الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

من هم الفرقة الناجية؟ شهادات من كتب أئمة المذاهب والعقيدة وكبار العلماء

 

من هم الفرقة الناجية؟

شهادات من كتب أئمة المذاهب والعقيدة وكبار العلماء

كثيرًا ما يُطرح سؤال: من هم أهل السنة والجماعة؟ ومن هي الفرقة الناجية؟

والإشكال لا يكمن في أصل الحديث عن الفرقة الناجية، وإنما في حصرها في طائفة واحدة، ثم إخراج بقية المدارس السنية من دائرة أهل السنة والجماعة، وكأن تاريخ الأمة لم يعرف إلا تصورًا واحدًا للعقيدة، أو أن علماء المذاهب وأئمة الحديث والعقيدة كانوا متفقين على هذا الحصر.

لكن عندما نعود إلى كتب العلماء أنفسهم، نجد صورة أكثر اتساعًا وتركيبًا.

فقد تحدث عدد من كبار العلماء عن أهل السنة والجماعة باعتبارهم يشملون أهل الحديث والأثر، والأشاعرة، والماتريدية، وذكر بعضهم كذلك الصوفية باعتبارهم ضمن المكوّن السني العام، مع اختلاف هذه المدارس في بعض مسائل الاعتقاد وطرائق الاستدلال.

وهذه نماذج من أقوال العلماء:


1️⃣ الإمام الآمدي

نُقل عن الإمام سيف الدين الآمدي في كتابه أبكار الأفكار تقسيم أهل السنة إلى أهل الحديث وأهل الإثبات، ومنهم الأشاعرة والماتريدية.

وهذا مهم؛ لأن التصنيف عنده لا يجعل الانتساب إلى مدرسة كلامية سببًا كافيًا لإخراج أصحابها من دائرة أهل السنة.


2️⃣ الإمام مرتضى الزبيدي

ويذكر الإمام مرتضى الزبيدي في إتحاف السادة المتقين أن أهل السنة والجماعة يشملون طوائف متعددة، ومن بينها:

المحدثون، والصوفية، والأشاعرة، والماتريدية.

وهذا يدل على أن مصطلح «أهل السنة» في التراث الإسلامي لم يكن دائمًا مرادفًا لمدرسة عقدية واحدة بالمعنى الضيق الذي شاع في بعض الخطابات المعاصرة.


3️⃣ الإمام أبو يعلى الفراء الحنبلي

ومن النقول اللافتة ما أورده الإمام أبو يعلى الفراء الحنبلي في طبقات الحنابلة، حيث تحدث عن موقف أهل الحديث والأشعرية من أحاديث الصفات، وأنهم قبلوا تلك الأحاديث، وإن اختلفوا بعد ذلك في طريقة التعامل معها:

فمنهم من أمَرَّها كما جاءت، وهم أصحاب الحديث، ومنهم من تأولها، وهم الأشعرية.

والنقطة المهمة هنا أن الاختلاف في منهج التعامل مع النص لم يكن عنده بالضرورة مساويًا لإخراج الطرف الآخر من دائرة أهل السنة.


4️⃣ الإمام محمد بن إبراهيم الوزير اليماني

ويقول الإمام محمد بن إبراهيم الوزير اليماني في إيثار الحق عن أهل السنة من أهل الأثر وأهل النظر، ويذكر الأشعرية ضمن أهل النظر.

كما يقرر في العواصم والقواصم وجود مدرستين كبيرتين:

  • مدرسة أهل الحديث والأثر واتباع السنن والسلف.

  • ومدرسة أهل النظر في علم الكلام والمعقولات، ومن أشهر ممثليها الأشاعرة، مع ذكر المدرسة الأثرية أيضًا.

وهذا يوضح أن وجود اختلاف في طريقة الاستدلال لا يعني بالضرورة اختلافًا في أصل الانتماء إلى دائرة السنة.


5️⃣ الإمام ابن أبي العز الحنفي

أما الإمام ابن أبي العز الحنفي، شارح العقيدة الطحاوية، فيقول في معرض حديثه عن اتفاق أهل السنة:

«فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف...»

ثم يقرر اتفاقهم على أن كلام الله غير مخلوق.

وهنا تظهر أهمية الانتساب إلى المذاهب الأربعة في التصور التاريخي لأهل السنة؛ إذ لم يكن مجرد الاختلاف في بعض مسائل العقيدة سببًا لإلغاء الانتماء السني عن أصحاب المذاهب الفقهية.


6️⃣ الإمام مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي

وفي كتابه أقاويل الثقات، يذكر الإمام مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي أن إثبات الصفات المعنوية، كالسمع والبصر والعلم والقدرة والكلام، هو مذهب جمهور أهل السنة والجماعة، ومنهم أتباع أئمة المذاهب الأربعة.

ثم يذكر اختلافهم في بعض الصفات الخبرية، فيقسمهم إلى اتجاهين:

اتجاه يؤولها بما يليق بجلال الله تعالى، وهو ما نسبه إلى جمهور المتكلمين من الخلف.

واتجاه يثبت ما أثبته الله ورسوله، مع نفي الكيفية والتشبيه.

ومع ذلك يعرض الخلاف باعتباره اختلافًا داخل دائرة أهل السنة، لا مجرد سبب لإلغاء أحد الطرفين.


7️⃣ الإمام عبد الباقي المواهبي الحنبلي

وينقل الإمام عبد الباقي المواهبي الحنبلي في كتابه العين والأثر:

«طوائف أهل السنة ثلاثة: أشاعرة وحنابلة وماتريدية».

وهذا النص من أوضح النصوص في المسألة؛ لأنه يجمع ثلاث مدارس عقدية تحت مسمى أهل السنة.


8️⃣ الإمام محمد السفاريني الحنبلي

أما الإمام محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي، صاحب العقيدة السفارينية، فيذكر أن أهل السنة ثلاث فرق:

الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل.

والأشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري.

والماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي.

كما ينقل قول بعض العلماء بأن الفرقة الناجية هي أهل الحديث، أي الأثرية والأشعرية والماتريدية.

وهذا النقل بالغ الأهمية؛ لأنه يبين أن مفهوم «الفرقة الناجية» عند بعض علماء أهل السنة لم يكن محصورًا في مدرسة واحدة بالضرورة.


9️⃣ الإمام ابن الشطي الحنبلي

ويؤكد الإمام عبد الغني بن ياسين بن طاهر الشطي الحنبلي في شرحه على العقيدة السفارينية هذا التقسيم، فيذكر أهل السنة والجماعة ثلاث فرق:

الأثرية، والأشعرية، والماتريدية.

وهذا يؤكد أن التصنيف الذي يضم هذه المدارس الثلاث تحت عنوان أهل السنة ليس تصنيفًا حادثًا في العصر الحديث، بل له حضور في كتب علماء متقدمين ومتأخرين.


🔟 الإمام أحمد المرداوي الحنبلي

ومن النقول المهمة أيضًا ما ذكره الإمام أحمد المرداوي الحنبلي في شرحه على اللامية، حيث يقرر أن هذه العقيدة مما اتفق عليه الأئمة الأربعة، ثم يشير إلى الخلاف الذي وقع بين أبي الحسن الأشعري وبعض الأئمة في بعض أصول مسائل الدين.

والأهم في عبارته أنه لا يجعل هذا الاختلاف موجبًا للتكفير أو التبديع، بل يقول إنه:

«خلاف يسير لا يقتضي تكفيرًا ولا تبديعًا».

وهذا يضع حدًا مهمًا بين الخلاف العلمي وبين الأحكام الكبيرة التي تخرج المخالف من دائرة السنة.


1️⃣1️⃣ الإمام تاج الدين السبكي

أما الإمام تاج الدين السبكي، فيقرر في شرحه لعقيدة ابن الحاجب أن أهل السنة والجماعة متفقون على معتقد واحد في الجملة فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة إلى ذلك.

ثم يقسمهم إلى اتجاهات، فيذكر:

  • أهل الحديث، واعتمادهم على الأدلة السمعية من الكتاب والسنة.

  • أهل النظر العقلي، ومنهم الأشاعرة والماتريدية.

  • أهل الوجدان والكشف، ويذكر الصوفية في هذا السياق.

والمقصود هنا ليس إنكار الفروق بين هذه المدارس، وإنما التنبيه إلى أن وجود الفروق لا يعني تلقائيًا أن كل فريق منها خارج عن مفهوم أهل السنة والجماعة.


1️⃣2️⃣ الإمام عضد الدين الإيجي

وفي المواقف يتحدث الإمام عضد الدين الإيجي عن الفرق، ثم يذكر الفرقة الناجية، ويجعل من أهل السنة والجماعة الأشاعرة والسلف من المحدثين، مع تقرير أن مذهبهم في الجملة خالٍ من البدع التي تخرجهم عن السنة.

وهذا النص، مع بقية النصوص السابقة، يكشف عن قضية مهمة:

أن مصطلح «الفرقة الناجية» لم يكن دائمًا شعارًا حصريًا لمدرسة واحدة.


إذن… من هم أهل السنة والجماعة؟

بعد استعراض هذه النقول، ينبغي أن نكون أكثر دقة في استعمال المصطلحات.

فليس المقصود أن الأشاعرة والماتريدية والأثرية لا توجد بينهم خلافات عقدية ومنهجية؛ فهذا أمر معروف في كتب العقائد.

وليس المقصود كذلك أن كل عالم من هؤلاء الأئمة كان يستخدم مصطلح «أهل السنة والجماعة» بالمعنى الاصطلاحي نفسه.

وإنما المقصود هو أمر أبسط وأهم:

أن اختزال أهل السنة والجماعة في مدرسة واحدة، ثم إخراج بقية المدارس السنية بمجرد المخالفة في بعض مسائل الاعتقاد، لا يعكس دائمًا الصورة التي نجدها في كتب كبار علماء الأمة.

فقد كان في تاريخ أهل السنة:

أهل الحديث والأثر، والأشاعرة، والماتريدية، وأتباع المذاهب الفقهية الأربعة، وغيرهم من المدارس التي انتسبت إلى السنة والجماعة، مع وجود اختلافات حقيقية بينهم.

والخلاف العلمي لا ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى:

تبديع → تضليل → إخراج من السنة → ثم احتكار اسم «الفرقة الناجية».


الخلاف لا يعني دائمًا الافتراق

هذه نقطة تستحق التأمل.

فالعلماء اختلفوا في مسائل كثيرة:

في الصفات،
وفي التأويل،
وفي الكلام،
وفي طرق الاستدلال،
وفي مسائل أصولية وكلامية متعددة.

ومع ذلك ظل كثير منهم يتعامل مع المخالف باعتباره من أهل القبلة والسنة، وإن خطّأه في مسألة أو ناقشه فيها بشدة.

ولهذا فإن من الخطأ المنهجي أن نأخذ خلافًا واحدًا، ثم نجعله معيارًا لإخراج مدرسة بأكملها من دائرة أهل السنة والجماعة، خصوصًا عندما نجد في التراث الإسلامي علماء كبارًا يضمون هذه المدارس تحت هذا الاسم.


الخلاصة

إذا أردنا أن نعرف من هم الفرقة الناجية؟ فلا يكفي أن نسأل: ماذا تقول جماعة معاصرة عن نفسها؟

بل ينبغي أن نسأل أيضًا:

ماذا قال أئمة المذاهب؟
وماذا قالت كتب العقيدة؟
وكيف صنّف علماء الأمة المدارس السنية عبر القرون؟

والنقول السابقة تقدم مادة جديرة بالتأمل:

أهل الحديث والأثر، والأشاعرة، والماتريدية ذُكروا في عدد من كتب العلماء ضمن دائرة أهل السنة والجماعة، مع اعتراف هؤلاء العلماء بوجود اختلافات بينهم.

وهذا يدعونا إلى أن نقرأ تاريخ العقيدة بعين علمية واسعة، لا بعين التصنيفات المعاصرة فقط.

فالانتساب إلى السنة ليس ملكًا حصريًا لأحد،
ولا يصح أن يتحول مصطلح «الفرقة الناجية» إلى بطاقة تُمنح لجماعة وتحجب عن أخرى بمجرد اختلافها معها في مسائل اجتهادية أو عقدية وقع فيها الخلاف بين علماء الأمة.

والله أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق