الجمعة، 2 أكتوبر 2026

حديث الجارية لا يثبت أن الله يحويه مكان: قراءة في الروايات والتأويل

 

حديث الجارية: روايات متعددة… فهل تثبت منه عقيدة المكان؟

من أكثر الأحاديث التي كثر الاستدلال بها في مسائل الصفات حديثُ الجارية، ولا سيما الرواية المشهورة بلفظ:

«أين الله؟ قالت: في السماء»

ثم قيل: إن هذا الحديث دليل صريح على أن الله تعالى في مكان، أو في جهة تحيط به.

لكن المسألة عند التحقيق ليست بهذه البساطة.

فالقضية تحتاج أولًا إلى النظر في اختلاف ألفاظ الروايات، ثم إلى معرفة كيفية فهم أئمة الحديث والشرح لهذه الألفاظ، ثم إلى السؤال الأهم:

هل يصح أن تُجعل رواية واحدة أساسًا لإثبات أن الله تعالى محصور في مكان؟


أولًا: حديث الجارية لم يُروَ بلفظ واحد

عند النظر في طرق الحديث نجد اختلافًا في ألفاظه، ومن أشهر ما ورد:

🔹 رواية مسلم:
«أين الله؟» قالت: «في السماء».

🔹 رواية أخرى:
«من ربك؟» قالت: «الله».

🔹 وفي رواية:
«أين الله؟» فأشارت إلى السماء.

🔹 وفي رواية مالك في الموطأ:
«أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» قالت: نعم.
قال: «أتشهدين أن محمدًا رسول الله؟» قالت: نعم.
قال: «أتوقنين بالبعث بعد الموت؟» قالت: نعم.
فقال: «أعتقها».

ورواية مالك في الموطأ ثابتة بهذا اللفظ في كتاب العتق، وإن كان سندها في الموطأ مرسلًا، وقد رويت موصولة بألفاظ متقاربة من طرق أخرى.

وهنا تظهر أهمية المسألة:

هل نتعامل مع اختلاف الألفاظ باعتباره اختلاف تنوع في نقل القصة، أم نعدّه اضطرابًا مؤثرًا في الاستدلال العقدي؟

هذه مسألة بحثية لا يصح اختزالها في جملة واحدة.


ثانيًا: رواية مالك تضع سؤال الإيمان في سياقه

في رواية الموطأ لا نجد سؤال:

«أين الله؟»

وإنما نجد أسئلة واضحة عن أصول الإيمان:

«أتشهدين أن لا إله إلا الله؟»

قالت: نعم.

«أتشهدين أن محمدًا رسول الله؟»

قالت: نعم.

«أتوقنين بالبعث بعد الموت؟»

قالت: نعم.

فقال رسول الله ﷺ:

«أعتقها».

وهذا السياق مهم جدًا؛ لأن القضية التي سأل عنها صاحب الجارية هي:

هل هذه الجارية مؤمنة بحيث يصح عتقها في الرقبة الواجبة؟

فجاءت الأسئلة متعلقة بالإيمان والتوحيد والرسالة والبعث.

ولهذا لا ينبغي تجاهل هذه الرواية عند مناقشة دلالة حديث الجارية.


ثالثًا: هل اختلاف الروايات يعني بالضرورة اضطراب الحديث؟

هنا ينبغي أن نكون دقيقين.

فالاضطراب في اصطلاح المحدثين ليس مجرد وجود أكثر من لفظ للحديث؛ إذ قد يروي الصحابي أو الراوي القصة نفسها بألفاظ مختلفة، ويكون بعضها من قبيل الرواية بالمعنى.

وإنما يكون الحديث مضطربًا بالمعنى الاصطلاحي إذا وقع الاختلاف على وجه لا يمكن معه ترجيح إحدى الروايات، وكان الاختلاف مؤثرًا في صحة الحديث أو معناه.

لذلك فالأدق أن يقال:

إن تعدد ألفاظ حديث الجارية يثير بحثًا حديثيًا مهمًا في تحديد اللفظ المحفوظ، ولا يصح أن تُهمل هذه المسألة عند بناء استدلال عقدي كبير على لفظ واحد من ألفاظ الرواية.

وهذا أدق من إطلاق القول بأن الحديث «باطل» أو أن كل اختلاف في ألفاظه يجعله مضطربًا بالضرورة.


رابعًا: ماذا قال الإمام النووي في رواية مسلم؟

وهنا نقطة مهمة جدًا.

الإمام النووي لم يتعامل مع الرواية وكأن معناها الحتمي هو أن الله تعالى يحل في السماء أو يسكن مكانًا.

بل ذكر في شرحه لصحيح مسلم أن هذا الحديث من أحاديث الصفات، ثم ذكر مسلكين معروفين عند العلماء:

الأول: الإيمان بالنص مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات.

والثاني: تأويل اللفظ بما يليق بالله تعالى.

ثم ذكر النووي في سياق التأويل أن المراد من سؤال النبي ﷺ كان اختبار الجارية: هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده، لا أنها تعتقد أن الله محصور في السماء.

كما ذكر أن استقبال السماء في الدعاء يشبه استقبال الكعبة في الصلاة، وليس معنى ذلك أن الله محصور في جهة السماء كما أن المصلي لا يعتقد أن الله محصور في جهة الكعبة.

إذن:

حتى عند شرح رواية مسلم نفسها، لم يكن معنى «في السماء» عند النووي مساويًا لمعنى «الله محصور داخل السماء».

وهذه نقطة لا ينبغي تجاوزها.


خامسًا: السماء في لغة القرآن ليست دائمًا بمعنى المكان المحيط

من المهم كذلك الانتباه إلى استعمالات لفظ «السماء» في القرآن واللغة العربية.

فالسماء قد يراد بها السماوات المبنية، وقد يراد بها جهة العلو، وقد تأتي في سياقات أخرى بحسب المقام.

ولهذا لا يصح أن نأخذ لفظًا واحدًا بمعزل عن بقية النصوص ثم نجعله قاعدة لتحديد كيفية وجود الله تعالى.

قال سبحانه:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

وهذه الآية أصل عظيم في باب التنزيه:

إثبات ما أثبته الله لنفسه، مع نفي مشابهته للمخلوقات.


سادسًا: هل قول «الله في السماء» يعني أن السماء تحويه؟

هذه هي النقطة المركزية في المسألة.

إذا كان المقصود بقول «في السماء» أن الله تعالى مخلوق داخل مخلوق، أو أن السماء تحيط به وتحصره، فهذا معنى لا يقول به من ينزه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات.

فالله سبحانه هو الخالق، والسماء مخلوقة.

والخالق لا يكون محتاجًا إلى مخلوق من مخلوقاته.

قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾

وقال:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾

فليس من العقيدة أن نتخيل الله تعالى كجسم تحيط به الجهات والأمكنة كما تحيط الأجسام بعضها ببعض.

ولهذا نجد عند علماء أهل السنة مسالك متعددة في التعامل مع نصوص الصفات: فمنهم من يثبت النص مع التنزيه ونفي الكيفية، ومنهم من يؤوله بما يليق بالله تعالى.


سابعًا: وماذا عن قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؟

هذه الآية من أشهر ما يُستدل به في هذه المسألة.

لكن تفسيرها لا يصح أن يكون بمجرد تصور أن السماء مكان يحوي الله تعالى.

فالآية نفسها داخلة في سياق نصوص كثيرة تتحدث عن عظمة الله وعلوه وقهره وتدبيره للخلق.

وقد نقل النووي في شرحه عن القاضي عياض وغيره مسالك في تأويل هذه النصوص بما يوافق التنزيه، فلا يصح تصوير المسألة وكأن جميع علماء المسلمين اتفقوا على تفسير حرفي واحد لهذه الألفاظ.


ثامنًا: «أين الله؟» لا يصح أن تتحول إلى سؤال عن حدود المكان

حتى لو أخذنا برواية مسلم كما هي، فإن السؤال الأهم هو:

ماذا أراد النبي ﷺ بهذا السؤال في سياقه؟

هل كان المقصود تعليم الأمة أن الله جسم يشغل حيزًا مكانيًا؟

أم كان المقصود اختبار توحيد الجارية وتمييزها عن عبادة الأصنام؟

الإمام النووي نفسه ذكر الاحتمال الثاني صراحة، وفسر جوابها بما يدل على توحيدها وإقرارها بأن المدبر والخالق هو الله وحده.

وهذا يجعل تحويل الحديث مباشرة إلى قاعدة:

«الله في مكان»

قفزة استدلالية تحتاج إلى برهان مستقل.


تاسعًا: لماذا لم يجعل مالك سؤال المكان معيارًا للإيمان؟

تأتي أهمية رواية الموطأ من أن الإمام مالك روى القصة في سياق مختلف الألفاظ:

«أتشهدين أن لا إله إلا الله؟»

ثم:

«أتشهدين أن محمدًا رسول الله؟»

ثم:

«أتوقنين بالبعث بعد الموت؟»

ثم حكم النبي ﷺ بإيمانها وأمر بعتقها.

وهذا ينسجم بصورة مباشرة مع أصل الإسلام المعروف:

الشهادة بالتوحيد، والشهادة بالرسالة، والإيمان بالبعث.

أما جعل سؤال «أين الله؟» هو الأصل الذي يدور عليه إثبات الإسلام، فذلك يحتاج إلى دليل زائد، ولا يكفي فيه مجرد الاستدلال برواية واحدة مع وجود اختلاف معروف في ألفاظ القصة.


عاشرًا: هل صحيح أن مسلمًا لم يروِ الحديث في كتاب العقيدة؟

هذه الحجة تحتاج أيضًا إلى شيء من الدقة.

فكون الإمام مسلم أورد الحديث في كتاب المساجد ومواضع الصلاة لا يعني وحده أن الحديث لا علاقة له بالعقيدة، ولا يعني أيضًا أنه أراد تصحيح تفسير عقدي معين له.

فالكتب الحديثية رتبت الأحاديث بحسب أبواب متعددة، وقد يورد المحدث الحديث في باب فقهي أو سياقي مع اشتماله على مسائل عقدية.

إذن:

موضع الحديث في صحيح مسلم قرينة على سياق التصنيف، لكنه ليس وحده دليلًا على نفي الدلالة العقدية أو إثباتها.


الحصيلة

حديث الجارية ليس من الأحاديث التي يصح تناولها بطريقة شعاراتية من الطرفين.

فمن جهة:

وجود الرواية في صحيح مسلم أمر لا يصح تجاهله.

ومن جهة أخرى:

اختلاف ألفاظ القصة لا يصح تجاهله أيضًا.

ومن جهة ثالثة:

رواية مالك بلفظ الشهادتين والبعث ثابتة في الموطأ، وإن كان سندها في الموطأ مرسلًا، وقد جاءت لها طرق أخرى.

ومن جهة رابعة:

الإمام النووي نفسه لم يجعل لفظ «في السماء» بمعنى أن الله محصور داخل السماء، بل ذكر تفسيرًا تأويليًا صريحًا يربطه بالتوحيد وكون السماء قبلة الداعين.

ولهذا فالمشكلة ليست في الحديث وحده، وإنما في طريقة بناء العقيدة عليه.


الخلاصة

ليس السؤال الحقيقي:

هل ورد حديث الجارية؟

نعم، وردت روايات متعددة للقصة.

وليس السؤال كذلك:

هل رواية «أين الله؟» موجودة في صحيح مسلم؟

نعم، هي موجودة.

ولكن السؤال الأهم هو:

ماذا تثبت هذه الرواية تحديدًا؟

هل تثبت أن الله تعالى محصور في مكان تحيط به السماء؟

هذا لا يلزم من الرواية، ولا يجوز حملها على معنى يناقض أصل التنزيه:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾

ولهذا تعامل العلماء مع نصوص الصفات بمسالك متعددة، منها الإثبات مع نفي الكيفية والتشبيه، ومنها التأويل بما يليق بجلال الله تعالى.

فالخلاف هنا ليس خلافًا بين من «يؤمن بالحديث» ومن «ينكر الحديث» فحسب، بل هو قبل ذلك:

خلاف في ثبوت بعض الألفاظ، وفي دلالتها، وفي كيفية الجمع بينها وبين سائر نصوص التنزيه.

وهنا تظهر أهمية الرجوع إلى مجموع كلام العلماء، بدل تحويل رواية واحدة إلى شعار عقدي جامع.

والله سبحانه أعلم وأجلّ وأعلى من أن يحيط به مكان أو تحصره جهة من جهات خلقه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق