الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

من هم الخوارج حقًّا؟ قراءة في استغلال المداخلة لمصطلح «الخوارج» لتشويه مخالفيهم

من هم الخوارج حقًّا؟


قراءة في استغلال المداخلة لمصطلح «الخوارج» لتشويه معارضي منهجهم

من أكثر المصطلحات حضورًا في الخطاب المدخلي المعاصر مصطلح «الخوارج».

فكثيرًا ما يُرفع هذا الوصف في وجه من ينتقد الحاكم، أو يعترض على سياساته، أو يتحدث عن الظلم والاستبداد، أو يدعو إلى تغيير سياسي.

وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا ونسأل:

هل كل من خالف الحاكم أو عارضه يُصبح «خارجيًا»؟

وهل «الخوارج» في اصطلاح علماء أهل السنة مجرد جماعة خرجت على الحاكم؟

أم أن المسألة أعمق من ذلك بكثير؟


أولًا: «الخوارج» مصطلح عقدي، وليس مجرد تهمة سياسية

من المهم أن نبدأ من التعريف العلمي، لا من الاستخدام الدعوي المعاصر.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في وصف الخوارج:

«هم أول من كفّر أهل القبلة بالذنوب، بل بما يرونه هم من الذنوب، واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك».

ويذكر في موضع آخر أنهم «يكفّرون بالذنوب، ويكفّرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله».

وهنا تظهر نقطة جوهرية:

الخوارج ليسوا مجرد أشخاص اختلفوا مع حاكم، وإنما فرقة لها أصولها في التكفير والغلو واستحلال دماء المسلمين.

ومن ثم فإن اختزال مفهوم الخوارج في عبارة:

«كل من عارض الحاكم فهو خارجي»

اختزال لا يستقيم مع التعريف العلمي للمصطلح.


ثانيًا: الفرق بين «الخروج» و«الخوارج»

وهذه هي النقطة التي كثيرًا ما يقع فيها الخلط.

قد يناقش العلماء حكم الخروج على الحاكم، ويرى بعضهم أن الخروج يفضي إلى فتنة أعظم، وسفك للدماء، وضياع للمصالح، ولذلك يرفضونه.

وهذا باب فقهي وسياسي له أدلته وتفصيلاته.

لكن شيئًا آخر أن نقول:

كل من خرج أو عارض = خارجي في العقيدة.

فهذا انتقال من الحكم على فعلٍ أو موقفٍ سياسي إلى الحكم على عقيدة الشخص وتصنيفه ضمن فرقة الخوارج.

والفرق بين الأمرين ليس شكليًا.

قد يكون الإنسان مخطئًا في موقف سياسي، وقد يرى العلماء أن خروجه كان فتنة أو اجتهادًا فاسدًا، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أنه من الخوارج كفرقة عقدية.


ثالثًا: التاريخ الإسلامي لا يسمح بهذه المعادلة البسيطة

لو كان كل خروج على حاكم كافيًا وحده لوصف صاحبه بأنه «خارجي»، لأصبح التاريخ الإسلامي كله تقريبًا سلسلة من الأحكام الجاهزة.

فقد شهد التاريخ الإسلامي نزاعات سياسية وثورات ومواجهات بين المسلمين، واختلفت أحكام العلماء عليها باختلاف الأشخاص والظروف والدوافع والنتائج.

ومن أشهر الأمثلة:

الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما خرج في أحداث انتهت باستشهاده رضي الله عنه، ومع ذلك لا يصح تحويل هذه الواقعة التاريخية بمجردها إلى دليل على أن كل خروج على الحاكم يجعل صاحبه من الخوارج.

وكذلك عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما دخل في مواجهة طويلة مع الدولة الأموية وانتهت بمقتله.

والمقصود هنا ليس القول إن هذه المواقف كانت صائبة في كل تفاصيلها، ولا اتخاذها دليلًا على مشروعية الخروج.

بل المقصود شيء أدق:

إن مجرد وقوع المعارضة أو الخروج لا يكفي وحده لإثبات وصف «الخوارج» بالمعنى العقدي.


رابعًا: حتى شيخ الإسلام ابن تيمية يلفت النظر إلى جوهر المشكلة

حين عرّف ابن تيمية الخوارج، لم يقل إنهم:

«كل من خرج على إمام المسلمين».

بل ركّز على أصل عقدي ومنهجي:

التكفير بالذنوب، وتكفير المخالف، واستحلال دمه وماله.

وهذا يجعل السؤال مشروعًا:

إذا كان هذا هو معيار الخوارج، فلماذا يتحول المصطلح في بعض الخطابات المعاصرة إلى وصف واسع لكل من ينتقد الحاكم أو يختلف سياسيًا مع السلطة؟

هنا تبدأ المشكلة.


خامسًا: عندما يتحول المصطلح من تعريف علمي إلى سلاح في الخصومة

الخطير ليس مجرد استخدام كلمة «خارجي».

فالتحذير من الخوارج تحذير مشروع، والخوارج فرقة حذر منها النبي ﷺ، وتكلم العلماء في خطرها.

لكن الخطر يبدأ عندما يصبح المصطلح أداة لإسقاط المخالف بدل أن يكون وصفًا علميًا منضبطًا.

فيصبح التسلسل هكذا:

ينتقد الحاكم → إذن هو خارجي.

ثم:

خارجي → مبتدع.

ثم:

مبتدع → يُحذَّر منه.

ثم:

يُهجر ويُسقط ويُشوَّه.

وهكذا تتحول كلمة واحدة إلى سلسلة من الأحكام.

والسؤال هنا:

أين الدليل على الانتقال من مجرد نقد الحاكم إلى وصف الشخص بأنه من الخوارج؟


سادسًا: هل كان العلماء يجعلون معيار الحق هو «عدم مخالفة الحاكم»؟

التاريخ العلمي لا يعطينا هذه الصورة البسيطة.

فالعلماء لم يكونوا نسخة واحدة في مواقفهم السياسية، ولم يكن كل نقد للسلطة خروجًا، كما لم يكن كل سكوت عنها دليل رضا بكل أفعالها.

بل نجد في كتب التراث مواقف متعددة من الحكام والولاة، من النصيحة السرية إلى الإنكار، ومن النقد إلى المعارضة، بحسب اختلاف الظروف والأشخاص والمصالح والمفاسد.

ولهذا فإن تحويل المسألة إلى معادلة:

طاعة الحاكم = سلفية
مخالفة الحاكم = خارجية

ليس من الإنصاف العلمي.

فالطاعة نفسها لها ضوابطها الشرعية، والنصيحة لها ضوابطها، والإنكار له ضوابطه، والحكم على المخالف له ضوابطه.


سابعًا: المفارقة تظهر أيضًا عند النظر إلى بعض المواقف المعاصرة

وهنا نصل إلى نقطة أكثر حساسية.

فبعض العلماء الذين يستند إليهم التيار المدخلي في الحديث عن طاعة الحكام كانت لهم مواقف شديدة من حكام وأنظمة بعينها.

ومن الأمثلة الموثقة موقف الشيخ عبد العزيز بن باز من صدام حسين في سياق حرب الخليج، حيث أفتى بوجوب قتال صدام بحسب الاستطاعة، واعتبر ذلك من نصرة المظلوم وردع الظالم.

وهذا المثال مهم ليس لإثبات صحة تلك السياسة أو خطئها، وإنما لإثبات نقطة واحدة:

الموقف من الحاكم ليس دائمًا مساويًا لموقف «الطاعة المطلقة» التي تُقدَّم أحيانًا للشباب في الخطاب الدعوي.

فقد يرى العالم أن حاكمًا ما ظالم أو باغٍ، وقد يرى وجوب مواجهته في ظرف معين، دون أن يجعل كل معارضة سياسية من جنس الخوارج.

إذن لا بد من التفريق بين:

حكم شرعي على واقعة معينة

وبين:

تصنيف عقدي شامل لكل من يعارض الحاكم.


ثامنًا: وحتى تجربة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تكشف أن التاريخ أكثر تعقيدًا

لا يمكن قراءة التاريخ النجدي قراءة سطحية أيضًا.

فالمصادر المتعلقة بسيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تبين أنه غادر العيينة إلى الدرعية بعد ضغوط سياسية، ثم نشأ التحالف المعروف مع محمد بن سعود. كما أن المصادر النجدية اللاحقة تتضمن مواقف شديدة تجاه الدولة العثمانية وجيوشها، بل تضمنت عند بعض علماء ذلك الاتجاه أحكامًا عقدية وسياسية شديدة عليها.

والمقصود هنا ليس فتح ملف تاريخ الدولة العثمانية أو الحكم على جميع تلك المواقف.

بل المقصود:

أن التاريخ الذي يُستعمل أحيانًا لتخويف الشباب من «الخروج» أكثر تعقيدًا بكثير من الرواية المختصرة التي تقدم لهم.

فإذا كان الأمر متعلقًا بخصم سياسي، ظهرت تفاصيل واستثناءات واجتهادات.

أما إذا كان المخالف من تيار آخر، تحولت المسألة أحيانًا إلى:

«خوارج! أهل بدع! أهل فتنة!»

وهنا تظهر الازدواجية التي تستحق النقاش.


تاسعًا: المشكلة ليست في الدفاع عن الحكام… بل في احتكار تعريف «الخارجية»

قد يقول قائل:

«أنتم تدافعون عن الخروج على الحكام!»

والجواب:

لا.

فرفض الخروج المسلح في كثير من الأحوال، والتحذير من آثاره المدمرة، أمر يمكن أن يقوم على أدلة شرعية وتجارب تاريخية واضحة.

لكن رفض الخروج المسلح لا يعني منح أحدٍ حق احتكار مصطلح «الخوارج» وتوزيعه على خصومه السياسيين.

يمكن أن نقول:

هذا الخروج خطأ.

ويمكن أن نقول:

هذه الثورة أفضت إلى فتنة وفساد أعظم.

ويمكن أن نقول:

هذه المعارضة السياسية لم تراعِ المصالح والمفاسد.

لكن الانتقال من ذلك إلى:

«إذن هؤلاء خوارج»

يحتاج إلى دليل آخر.


عاشرًا: لا تجعلوا «الخوارج» مظلة لكل من يخالفكم

إن كان المقصود محاربة فكر الخوارج فعلًا، فليكن النقاش حول:

  • التكفير بالذنوب.

  • استحلال دماء المسلمين.

  • تكفير المخالف لمجرد مخالفته.

  • الغلو في الأحكام.

  • إسقاط النصوص على غير مواضعها.

  • واستحلال ما حرّم الله بدعوى الدين.

أما أن يصبح كل من:

انتقد حاكمًا، أو طالب بإصلاح، أو اعترض على سياسة، أو خالف شيخًا مدخليًا

«خارجيًا»؛ فهذه ليست طريقة علمية في تصنيف الناس.

فالخلاف السياسي لا يساوي بالضرورة خلافًا عقديًا.

والخطأ في الاجتهاد لا يساوي بدعة.

والبدعة لا تعني بالضرورة الخروج من الإسلام.

والحكم على شخص بأنه من الخوارج ليس كلمة تُلقى في الخصومة ثم تنتهي المسألة.


الحصيلة

لسنا بحاجة إلى الدفاع عن كل خروج حتى نرفض التوسع في تهمة «الخوارج».

ولسنا بحاجة إلى تأييد كل معارض حتى نقول:

ليس كل معارض خارجيًا.

ولسنا بحاجة إلى تبرير كل ثورة حتى نقول:

ليس كل ثائر من الخوارج.

وفي المقابل، لسنا بحاجة إلى تبرير كل موقف من الحاكم حتى نقول:

إن طاعة ولي الأمر باب شرعي له ضوابطه، وليست تصريحًا بإلغاء النصيحة والعدل والنقد العلمي.

فالميزان ينبغي أن يكون واحدًا:

نحكم على الموقف بالدليل، وعلى الفعل بضوابطه، وعلى الشخص بعلم وعدل وتثبت.

لا بالاسم.

ولا بالشعار.

ولا بانتمائه إلى هذا التيار أو ذاك.


وأخيرًا…

إذا كان بعض الخطاب المدخلي يريد أن يحارب الخوارج، فمرحبًا بذلك.

لكن محاربة الخوارج لا تكون بتحويل كل مخالف إلى خارجي.

والتحذير من الغلو لا يكون بغلو جديد في التصنيف.

والدفاع عن السنة لا يكون بجعل المصطلحات الشرعية أسلحة لتصفية الخصومات.

لقد قال ابن تيمية في وصف أهل السنة:

«يتبعون الحق ويرحمون الخلق».

وهذا هو الاختبار الحقيقي:

هل نبحث عن الحق، ثم نحكم بالعدل؟

أم نختار التصنيف أولًا، ثم نبحث عن الأدلة التي تخدمه؟

فالمشكلة ليست في كلمة «الخوارج»…

وإنما في تحويلها من مصطلح علمي له معنى وضوابط، إلى تهمة جاهزة لكل من لا يسير في الاتجاه نفسه.

﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق