليه ، وعلى أصحابه .

 

 

 

 

 

 

حتى أنهم - لثقتهم به عليه الصلاة والسلام - كانوا يودعون عنده ودائعهم التي يخافون عليها ، حتى أنه صلى الله عليه وسلم ، حين هاجر إلى المدينة ، ترك عليا رضي الله عنه ، وأمره برد الودائع إلى أصحابها .

 

 

 

أنا أعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد شدد في مسألة أعياد المشركين وأهل الكتاب والمشاركة فيها ، وذلك في كتابه القيم ( اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم ) .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وأنا معه في مقاومة احتفال المسلمين بأعياد المشركين وأهل الكتاب ، كما نرى بعض المسلمين يحتفلون بـ ( الكريسماس ) كما يحتفلون بعيد الفطر ، وعيد الأضحى ، وربما أكثر ،

وهذا ما لا يجوز ، فنحن لنا أعيادنا ، وهم لهم أعيادهم ،

 

 

 

 

ولكن لا أرى بأسا من تهنئة القوم بأعيادهم لمن كان بينه وبينهم صلة قرابة أو جوار أو زمالة ، أو غير ذلك من العلاقات الاجتماعية ، التي تقتضي المودة وحسن الصلة ، التي يقرها العرف السليم .

 

 

 

 

 

ولا يخفى أن شيخ الإسلام قد أفتى في هذه القضية في ضوء أحوال زمنه ،

 

 

 

 

ولو عاش رضي الله عنه في زمننا ورأى تشابك العلاقات بين الناس بعضهم وبعض ، وتقارب العالم حتى غدا كأنه قرية صغرى ،

 

 

 

ورأى حاجة المسلمين إلى التعامل مع غير المسلمين ، وأنهم أصبحوا أساتذة للمسلمين – للأسف - في كثير من العلوم والصناعات ،

 

 

 

ورأى حاجة الدعوة الإسلامية إلى الاقتراب من القوم ، وإظهار المسلم بصورة الرفق لا العنف ، والتبشير لا التنفير ،

 

 

 

 

ورأى أن تهنئة المسلم جاره أو زميله ، وأستاذه في هذه المناسبة لا تحمل أي رضا من المسلم عن عقيدة المسيحي ، أو إقراره على كفره الذي يعتقده المسلم ،

 

 

 

 

 

 

بل لو رأى أن المسيحي نفسه لم يعد يحتفل بهذه الأعياد على أنها عمل ديني يتقرب به إلى الله ، بل إنه أصبح - في الأعم الأغلب - عرفا وعادة وطنية أو قومية تعودها الناس ليستمتعوا فيها بالإجازة والطعام والشراب والهدايا المتبادلة بين الأهل والأصدقاء .

 

 

 

لو عاش ابن تيمية إلى زمننا ورأى هذا كله ، لغير رأيه ([19]) - والله أعلم - أو خفف من شدته ، فقد كان رضي الله عنه يراعي الزمان والمكان والحال في فتواه ] ([20]) .

 

وما له علاقة بالتعامل أيضاً ما رواه أنس بن مالك t : أن غلامًا يهوديًّا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض ،

 

 

 

فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له : " أسلم " .  فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه ، فقال : أطع أبا القاسم . فأسلم ،

 

 

 

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من عنده وهو يقول : " الحمد لله الذي أنقذه بي من النار " ([21]) . 

وهذا عبد الله بن عمرو ذبح شاة ، فقال : أهديتم لجاري اليهودي ؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما زال جبريل يوصيني بالجار ، حتى ظننت أنه سيورثه " ( [22] ) .

 وقد رُوِي عن الشعبي أنه قال ليهودي : عليك السلام ورحمة الله ؛ فقيل له تقول ليهودي : ورحمة الله ؟ فقال : أليس في رحمة الله يعيش ( [23] ) .

 

فالقرآن الكريم قد فرّق بين التقييم وبين التعامل ، والشهيد سيّد قطب رحمه الله قد عاش – مدة من الزمان – في ظِلال القرآن الكريم وفسّر القرآن كاملاً ؛ ومن ضمنه آيات التقييم وآيات التعامل .

ولهذا نرى بعض مَن إذا قرأ للشهيد سيّد قطب رحمه الله تفسيره أو أقواله في باب التقييم حاكمه اعتمادا على آيات التعامل وأبوابه ، فيظلم الشهيد ظلماً كبيراً ، ويتّهمه بقدان التوازن ، ويصم بيانه المضيء بردّ الفعل القاسي على الضغوطات التي كانت تقع عليه رحمه الله ! !

بينما القرآن الكريم واضحٌ جداً في تشديده وفضحه ووصم المخالفين والمنحرفين عنه بأشدّ الأوصاف الواضحة الساطعة التي تظهر حقائقهم سافرة جليّة من غير خلط أو غموض أو لُبسٍ أو غبشٍ ، وكلّ ذلك في باب التقييم ، وما فعله الشهيد ليس إلا تفسيراً لتلك الآيات وإنزالها إلى عالم الواقع !

  

فلا يضع آيات التقييم وأحكامه في محل آيات التعامل وأحكامه أو آيات التعامل في موضع آيات التقييم إلّا مَن لم يكن الموضوع واضحاً عنده تمام الوضوح .

وحينئذٍ تختلط الأمور ويُظلَم المصيب ويُتّهَم بِتُهَمٍ باطلة جائرة !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



( [1] )  الأنعام : 55 .

( [2] )  تفسير السعدي . ص 258 .

([3]) لقمان : 14 – 15 .

([4]) تفسير إبن كثير ( 6 / 337 ) .

([5]) تفسير الشعراوي – الخواطر : محمد متولي الشعراوي ( 19 / 11640 ) .

([6]) تفسير السعدي . ص 648 .

([7]) البقرة : 120 .

([8]) تفسير إبن كثير ( 1 / 402 ) .

([9]) المائدة : 82 .

([10]) أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير : أبو بكر الجزائري ( 2 /  4 - 5 ) .

([11]) تفسير السعدي . ص 241 .

([12]) المائدة : 5 .

([13]) تفسير إبن كثير ( 1 / 42 )

([14]) أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير : أبو بكر الجزائري ( 1 / 595 ) .

([15]) النساء : 82 .

([16]) متفق عليه .

([17]) كيف يوفّق – مَن لا يفرّق بين التقييم والتعامل – بين هذه المودّة بين الرجل المسلم وامرأته النصرانية أو اليهودية ، وبين وجوب كره وبغض اليهود والنصارى وعدم التعامل معهم ولا تهنئتهم بأعيادهم ولا السلام عليهم  ؟ !

([18]) متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (6024) ، ومسلم في السلام (2165) ، عن عائشة.

([19]) فالفتوى تتغيّر بتغيّر الزمان ، والمكان ، والأشخاص ، والعرف والعوائد ، كما قرّر ذلك تلميذه إبن القيّم في كتابه ( إعلام الموقعين عن رب العالمين ) ، رحمهما الله .

([20]) من هدي الإسلام ، فتاوى معاصرة ( 3 / 668 – 673 ) .

([21]) رواه البخاري في الجنائز (1356) ، عن أنس بن مالك.

([22]) رواه أحمد ( 6496 ) وقال مخرجوه : إسناده صحيح على شرط مسلم ، وأبو داود في الأدب ( 5152 ) ، والترمذي في البر والصلة ( 1943 ) وقال : حسن غريب . وقد روي هذا الحديث الوصية بالجار من طرق كثيرة ، وعن عدد من الصحابة ، وفي الشيخين وغيرهما .

([23]) تفسير الزمخشري ( 1 / 545 ) .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق