الجمعة، 2 أكتوبر 2026

ابن مسعود رضي الله عنه بين الاتباع والابتداع… وقضية البدعة الحسنة

 

«السلام علينا من ربنا»… هل كل زيادة لم يفعلها النبي ﷺ تكون بدعة؟

ابن مسعود رضي الله عنه بين الاتباع والابتداع… وقضية البدعة الحسنة

من أكثر العبارات التي تتكرر في النقاش حول البدعة:

«اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم»

وهي كلمة عظيمة تُنسب إلى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقد رويت عنه من طرق متعددة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بهدوء:

ما المقصود بـ«لا تبتدعوا»؟

هل المقصود أن كل قول أو فعل أو لفظ لم يفعله النبي ﷺ بحروفه وتفاصيله يصبح بدعة محرمة بمجرد ذلك؟

أم أن المقصود هو النهي عن إحداث ما لا أصل له في الشرع، أو ما يخالف نصوصه وقواعده ومقاصده؟

وهنا تأتي قصة ابن مسعود رضي الله عنه لتفتح بابًا مهمًا في فهم المسألة.


🔹 أولًا: ماذا نُقل عن ابن مسعود في التشهد؟

روى الطبراني في المعجم الكبير، ونقل الهيثمي في مجمع الزوائد:

أن الشعبي قال: كان ابن مسعود يقول بعد «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»: «السلام علينا من ربنا».

وقال الهيثمي عن إسناده:

«رجاله رجال الصحيح».

واللافت هنا أن الصيغة المشهورة التي علّمها النبي ﷺ لأصحابه في التشهد هي:

«التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين…»

وقد ورد عن ابن مسعود نفسه أن الصحابة كانوا قبل تعليم النبي ﷺ لهم صيغة التشهد يقولون:

«السلام علينا من ربنا، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان…»

ثم علّمهم النبي ﷺ الصيغة المعروفة.

وهنا تتضح نقطة مهمة جدًا:

الألفاظ التي يقولها المسلم في العبادة لا تُفهم بمعزل عن سياقها وأصلها الشرعي.

فليس كل لفظ لم يرد في الصيغة النهائية التي استقر عليها التعليم النبوي يكون بمجرد ذلك «بدعة ضلالة».


🔹 ثانيًا: أين الإشكال إذن؟

قد يقول قائل:

ابن مسعود رضي الله عنه كان من أشد الناس تحذيرًا من الابتداع، فكيف نُقل عنه هذا اللفظ؟

والجواب:

ليس هناك تعارض أصلًا.

فابن مسعود عندما قال:

«اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم»

لم يكن يقول:

كل شيء لم ينطق به النبي ﷺ بهذه الألفاظ نفسها فهو بدعة.

وإلا للزم من ذلك إدخال أشياء كثيرة جدًا في دائرة البدعة، مع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجتهدون في مسائل كثيرة، ويختارون من الألفاظ والأفعال ما له أصل في الشرع، ولا يرونه بذلك خروجًا عن السنة.

وقد جاء الأثر بلفظ:

«اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم»

وورد كذلك بزيادة:

«وكل بدعة ضلالة».

فالمقصود إذن هو اتباع الشرع وعدم اختراع دين جديد، لا تحويل السنة إلى قالب جامد يمنع كل اجتهاد أو زيادة لها أصل شرعي.


🔹 ثالثًا: هنا يظهر الفرق بين «البدعة» و«الزيادة»

وهذه هي النقطة التي يغفل عنها كثير من المتجادلين في هذه المسألة:

ليس كل ما زاد على صورة معينة يسمى بدعة مذمومة.

بل لا بد من السؤال:

هل هذه الزيادة تخالف الشرع؟

أم:

لها أصل عام أو خاص في الشرع؟

أم:

هي اجتهاد في أمر مشروع أصلًا، من غير اعتقاد أن النبي ﷺ سنّ هذه الصورة بعينها؟

فهنا تختلف الأحكام باختلاف حقيقة الفعل.

ولهذا لا يصح أن تكون القاعدة:

«كل ما لم يفعله النبي ﷺ فهو بدعة محرمة».

لأن هذه العبارة تحتاج إلى تفصيل.

فالنبي ﷺ لم يفعل كل صورة يمكن أن تقع في العبادات والمعاملات، ولم يضع للمسلمين صيغة تفصيلية لكل حادثة مستقبلية.

وإنما جاء بأصول الدين وقواعده وهديه، ثم ترك مساحة للاجتهاد فيما لم يرد فيه نص خاص، بشرط ألا يكون ذلك مخالفًا للشرع.


🔹 رابعًا: «البدعة الحسنة» ليست دينًا جديدًا!

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى نقطة مهمة جدًا:

عندما يقول العلماء بوجود «بدعة حسنة»، فليس المقصود اختراع عبادة جديدة لا أصل لها في الإسلام!

فلا يصح أن يأتي شخص فيقول:

«سأخترع صلاة سادسة في اليوم والليلة!»

ثم يقول:

«هذه بدعة حسنة!»

هذا ليس هو المقصود.

إنما الكلام في أمور مستحدثة لها أصل شرعي، أو تدخل تحت أصل عام معتبر، أو تحقق مصلحة شرعية، ولم تخالف نصًا ولا قاعدة شرعية.

ولهذا فالمشكلة في كثير من النقاشات ليست في الأدلة وحدها، وإنما في تعريف كلمة «البدعة» نفسها.


🔹 خامسًا: ابن مسعود لا يناقض نفسه!

وهذه من أهم النقاط:

من يقول:

«ابن مسعود قال: اتبعوا ولا تبتدعوا، إذن يستحيل أن يقول أو يفعل شيئًا لم يفعله النبي ﷺ»

نقول له:

هذا استدلال غير لازم.

لأن ابن مسعود نفسه نُقل عنه قول:

«السلام علينا من ربنا»

وقد نقلت المصادر هذا الأثر عنه.

فالمسألة ليست:

هل فعل النبي ﷺ هذا اللفظ بعينه أم لا؟

بل السؤال الأهم:

هل هذا اللفظ مشروع في معناه؟ وهل له أصل في الشرع؟ وهل يخالف هدي النبي ﷺ أم لا؟

وهذا هو الفقه الحقيقي في باب البدع.


🔹 سادسًا: لا تجعلوا «الاتباع» مرادفًا للتجميد!

هناك فرق كبير بين:

اتباع النبي ﷺ

وبين:

إلغاء الاجتهاد باسم اتباع النبي ﷺ.

الاتباع الحقيقي هو أن نلتزم بما جاء به النبي ﷺ، ونحافظ على أصول الشريعة وقواعدها، ولا نخترع دينًا من عند أنفسنا.

أما أن نجعل كل اجتهاد، وكل ترتيب، وكل وسيلة، وكل لفظ له أصل شرعي، وكل صورة جديدة لم يفعلها النبي ﷺ بدعة ضلالة، فهذه توسعة لمفهوم البدعة حتى يصبح أوسع من استعمال السلف أنفسهم.


🔹 سابعًا: وهنا نفهم معنى «البدعة الحسنة»

إذا كان الشيء:

مستحدثًا من حيث الصورة،

لكن:

له أصل شرعي،

ولا:

يخالف نصًا،

ولا:

يُعتقد أنه سنة نبوية بعينها،

وكان:

محققًا لمقصد شرعي معتبر،

فمجرد كونه جديدًا من حيث الصورة لا يكفي وحده للحكم عليه بأنه بدعة مذمومة.

وهنا يمكن أن نفهم كلام العلماء الذين قسموا البدعة إلى ما هو محمود وما هو مذموم، لا على معنى أن هناك «دينًا جديدًا حسنًا»، وإنما على معنى أن الجِدّة قد تكون في الوسيلة أو الصورة أو التنظيم، بينما الأصل الشرعي موجود.


🔥 الخلاصة

قصة ابن مسعود رضي الله عنه تعلمنا درسًا مهمًا:

لا تجعل كلمة «البدعة» سيفًا يُسلَّط على كل جديد.

ولا تجعل كلمة:

«اتبعوا ولا تبتدعوا»

تعني:

«لا تفعلوا إلا ما فعله النبي ﷺ بالصورة نفسها واللفظ نفسه».

فهذا أوسع من مدلول النص.

إنما الاتباع أن نلتزم بالوحي وأصوله وقواعده ومقاصده، وأن نحذر من اختراع عبادة لا أصل لها، أو تشريع ما لم يأذن به الله.

أما ما كان له أصل شرعي، أو دخل تحت قاعدة معتبرة، أو كان من الاجتهادات التي لا تخالف نصًا ولا سنة، فلا يصح أن يُحكم عليه بمجرد كونه جديدًا في صورته بأنه «بدعة ضلالة».

فالبدعة المذمومة ليست مجرد «شيء جديد»… وإنما هي إحداث في الدين بلا أصل شرعي معتبر.

ولهذا فقبل أن تقول عن شيء:

«بدعة!»

اسأل أولًا:

هل هو جديد في الدين فعلًا؟
أم جديد في الصورة والوسيلة فقط؟
هل يخالف نصًا؟
أم له أصل شرعي؟
هل هو تشريع جديد؟
أم اجتهاد في تطبيق أصل مشروع؟

فهنا يبدأ الفقه… وهنا ينتهي كثير من التسرع في إطلاق الأحكام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق