تلاعب المداخلة بمصطلح «الخوارج»…
حين يتحول الخلاف مع الحاكم إلى تهمة عقدية
من أكثر المصطلحات حضورًا في الخطاب المدخلي المعاصر مصطلح «الخوارج».
فكثيرًا ما يُطلق هذا الوصف على كل من ينتقد الحاكم، أو يعارض سياساته، أو يتحدث عن الظلم والاستبداد، أو يرفض بعض ممارسات السلطة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بهدوء:
هل كل من عارض الحاكم أو خرج عليه يُسمّى خارجيًا؟
وهل كان هذا هو معيار علماء أهل السنة عبر التاريخ؟
أم أن لمصطلح الخوارج معنىً عقديًا ومنهجيًا أخصّ من مجرد مخالفة الحاكم؟
أولًا: الخوارج ليسوا مجرد «معارضين للحاكم»
عند الحديث عن الخوارج، لا يكفي أن نقول:
«هم الذين خرجوا على الحاكم».
فهذا تعريف ناقص؛ لأن التاريخ الإسلامي عرف صورًا متعددة من المعارضة والخروج والثورات السياسية، ولم يكن العلماء يضعون أصحابها جميعًا في خانة الخوارج.
وقد عرّف شيخ الإسلام ابن تيمية الخوارج بقوله:
«هم أول من كفّر أهل القبلة بالذنوب، بل بما يرونه هم من الذنوب».
وهنا تظهر القضية الجوهرية:
الخوارج ليسوا مجرد جماعة سياسية عارضت حاكمًا، وإنما لهم أصل عقدي ومنهجي يتمثل في الغلو، والتكفير بالذنوب، واستحلال ما يترتب على ذلك من الدماء والأموال والأعراض.
ولهذا فإن اختزال مفهوم الخوارج في مجرد «الخروج على الحاكم» اختزال يحتاج إلى مراجعة.
ثانيًا: التاريخ الإسلامي أكثر تعقيدًا من هذه المعادلة
لو كان مجرد الخروج على الحاكم كافيًا للحكم على الإنسان بأنه «خارجي»، لكان علينا أن نعيد قراءة عدد كبير من الأحداث التاريخية وفق هذا المعيار.
فقد وقع في التاريخ الإسلامي خروجٌ ومعارضةٌ ومواجهةٌ مسلحة بين شخصيات وجماعات متعددة، ولم يكن العلماء يطلقون على جميع أصحابها وصف الخوارج لمجرد موقفهم السياسي.
فقد خرج عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما على السلطة الأموية، ودارت بينه وبينها مواجهة طويلة انتهت بمقتله.
وكذلك وقعت ثورات ومواجهات في عصور مختلفة، شارك فيها علماء وقراء ووجهاء وطلاب علم، وكانت دوافعها وتفاصيلها ومواقف العلماء منها مختلفة من واقعة إلى أخرى.
وهذا وحده يكفي لإثبات نقطة مهمة:
هناك فرق بين الحكم على فعل سياسي بأنه خطأ أو فتنة أو خروج غير مشروع، وبين الحكم على صاحبه بأنه «خارجي» بالمعنى العقدي.
وهذا التفريق مهم جدًا.
ثالثًا: الإمام الحسين رضي الله عنه مثال لا يمكن تجاهله
الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما، سيد شباب أهل الجنة، خرج إلى العراق في مواجهة السلطة الأموية في عهد يزيد بن معاوية، وانتهت الأحداث باستشهاده رضي الله عنه في كربلاء.
ومهما اختلف العلماء في تقييم تفاصيل تلك الواقعة، فإن مجرد وقوع الخروج لا يجعل من الإمام الحسين «خارجيًا».
وهنا تتضح المشكلة في المعادلة المبسطة:
عارض الحاكم = خارجي!
فهذه ليست قاعدة تاريخية ولا علمية مطردة.
فالخلاف حول مشروعية الخروج أو عدم مشروعيته شيء، وتصنيف الشخص ضمن الخوارج كفرقة عقدية شيء آخر.
والخلط بين الأمرين هو أصل الإشكال.
رابعًا: المعارضة السياسية ليست بالضرورة عقيدة الخوارج
وهذه نقطة ينبغي التأكيد عليها:
قد يكون الإنسان مخطئًا في خروجه، ومع ذلك لا يكون خارجيًا.
وقد يرى العالم أن الخروج على الحاكم يؤدي إلى فتنة أكبر، أو سفك دماء، أو ضياع مصالح الناس، فيرفضه لهذا السبب.
لكن رفض الخروج شيء، وادعاء أن كل من خالف الحاكم أصبح من الخوارج شيء آخر تمامًا.
وهذا التفريق ليس ترفًا اصطلاحيًا؛ بل له آثار خطيرة في الحكم على الناس.
خامسًا: المفارقة في الخطاب المدخلي
المفارقة التي تستحق الدراسة أن الخطاب المدخلي يكثر من استعمال تهمة «الخوارج» ضد الحركات والجماعات والشخصيات التي تنتقد الحكام أو تعارض سياساتهم.
لكن عند العودة إلى التاريخ والواقع، نجد أن مواقف العلماء من الحكام لم تكن دائمًا على صورة واحدة.
فقد انتقد العلماء حكامًا، وحذّروا من أخطائهم، وتحدثوا عن ظلمهم، بل وقع في التاريخ الإسلامي خروجٌ وثوراتٌ ومواجهات سياسية متعددة.
إذن:
المسألة ليست: هل عارض الحاكم أم لا؟
بل:
ما طبيعة المعارضة؟ وما أساسها؟ وما عقيدتها؟ وما موقف صاحبها من الإيمان والكفر والدماء والأعراض؟ وما النتائج التي ترتبت عليها؟
وهنا يكون النقاش علميًا بدل أن يكون مجرد تبادل للتهم.
سادسًا: وحتى المرجعيات التي يستند إليها الخطاب المدخلي لا تسمح بهذه البساطة
ومن المفارقات أيضًا أن الخطاب المعاصر حول طاعة الحكام لا ينسجم دائمًا مع الصورة الانتقائية التي تُقدَّم للشباب.
ففي التراث النجدي والسلفي، كما في كتب «الدرر السنية» وغيرها، نجد نقاشات واسعة حول الحكم على بعض السلطات والحكام، وحول القتال والموالاة والاستعانة، وهي مسائل تاريخية معقدة لا يمكن اختزالها في شعار:
«كل من عارض الحاكم فهو خارجي».
بل حتى في خطاب كبار العلماء في العصر الحديث، نجد مواقف متعددة من حكام وأنظمة بعينها، وتوجد فتاوى وأحكام شديدة على بعض الحكام والأنظمة، وصلت في بعض الحالات إلى الحكم بالكفر.
وهذا يعني أن المسألة لم تكن يومًا بهذه البساطة التي يصورها بعض الخطاب الدعوي المعاصر.
سابعًا: المفارقة الأكبر… الاستعانة بالخارج!
ومن أكثر الملفات إثارة للنقاش ما يتعلق بمسألة الاستعانة بالقوى الأجنبية في مواجهة حاكم مسلم.
فقد شهد التاريخ الحديث مواقف أفتى فيها بعض العلماء بجواز الاستعانة بقوى غير مسلمة في حالات معينة، كما حدث في سياقات سياسية وعسكرية مختلفة.
وهنا يظهر سؤال مشروع:
إذا كان الاعتراض على الحاكم أو مواجهته هو بذاته علامة على الخروج والبدعة، فكيف تُفهم بعض الفتاوى التي أجازت الاستعانة بقوى أجنبية لمواجهة حكام مسلمين؟
المقصود هنا ليس الدفاع عن تلك الفتاوى، ولا تبرير نتائجها الكارثية، وإنما كشف التناقض في معيار التصنيف.
فلا يصح أن يكون:
معارضة الحاكم = خوارج
عندما يكون المخالف من تيار آخر،
ثم تصبح:
مواجهة الحاكم أو الاستعانة بقوة خارجية ضده = اجتهاد شرعي
عندما يصدر الموقف من جهة مقبولة لدى التيار نفسه.
هذه الازدواجية هي التي تستحق النقد.
ثامنًا: لا يمكن أن يكون «الخارجي» هو كل مخالف سياسي
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول مصطلح عقدي مثل «الخوارج» إلى بطاقة جاهزة لإسقاط الخصوم.
فبدل أن يناقش صاحب الرأي:
ما الدليل على خطئه؟
وما وجه مخالفته للكتاب والسنة؟
وهل أخطأ في التأصيل أم في التنزيل؟
وهل المسألة عقدية أم فقهية أم سياسية؟
وهل هو مجتهد مخطئ أم صاحب بدعة؟
يُختصر كل ذلك في كلمة واحدة:
«خارجي!»
ثم تُبنى على هذه الكلمة أحكام أخرى:
تبديع → تحذير → هجر → إسقاط → تشويه السمعة.
وهنا تتحول المصطلحات العلمية من أدوات للفهم إلى أدوات للصراع.
تاسعًا: أخطر ما في التوسع في التبديع
حين يصبح وصف الشخص بالبدعة أو «الخارجية» كافيًا لإسقاطه بالكامل، تصبح المسألة أخطر من مجرد خلاف فكري.
فقد يُحرم المخالف من حقوقه المعنوية، ويُشوَّه أمام الناس، ويُهجر، ويُحذّر منه، وربما يُعامل وكأنه خرج من دائرة أهل السنة بمجرد موقف سياسي أو اجتهاد فقهي أو نقد لحاكم.
وهذا باب خطير جدًا.
فالأصل أن الأحكام الشرعية على الأشخاص تحتاج إلى علم وعدل وتثبت، ولا يجوز أن تتحول الخصومة إلى وسيلة لتوزيع التهم.
عاشرًا: موقفنا من الخروج المسلح شيء… ونقد التلاعب بمصطلح الخوارج شيء آخر
وهنا ينبغي أن يكون الكلام واضحًا حتى لا يُفهم المقال على غير مقصوده:
أنا لا أرى أن الخروج المسلح على الحكام هو الحل، ولا أنكر ما دلت عليه النصوص وتجارب التاريخ من مفاسد كثيرة ترتبت على الفتن المسلحة.
بل إن كثيرًا من صور الخروج أدت إلى:
سفك الدماء.
اضطراب الأمن.
تدمير المجتمعات.
إضعاف الدولة.
فتح أبواب التدخل الخارجي.
وتحول الخلاف السياسي إلى حرب لا تنتهي.
لكن رفض الخروج المسلح لا يعني أن كل معارض للحاكم «خارجي».
كما أن التحذير من الخوارج لا يعني أن كل من انتقد السلطة أو تكلم في الظلم أو طالب بالإصلاح أصبح من الخوارج.
وهنا تحديدًا يجب أن يكون التفريق.
الخلاصة
المشكلة ليست في التحذير من الخوارج؛ فالتحذير منهم ثابت في السنة، ومعروف في كلام العلماء.
المشكلة في توسيع مفهوم الخوارج حتى يصبح وصفًا جاهزًا لكل مخالف سياسي أو دعوي.
فالخروج شيء، والخوارج شيء.
والمعارضة السياسية شيء، والعقيدة الخارجية شيء آخر.
والخطأ في اجتهاد سياسي شيء، والتكفير بالذنوب واستحلال الدماء شيء آخر.
ومن أراد أن يحارب فكر الخوارج فعلًا، فعليه أن يعرّفهم بتعريفهم العلمي، لا أن يجعل المصطلح سلاحًا لإسقاط كل من يخالفه.
فليكن الميزان واحدًا:
لا نرفض الخروج لأن صاحبه من خصومنا، ولا نقبله لأن صاحبه من جماعتنا.
ولا نصف إنسانًا بأنه خارجي لمجرد موقف سياسي، كما لا نعفي أحدًا من النقد لمجرد انتمائه إلى تيار نراه قريبًا منا.
فالعدل في الحكم على الأشخاص والمواقف من صميم العلم.
وقد قال الله تعالى:
﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾
فالعبرة ليست بالشعارات، ولا بالأسماء، ولا بكثرة ترديد مصطلح «السلفية» أو «الخوارج»…
وإنما العبرة باتباع الحق، والعدل في الحكم، والصدق في تنزيل النصوص على الوقائع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق