🚧 المطبات العشوائية في شوارعنا… أذى يصنعه البعض ويتحمّل عواقبه آلاف الناس!
⚖️ رسالة شرعية إلى من يصنع المطبات، وإلى السائق المتهوّر الذي يكون سببًا في انتشارها
في شوارعنا وطرقنا العراقية، تنتشر ظاهرة تستحق الوقوف عندها والتوعية بخطورتها: إنشاء مطبّات صناعية عشوائية أمام المنازل والمحال، من دون موافقات رسمية أو مراعاة للمواصفات الفنية، وكأن الطريق ملكٌ خاصٌّ لمن يسكن بجواره!
وفي المقابل، نرى بعض السائقين يقودون مركباتهم بسرعات مفرطة داخل الأحياء السكنية، غير مكترثين بأرواح الأطفال والمارة، ولا بما يزرعونه من خوف في قلوب الأهالي.
وهكذا يبدأ الخطأ من سائق متهوّر، فيخاف أحد السكان على أسرته، ثم يقرر أن يعالج المشكلة بطريقته الخاصة، فينشئ مطبًّا عشوائيًّا يؤذي به كل من يمر في ذلك الشارع، بمن فيهم أشخاص لم يرتكبوا أي مخالفة.
والنتيجة؟
سائق متهوّر يعرّض الناس للخطر، وصاحب منزل يصنع عائقًا قد يعرّضهم للخطر أيضًا، ومئات أو آلاف السائقين يتحملون تبعات تصرفات لم يكونوا طرفًا فيها.
فهل نعالج الخطأ بخطأ آخر؟ وهل يجوز أن يدفع الأبرياء ثمن تهوّر شخص واحد أو غضب شخص آخر؟
🕌 أولًا: إماطة الأذى عن الطريق شعبة من الإيمان!
قال رسول الله ﷺ:
«الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
رواه مسلم.
تأملوا هذا الحديث العظيم!
لقد جعل النبي ﷺ إزالة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان؛ لأن الطريق حق مشترك بين الناس، ولأن المسلم مطالب بأن يكون مصدر أمن وخير، لا مصدر أذى وخطر.
فإذا كان الإنسان يؤجر على إزالة حجر أو زجاج مكسور أو شيء مؤذٍ من الطريق، فكيف يليق به أن يصنع بيده عائقًا عشوائيًّا، فيؤذي به الناس ويشق عليهم؟
يا أخي المسلم، لا يكفي أن تسمع حديث إماطة الأذى في المسجد، ثم تعود إلى الشارع فتصنع الأذى بيدك!
الدين ليس كلمات نسمعها، ولا مواعظ نتأثر بها دقائق ثم ننساها؛ بل هو عبادة وأخلاق وسلوك، تظهر آثارها في تعاملنا مع الناس واحترامنا لحقوقهم.
ومن يحافظ على صلاته، ويرجو ثواب الله، فليحرص كذلك على ألّا يضر عباده، وليتذكر أن حقوق الناس ليست أمرًا هيّنًا.
⚖️ ثانيًا: ماذا تقول الفتوى الشرعية في إشغال الطرق العامة؟
قررت دار الإفتاء المصرية في الفتوى رقم (4726)، الصادرة بتاريخ 27 فبراير 2019، عدم جواز إشغال الطرق العامة على نحو يعتدي على حق الطريق ويضيّق على الناس، مع مراعاة ما تقتضيه التراخيص والأنظمة المختصة.
ويمكن الرجوع إلى الفتوى عبر الموقع الرسمي:
🔗 https://www.dar-alifta.org/ar/Fatwa/Details/14974
وهذه الفتوى تتناول إشغالات الطرق العامة عمومًا، وليست فتوى خاصة بالمطبات الصناعية تحديدًا؛ لكن أصلها الشرعي المتعلق بحق الطريق ومنع الضرر ذو صلة بموضوعنا.
فإذا أنشأ شخص مطبًّا عشوائيًّا في طريق عام، من دون موافقة الجهة المختصة، أو جعله بطريقة تعرض المارة للخطر، فلا يصح أن يتذرع بحماية أسرته لتبرير كل ما يفعله.
فالطريق ليس ملكًا خاصًّا له، ولا يحق له أن ينصّب نفسه جهةً لتنظيم المرور أو معاقبة المخالفين.
والمطبّ الذي تقرره الجهة المختصة لحماية الناس وفق الحاجة والمواصفات يختلف عن العائق العشوائي الذي يصنعه الأفراد من تلقاء أنفسهم.
🚧 ثالثًا: رسالة إلى من يصنع مطبًّا عشوائيًّا أمام بيته
أخي الكريم، نحن نتفهم خوفك على أطفالك وأفراد أسرتك عندما ترى سائقًا يمر أمام منزلك بسرعة خطيرة.
ومن حقك أن تطالب بحماية أسرتك، ومن واجب الجهات المختصة أن تتعامل مع القيادة المتهورة، خصوصًا في المناطق السكنية التي يكثر فيها عبور الأطفال.
لكن اسأل نفسك:
هل خوفي على أسرتي يمنحني الحق في تعريض أسر أخرى للأذى؟
هل يجوز أن أعاقب سائقًا واحدًا بإنشاء عائق يتضرر منه مئات السائقين الذين لا ذنب لهم؟
ماذا لو تضررت مركبة بسبب ارتفاع المطبّ أو سوء تصميمه؟ وماذا لو فقد سائق السيطرة على مركبته بسبب عائق غير واضح؟ وماذا لو كان في السيارة مريض أو كبير في السن يتأذى من مطبّ غير مدروس؟
لا تجعل حرصك على أسرتك سببًا في إيذاء أسر الآخرين.
إن معالجة المشكلة تكون بإبلاغ المرور والبلدية والجهات المختصة، والمطالبة بوضع وسائل تهدئة مرورية نظامية وآمنة عند الحاجة، لا بإنشاء مطبّات وفق الأهواء الشخصية.
وإذا كنت قد أنشأت مطبًّا مخالفًا أو غير آمن، فبادر إلى مراجعة الجهات المختصة لمعالجة وضعه بالطريقة الصحيحة.
وتذكّر أن الضرر الذي يصيب الناس بسبب تصرفك قد يترتب عليه إثم ومسؤولية شرعية وقانونية بحسب حقيقة الواقعة، ومدى الضرر، وثبوت العلاقة بين فعلك وما نتج عنه.
قد ينتهي غضبك في دقائق، لكن المطبّ الذي صنعته قد يبقى سنوات، ويستمر أذاه بعد زوال سبب غضبك.
🚗 رابعًا: رسالة إلى السائق المتهوّر… أنت أيضًا تتحمل مسؤولية ما يحدث!
أخي السائق، يا من تقود مركبتك بسرعة مفرطة داخل الأحياء السكنية، وبين البيوت والأطفال والمارة…
هل فكرت يومًا أنك قد تكون السبب في مطبّ عشوائي يؤذي آلاف الناس؟
حين تمر أمام منزل بسرعة مخيفة، أو تقود بطريقة متهورة لا تراعي سلامة الأطفال والمشاة، فإنك لا تعرّض حياتك وحدك للخطر، بل تزرع الخوف في قلوب الأهالي، وقد تدفع بعضهم إلى التصرف بطريقة خاطئة، فيلجؤون إلى إنشاء مطبّات عشوائية أمام منازلهم.
وهكذا يبدأ الخطأ من سائق متهور، ثم يتبعه خطأ آخر من صاحب منزل غاضب، وتكون النتيجة طريقًا مليئًا بالعوائق، ومعاناة يتحملها الأبرياء الذين لا ذنب لهم.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].
إن القيادة المتهورة ليست شجاعة، واستعراض السرعة في الأحياء السكنية ليس رجولة، وتعريض حياة الناس للخطر ليس أمرًا بسيطًا.
فالمسلم مسؤول عن سلوكه، ومطالب بمراعاة سلامة الآخرين، ولا يجوز له أن يستهين بأرواح الناس أو يتصرف وكأن الشارع حلبة سباق خاصة به.
أنت مسؤول عن تهوّرك، وصاحب المطبّ مسؤول عن تصرفه؛ فلا تجعل خطأك سببًا في أذى الناس، ولا تجعل خطأ غيرك مبررًا لخطئك.
وقد يتحمل السائق المتهور إثمًا ومسؤولية عن الضرر الذي يتسبب فيه، بحسب ملابسات الواقعة. أما إثم من يصنع مطبًّا عشوائيًّا، فلا ينتقل إليه تلقائيًّا، بل يُنظر في مسؤولية كل طرف بحسب فعله وما ثبت من أثره.
لذلك، خفّف سرعتك داخل الأحياء، واحترم حق المشاة، وتذكر أن طفلًا قد يظهر أمامك في أي لحظة، وأن لحظة تهوّر قد تترك آثارًا لا يمكن إصلاحها.
لا تكن أنت الشرارة التي تدفع الناس إلى التصرفات الخاطئة، ولا تكن سببًا في خوف الأهالي على أبنائهم.
📌 خامسًا: هل يتحمل الإنسان إثم الأذى الذي يتسبب فيه؟
من القواعد الشرعية العظيمة أن الإنسان مسؤول عن عمله، وأن الضرر لا يجوز تبريره لمجرد وجود نية حسنة أو مصلحة شخصية.
فمن تعمّد وضع عائق خطر في الطريق، أو أهمل ما يجب عليه مراعاته، ثم ثبت أن فعله تسبب في ضرر للناس، فقد تترتب عليه تبعات شرعية وقانونية بحسب تفاصيل الواقعة.
ومن تعمّد القيادة المتهورة، وعرّض الناس للخطر، فهو مسؤول عن سلوكه، وقد يتحمل ما يثبت أنه نتج عنه من أضرار.
لكن لا يصح أن نحكم بأن كل حادث يقع في شارع فيه مطبّ هو ذنب صاحب المطبّ بالضرورة، كما لا يصح أن نجزم بأن كل سائق متهور مسؤول عن كل مطبّ ينشئه السكان بعد مروره؛ فهذه أمور تحتاج إلى النظر في الأسباب والوقائع.
ومع ذلك، تبقى الرسالة واضحة:
لا تكن سببًا في ضرر تستطيع تجنبه، ولا تستهِن بحقوق الناس، ولا تبرر لنفسك إيذاء الآخرين بحجة حماية نفسك أو أهلك.
🤝 سادسًا: الطريق مسؤولية مشتركة
يا أهلنا في العراق، لسنا في خصومة بين صاحب المنزل والسائق؛ بل نحن أمام سلوكيات خاطئة يجب أن نتعاون على معالجتها.
إلى صاحب المنزل: لا تصنع مطبًّا عشوائيًّا، بل اطلب حلًّا رسميًّا وآمنًا.
وإلى السائق: لا تتهور في القيادة، ولا تجعل الشوارع السكنية مجالًا لاستعراض السرعة.
وإلى الجهات المختصة: نرجو معالجة هذه الظاهرة، ومراقبة السرعات الخطرة، وإزالة العوائق المخالفة وفق الإجراءات القانونية، وإنشاء وسائل تهدئة مرورية نظامية حيث تقتضي الحاجة.
إننا لا نطالب بإزالة المطبات النظامية التي تحمي الأرواح، بل نطالب بأن تكون المطبات مدروسة وآمنة ومصرحًا بها، وأن يُحاسَب المخالفون بالطرق القانونية.
🌿 ختامًا: اتقوا الله في الطريق!
إلى من يصنع المطبّ العشوائي: لا تعالج الخطأ بخطأ.
وإلى السائق المتهور: لا تكن أنت الشرارة التي تدفع الناس إلى الخطأ.
وإلى كل مسلم يسمع حديث إماطة الأذى عن الطريق: اجعل لهذا الحديث أثرًا في سلوكك، ولا تجعل ما تسمعه في المسجد مخالفًا لما تفعله في الشارع.
من شعب الإيمان إزالة الأذى، لا صناعة العوائق.
ومن حقك حماية أسرتك، لكن ليس من حقك إيذاء أسر الآخرين.
ومن واجبك احترام الطريق، سواء كنت تقود مركبتك أم تسكن بجواره.
فلنتقِ الله جميعًا في حقوق العباد، ولنرفض التهور والعشوائية معًا، ولنجعل شوارعنا أكثر أمنًا ورحمةً واحترامًا للناس.
لا تعالج تهوّر شخص واحد بأذى آلاف الناس… ولا تكن أنت سببًا في تهوّر الآخرين أو خوفهم.
انشروا الوعي، وأبلغوا عن المخالفات، وطالبوا بحلول رسمية وآمنة؛ فحماية الأرواح لا تكون بصناعة الأذى، وإنما بالتعاون والعدل واحترام حقوق الجميع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق