الخلل في فهم النصوص عند المداخلة…
من ضعف التأصيل وسوء التنزيل إلى غياب السياق والمآل والمقصد
ليست المشكلة دائمًا في النص الشرعي، وإنما قد تكون في طريقة التعامل معه وفهمه وتنزيله على الواقع.
وهذا من أهم المواطن التي تستحق النقد في بعض التطبيقات المنهجية لدى التيار المدخلي؛ إذ قد يتحول الاهتمام بالنصوص من وسيلة لفهم مراد الشارع إلى الاقتصار على ظاهر النص، أو انتزاعه من سياقه، أو تنزيله على غير محلّه، ثم بناء أحكام واسعة على قراءة جزئية.
والخلل هنا ليس في أصل الاحتجاج بالكتاب والسنة، فهذا أصل لا خلاف فيه، وإنما في الأدوات التي يُستعمل بها النص، والقواعد التي يُفهم من خلالها، وطريقة تنزيله على الأشخاص والوقائع.
ويمكن تلخيص أبرز مظاهر هذا الخلل في عدة نقاط:
❶ ضعف التأصيل… حين يُحفظ النص ولا تُستوعب قواعد فهمه
من أكبر المشكلات التي تظهر في بعض الخطابات المتشددة الانتقال السريع من النص إلى الحكم، دون المرور الكافي بأدوات الفهم والاستنباط.
ففهم الكتاب والسنة لا يقوم على معرفة الآية أو الحديث فقط، وإنما يحتاج إلى معرفة:
العام والخاص،
والمطلق والمقيد،
والمجمل والمبين،
والناسخ والمنسوخ،
ودلالات الألفاظ،
وأسباب الورود والنزول،
وجمع النصوص في الباب الواحد.
فقد يكون النص صحيحًا، لكن طريقة الاستدلال به تكون ناقصة؛ لأن نصًا واحدًا لا يُفهم دائمًا بمعزل عن بقية النصوص.
ولهذا فإن حفظ النصوص لا يساوي بالضرورة فقه النصوص.
❷ إخراج النص من سياقه… وتحويل الجزء إلى كل
ومن مظاهر الخلل أيضًا التعامل مع بعض النصوص بصورة مجتزأة، بحيث يُفصل النص عن سباقه وسياقه ولاحقه، ثم يُبنى عليه حكم واسع.
وهنا تكمن مشكلة كبيرة:
فقد يكون للنص سياق يحدد المراد منه، أو تأتي نصوص أخرى تخصص عمومه، أو تقيد إطلاقه، أو تبيّن المقصود منه.
ولهذا لا يكفي أن نسأل:
ماذا قال النص؟
بل ينبغي أن نسأل أيضًا:
في أي سياق قيل؟
وما النصوص الأخرى المتعلقة بالموضوع؟
وهل هو عام أم خاص؟
ومطلق أم مقيد؟
وهل توجد قرائن تصرف دلالته عن الفهم الذي اختاره المستدل؟
فالنصوص الشرعية لا تُقرأ كجمل منفصلة، وإنما تُقرأ في منظومة متكاملة.
❸ سوء التنزيل… عندما يكون الدليل صحيحًا والتطبيق خاطئًا
وهذه من أخطر المسائل.
فقد يكون الإنسان أمام نص صحيح وحكم صحيح، لكنه يخطئ في تحديد الواقعة التي ينطبق عليها الحكم.
وهذا ما يعرف في علم الأصول بـ تحقيق المناط.
فالفتوى ليست مجرد استخراج حكم من كتاب، ثم إسقاطه مباشرة على الأشخاص والأحداث.
بل لا بد من معرفة:
هل تحققت العلة؟
هل تنطبق شروط الحكم؟
هل انتفت موانعه؟
هل الواقعة تشبه الصورة التي ورد فيها النص فعلًا؟
وهنا يظهر الفرق بين من يعرف الحكم ومن يفقه كيفية تنزيل الحكم.
فالخطأ قد لا يكون في الدليل نفسه، وإنما في إساءة تطبيقه على الواقع.
❹ غياب فقه المآلات… ماذا سيحدث بعد الحكم؟
الشريعة لا تنظر إلى الأفعال بمعزل عن نتائجها.
ومن هنا جاءت أهمية فقه المآلات.
فليس السؤال الفقهي دائمًا:
هل هذا الفعل جائز أو ممنوع؟
بل قد يكون من الضروري أيضًا أن نسأل:
ما الذي سيترتب على هذا الحكم إذا نُزّل بهذه الطريقة وفي هذه الظروف؟
فقد يؤدي تنزيل حكم صحيح في غير موضعه إلى نتائج تناقض المقصود الشرعي من حيث لا يشعر صاحبه.
ولهذا كان النظر في العواقب والنتائج جزءًا مهمًا من الفقه الرشيد.
أما تجاهل المآلات، فيمكن أن يجعل الحكم الشرعي يتحول من وسيلة للإصلاح إلى وسيلة لزيادة الخصومة والانقسام والتشدد.
❺ غياب المقصد… حين يُنتصر للفظ ويُغفل المراد
الشريعة لم تأتِ بمجموعة نصوص منفصلة عن مقاصدها، وإنما جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وإقامة العدل والرحمة والهداية والإصلاح.
ولهذا فإن فهم النص يحتاج إلى النظر في مقاصده ومعانيه الكلية، لا الاقتصار على ظاهر لفظه في كل موضع.
والمشكلة تبدأ عندما يصبح الانتصار لعبارة معينة أهم من فهم المراد الشرعي العام.
فتتحول بعض القضايا إلى معارك حول الألفاظ والتصنيفات، بينما يغيب السؤال الأهم:
هل هذا الفهم ينسجم فعلًا مع مجموع نصوص الشريعة وقواعدها ومقاصدها؟
❻ من الخلاف العلمي إلى احتكار الفهم
ومن أخطر النتائج التي قد تنتج عن هذا النمط من التفكير تحويل الاختلاف العلمي إلى صراع حول من يملك الحق في تمثيل السنة.
فبدل أن يكون النقاش:
ما الدليل على هذا القول؟
يتحول إلى:
من قال هذا القول؟ ومن أي جماعة هو؟
ثم يصبح المخالف معرضًا للتصنيف والتبديع والتفسيق، وربما إسقاطه بالكامل لمجرد مخالفته في مسألة منهجية أو اجتهادية.
وهنا لا بد من التمييز بين:
خطأ القول، وخطأ القائل.
وبين:
نقد الفكرة، وإسقاط صاحبها.
وبين:
المخالفة الاجتهادية، والبدعة.
وبين:
الخطأ العارض، والمنهج المستقر.
وهذه الفروق ليست ترفًا علميًا، بل هي من صميم العدل في الحكم على الناس والأقوال.
❼ الثنائية الحادة… «معنا أو ضدنا»
عندما تضيق أدوات النظر، قد تتحول الخريطة الفكرية إلى ثنائيات حادة:
سني / مبتدع
منهجي / حزبي
صديق / عدو
معنا / ضدنا
وهذه الطريقة في التفكير لا تترك مساحة كافية للدرجات والتفصيل.
فقد يكون العالم مصيبًا في مسألة ومخطئًا في أخرى، وقد يكون الشخص سنيًا في أصل اعتقاده لكنه أخطأ في اجتهاد، وقد يكون الخلاف بين شخصين خلافًا في فهم الدليل لا في أصل الدين.
أما تحويل كل خلاف إلى معركة ولاء وبراء، فإنه يضيّق دائرة أهل السنة بدل أن يوسّعها، ويجعل التصنيف أهم من العلم.
المشكلة ليست في النص… وإنما في طريقة قراءته
إن النص الشرعي لا يحتاج إلى أن نضيّق دائرته حتى نحافظ عليه، بل يحتاج إلى فهم أعمق وأوسع وأدق.
فالنص يحتاج إلى:
تأصيلٍ علمي،
وسياقٍ يُفهم فيه،
وجمعٍ للنصوص المتعلقة بالمسألة،
ومعرفةٍ بدلالات الألفاظ،
وتحقيقٍ للمناط،
وفهمٍ للمقاصد،
ونظرٍ في المآلات.
ومن هنا فإن قوة المنهج لا تقاس بعدد النصوص التي يستطيع الإنسان أن يستشهد بها، وإنما بقدرته على فهم النصوص مجتمعة، ووضع كل نص في موضعه، وتنزيل الحكم على محله، والتمييز بين القطعي والظني، وبين الخطأ والبدعة، وبين نقد القول والحكم على القائل.
فليس كل من أكثر من الاستشهاد بالنصوص قد أحسن فهمها.
وليس كل من شدد في الحكم كان بالضرورة أكثر التزامًا بالشريعة.
وليس كل من رفع شعار «المنهج» كان بالضرورة قد استوعب منهج أهل السنة في العلم والعدل والإنصاف.
فالخلل الحقيقي يبدأ حين يصبح النص أسيرًا لقراءة واحدة، وحين يتحول الاجتهاد البشري في فهمه إلى حقيقة مقدسة لا تقبل المراجعة.
وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين:
من يقرأ النص ليعرف مراد الشارع…
ومن يقرأ النص ليبحث عما يؤيد حكمه المسبق.
وهذا هو الفارق بين فقه النصوص واستخدام النصوص.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق