حين يصبح خطأ الأئمة اجتهادًا… وخطأ الشيخ خطًّا أحمر!
مشكلة بعض الخطابات السلفية ليست في مبدأ نقد العلماء، وإنما في السؤال الأهم: هل هذا المبدأ يُطبَّق على الجميع بالميزان نفسه؟
من السهل أن تسمع من بعضهم:
أخطأ أبو حنيفة.
وأخطأ مالك.
وأخطأ الشافعي.
وأخطأ أحمد.
ويُقال ذلك باعتباره من فقه الدليل، وأن العالم مهما بلغ قدره ليس معصومًا، وأن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف بالدليل.
وهذا في أصله معنى صحيح.
فالأئمة أنفسهم لم يدّعوا العصمة، وكانوا يحثون على اتباع الدليل، ويقرون بإمكان الخطأ والنسيان والاجتهاد المخالف للصواب.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف:
هل يبقى هذا المبدأ حاضرًا عندما يكون العالم الذي نريد نقده من شيوخ عصرنا؟
هنا تبدأ المفارقة.
فقد يصبح من السهل جدًا أن تقول:
«أخطأ أبو حنيفة.»
وأن تقول:
«هذا اجتهاد للشافعي خالفه الدليل.»
وأن تقول:
«أخطأ الإمام أحمد في هذه المسألة.»
لكن عندما يصل الأمر إلى نقد بعض المشايخ المعاصرين، قد يتحول النقد فجأة من مناقشة علمية إلى مشكلة في المنهج!
فإذا انتقدتَ قولًا، أو ناقشتَ حكمًا، أو اعترضتَ على أسلوب في الجرح، قيل لك:
إخواني!
خارجي!
قطبي!
سروري!
حزبي!
مميع!
حركي!
وتتسع القائمة بحسب مقدار مخالفتك!
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا:
إذا كان العالم غير معصوم… فلماذا يصبح نقده جريمة؟
إذا كنا نقرر أن الرجال يُخطئون ويصيبون، فلماذا لا يكون من حق طالب العلم أن يناقش كلام العالم المعاصر كما يناقش كلام العالم المتقدم؟
وإذا كان الميزان هو الدليل، فلماذا يتحول الاعتراض على قول الشيخ إلى اعتراض على «المنهج» ذاته؟
وإذا كنا نرفض التعصب للأئمة الأربعة، فمن باب أولى أن نرفض التعصب لأي عالم معاصر، مهما كان قدره ومكانته.
المشكلة ليست في احترام العلماء… بل في تحويل احترامهم إلى حصانة من النقد.
نحن لا ندعو إلى إسقاط العلماء، ولا إلى الانتقاص من مكانتهم، ولا إلى التشهير بهم.
بل نقول شيئًا أبسط من ذلك:
احترم العالم، وخالفه إن ظهر لك خطؤه.
احفظ قدره، ولا تجعل قوله حجةً فوق الدليل.
أحسن الظن به، ولا تجعل حسن الظن به مانعًا من مناقشة كلامه.
فالفرق كبير بين:
🔹 نقد العالم
وبين
🔹 إسقاط العالم.
وبين:
🔹 مناقشة حكمه في شخصٍ ما
وبين
🔹 الطعن في نيته ومكانته.
وبين:
🔹 مخالفة اجتهاده
وبين
🔹 التشهير به أو الانتقاص منه.
ومن المؤسف أن يتحول بعض أتباع الأشخاص إلى حراسٍ على أقوالهم؛ فإذا انتقد أحدٌ قولًا للشيخ، لم يناقشوا الدليل بالدليل، وإنما انتقلوا مباشرة إلى تصنيف الناقد والحكم عليه.
وهنا يصبح السؤال:
هل نحن أمام «فقه الدليل» فعلًا… أم أمام فقه الأشخاص؟
إن كان المعيار هو الدليل، فليكن الدليل حاضرًا عندما نوافق الشيخ، وعندما نخالفه.
وإن كان العلماء غير معصومين، فليكن ذلك أصلًا ثابتًا لا شعارًا يُرفع عند نقد المخالفين فقط.
وإن كان الجرح والتعديل علمًا له أصوله وضوابطه، فلا ينبغي أن يتحول إلى سلاح لتصفية الحسابات العلمية أو لإسكات كل مخالف.
السلفية ليست حكرًا على شخص، ولا على جماعة، ولا على شيخ
من الخطأ أن يُختزل الانتساب إلى السلف في شخص واحد أو مدرسة واحدة، ثم يصبح نقد ذلك الشخص أو تلك المدرسة خروجًا من دائرة السلفية!
فالتاريخ العلمي للمسلمين أوسع من ذلك بكثير.
والعلماء اختلفوا، وانتقد بعضهم بعضًا، وخطّأ بعضهم بعضًا، ومع ذلك بقيت بينهم مساحة من العلم والإنصاف وحفظ المكانة.
لم يكن الاختلاف العلمي يعني بالضرورة:
إسقاطًا، ولا تبديعًا، ولا تخوينًا، ولا إخراجًا من دائرة السنة.
فليس كل من خالف شيخًا صار إخوانيًا، وليس كل من ناقش حكمًا صار حزبيًا، وليس كل من اعترض على جرحٍ صار مميعًا!
قد يكون الرجل مخطئًا فعلًا، وقد يكون مصيبًا، وقد يكون الأمر محل اجتهاد.
والواجب في جميع الأحوال:
أن نناقش قوله قبل أن نحاكم شخصه.
وأما الشيخ ربيع المدخلي… فهو عالم غير معصوم
يمكن لأي باحث أن يحترم الشيخ ربيع المدخلي، ويقدّر علمه وجهوده، وفي الوقت نفسه يرى أن بعض أحكامه أو بعض عبارات الجرح الصادرة عنه قابلة للمناقشة والنقد.
وهذا لا يعني بالضرورة إسقاط الشيخ.
ولا يعني الطعن في نيته.
ولا يعني الانتقال إلى الضفة الأخرى.
إنما يعني ببساطة:
أن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله ﷺ.
ومن هنا، فإن نقد بعض عبارات الجرح الصادرة عن أي عالم ينبغي أن يُناقش بعلم وإنصاف وأدب، لا أن يتحول الناقد بمجرد مخالفته إلى متهم في دينه ومنهجه.
فلنكن منصفين في المبدأ قبل أن نكون متحمسين في الدفاع عن الأشخاص.
إذا أخطأ أبو حنيفة قلنا: أخطأ.
وإذا أخطأ مالك قلنا: أخطأ.
وإذا أخطأ الشافعي قلنا: أخطأ.
وإذا أخطأ أحمد قلنا: أخطأ.
فإذا أخطأ عالم من علماء عصرنا، فالمبدأ نفسه ينبغي أن يبقى قائمًا:
نناقش الخطأ، ونحفظ قدر العالم، ونرد القول بالدليل، دون تقديس الأشخاص ودون ظلمهم.
فالعدل ليس أن تكون قاسيًا مع من تختلف معه، ومتسامحًا مع من تحب.
العدل أن يكون ميزانك واحدًا مع الجميع.
كلمة أخيرة
لسنا بحاجة إلى مزيد من معارك التصنيف.
نحن بحاجة إلى علمٍ يسبق الحكم، ودليلٍ يسبق التهمة، وإنصافٍ يسبق التصنيف.
وإذا كنا نطالب الناس باتباع الدليل، فعلينا أن نكون أول من يقبل أن يُناقش ما نقوله ونؤمن به وننصره.
فالعالم يُحترم، لكنه لا يُعصم.
والشيخ يُوقَّر، لكنه لا يُجعل قوله ميزانًا للحق والباطل.
والحق أكبر من الجميع.
اللهم بصّرنا بما ينفعنا، واهدنا وسددنا، وألهمنا رشدنا، وانفعنا وانفع بنا، واجعلنا من أهل العدل والإنصاف.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق