الاثنين، 23 مارس 2026

هل ابتدع الصحابة بدعة حسنة بعد وفاة رسول الله صل الله عليه وسلم؟

 اليكم بعض أفعال وأقوال الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم والذين فهموا معنى البدعة المُشار إليها في الحديث لاسيما أنها بعد وفاته صلي الله عليه وسلم ولم يفعلها في حياتهِ, وهي في العبادات فهل تُوصف افعالهم بالبدعة و الضلالة أم ماذا ؟؟! فإليكم بعض أفعالهم رضي الله عنهم.

أولاً :- جمع القرآن :-
فلقد جاء في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنهُ أنهُ قال: (( قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن القرآن جُمع في شيء)). فنقول عمر بن الخطاب رضي الله عنهُ هو الذي أشار على أبي بكر رضي الله عنهُ بجمع القرآن في مصحف عندما كثر القتل بين الصحابة في واقعة اليمامة، فتوقف أبو بكر وقال : كيف نفعل شيئاً لم يفعلهُ رسول الله (ﷺ) ؟ قال عمر: هو والله خير ونقول للمعارض أنظر إلى قول عمر لسيدنا الصديق ( هو والله خير)، فلم يزل عمر يراجع أبا بكر حتى شرح الله صدر أبا بكر لهُ، وبعث أبابكر إلى زيد بن ثابت فكلفهُ بتتبع القرآن وجمعهِ، قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل عليّ مما كلفني بهِ أبابكر من جمع القرآن ثم قال زيد بن ثابت: كيف تفعلون شيئا لم يفعلهُ رسول الله (ﷺ) ؟ قال الصديق ( هو خير ) فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري. وليراجع المعارضون والقراء هذه القصة فهي مبسوطة في صحيح البخاري .
ثانيا :- فصل مقام إبراهيم عن البيت
فلقد أخرج البيهقي بسند قوي عن عائشة قالت: إن المقام كان في زمن النبي (ﷺ) وفي زمن أبي بكر ملتصقا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنهُ .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح: ولم ينكر الصحابة فعلُ عمر، ولا من جاء بعدهم فصار إجماعاً، وكذلك هو أي سيدنا عمر أول من عمل عليهِ المقصورة التي تشابه المقصورة الموجودة الآن .
ثالثاً :- زيادة ابن مسعود
ما زآده عبد الله أبن مسعود رضي الله عنه في التشهد الأخير بعد ( ورحمة الله وبركاته ) كان يقول ( السلام علينا من ربنا) وقد روى ذلك الطبراني في معجمه الكبير ورجاله رجال الصحيح كما في معجم الزوائد. فكيف بالله عليك, يأمر أبن مسعود رضي الله عنه بالإتباع وينهى عن الابتداع ثم يبتدع قولاً لم ينزل به الوحي ولم يرد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ولو تمعن هؤلاء القوم ! وأمعنوا النظر فيما سبق إيراده من أقوال أهل العلم من المحدثين, لعلموا أن المراد من قوال أبن مسعود (أتبعوا) أي اتبعوا ما جاء به الشارع أو كل ما له أصل في الشرع. ( ولا تبدعوا) أي كل شيء يخالف الشرع أو ليس له أصل في الشرع .
رابعاً:- صلاة سيدنا علي كرم الله وجهه
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي أنشأها سيدنا علي كرم الله وجهه. وقد كان رضي الله عنه يُعلمها للناس. أوردها أبن جرير وسعيد بن منصور في تهذيب الآثار, وأبن ابي عاصم ويعقوب أبن شيبه في أخبار علي كرم الله وجهه والهيثمي في مجمع الزوائد والطبراني في الأوسط وهي ( اللهم يا داحي المدحوات ....) وله رضي الله عنه دعاء آخر أورده الحافظ في الفتح في كتاب التفسير وقال رواه الطبراني من طريق فاطمة بنت علي عليهم السلام. قالت كان أبي يقول : ( يا كهيعص أغفر لي ), ومن علي أبن طلحه عن أبن عباس قال ( كهيعص قسم أقسم الله به وهو من أسمائه) فلعله أخذ ذلك عن علي رضي الله عنه, وغيرهم عن سلامة الكندي .
خامساً :- زيادة الأذان الأول يوم الجمعة
: ففي صحيح البخاري عن السائب بن زيد قال : ( كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر .... على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهم, فلما كان عثمان زاد النداء الثالث), باعتبار إضافته الى الأذان الأول والإقامة, ويقال له أول لاعتبار سبقه في الزمان على أذان الجمعة. وروى ذلك أبن ابي شيبه عن ابن عمر قال : الأذان الأول بدعه, قال الحافظ ابن حجر في الفتح: [ فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الانكار, ويحتمل ان يريد : أنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم, وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعه, لكن منها ما يكون حسناً ومنها ما يكون بخلاف ذلك ] .
سادساً:- إفراد النساء بإمام
وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عروه ان عمر جمع الناس على أُبي بن كعب مكان يصلي بالرجال, وكان تميم الداري يصلي بالنساء. وإفراد النساء بإمام لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بل كن يصلين مع الرجال في عهده صلى الله عليه وسلم, فهل هذا العمل من عمر الا اجتهاد منه في إطار المشروع . فالنساء مطالبات بقيام رمضان كالرجال وكثرة المصلين قد تمنع سماع النساء لقرآه الإمام فأفردهن بإمام جارً على قواعد الشريعة, أو انه رضي الله عنه استند الى عمل أُبي في صلاته بأهله في قيام رمضان كما رواه أبن حيان. وهو من الخلفاء الراشدين والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) .
وكذلك روى عبد الرزاق في المصنف عن الثوري عن هشام بن عروه أن عمر ابن الخطاب أمر سليمان ابن جثمه أن يؤم النساء في المسجد في شهر رمضان .
ومعلوم وثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان صلى بالناس في المسجد جماعة في قيام رمضان ثلاثاً أو اقل لم يخرج إليهم حين غُص المسجد بأهله وخرج إليهم الفجر وقال (أنه لم يحق عليه مقامكم ولكني خشيت ان تفرض عليكم, فصلوا ايها الناس في بيوتكم) ومع ذلك فكان بعض الصحابة يصلون في المسجد كما وجدهم عمر اوزاعاً متفرقين يصلي الرجل لنفسه, ويصلي الرجل ومعه الرهط, فهل كان هؤلاء المصلون المبتدعين مخالفين لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بقوله (ألا صلوا في بيوتكم) , وهل كان عمر رضي الله عنه كذلك عند ما جمعهم على إمام وأحد؟!.
سابعاً:- زيادة عبدالله بن عمر البسملة
زيادة إمام السنة والجماعة, عبدالله بن عمر البسملة في أول التشهد, وكذلك ما زاده في التلبية بقوله ( لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل ....) وهذا مبسوط في صحيح البخاري ومسلم , وروي عن ابن ابي شيبه بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه كان يزيد في التلبية ( لبيك مرغوب إليك ذا النعماء والفضل الحسن) فلماذا زاد على التلبية الواردة؟
ثامناً :- استلام ابن عباس رضى الله عنهُ أركان الكعبة الأربعة
فقد أخرج البخاري والترمذي والطبراني في الكبير والهيثمي في مُجمع الزوائد أن أبي الطفيل قال قدم معاوية وابن عباس الكعبة فاستلم ابن عباس الأركان كُلها فقال لهُ معاوية إنما استلم رسول الله (ﷺ) الركنين اليمانيين ! قال ابن عباس :- ( ليس شيء من البيت مهجوراً ) . والذي ثبت عن سيدنا رسول الله فيما رواه عنهُ البخاري ومسلم وغيرهما أنه كان يستلم الركنيين اليمانيين من الكعبة المشرفة , ولم يستلم غيرهما .
تاسعاً :- قراءة سورة العصر قبل التفرق
أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي مدينة الدارمي وكانت لهُ صُحبة قال :- ( كان الرجلان من أصحاب النبي إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة { والعصر إن الإنسان لفي خسر ... } )
عاشراً :- تقبيل القبر الشريف
فعن داود بن أبي صالح قال :- أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجههُ على القبر النبوي , فقال لهُ مروان أتدري ما تصنع ؟ فإذا هو أبو أيوب الأنصاري , فقال أبو أيوب : نعم جئتُ رسول الله صلى الله عليهِ وسلم ولم آتِ الحجر .
الحادي عشر :- أن يُصلي المسافر الرباعية أربعة ركعات
فلقد أخرج البخاري في صحيحة برقم (1107 ) ومسلم (704 ) أن الني r كان يلازم في أسفاره كُلها القصر فيصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين , ولم يثبت قط أنهُ صلى الرباعية أربعاً في السفر , ومع ذلك فقد صلى عثمان بن عفان رضي الله عنهُ في منى أربعاً وأنكر عليهِ ابن مسعود ثم صلاها( أي ابن مسعود ) معهُ أربعاً , فلما قيل لهُ , قال إني أكره الخلاف ........... الخ من زيادة الصحابة وعلماء وفضلاء الأمة .
فكل هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أحدثوا أشياء رأوها حسنة لم تكن في عهد المصطفى r ولم يفعلها في حياتهِ وهي في العبادات، فما قول المعارضين فيهم رضوان الله عليهم؟ وهل هم من أهل الضلال والبدع المنكرة أم ماذا؟ وهل هم ممن يظنون النبي (ﷺ) لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل بهِ (( نبئونا بعلم إن كنتم صادقين)) .
وبعد هذا التبيان الجليّ من أقوال علماء الأمة وأفعالهم , لم يبقى للمخالفين سوى حجةٌ واحدة هي والله أوهى من خيوط العنكبوت وياليتهُم سكتوا ولم يتفوهوا بها , ألا وهي قولهُم [ لو كانت الأمور المُحدثة في الدين من الدين لبينها الرسول للأمة أو فَعلها في حياتهِ أو فعلها أصحابه رضي الله عنهم، ولا يقول قائل أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تركها تواضعاً منه فإن هذا طعن فيهِ عليه الصلاة والسلام ] .
فالجواب على ذلك هو :-
أن ترك النبي عليهِ الصلاة والسلام لكثيرً من الأشياء لا يعني تحريمها .
فقد يكون تركهُ لها مخافة أن تفرض كصلاة التراويح .
وإما أن يكون تركهُ لعدم تفكيره فيهِ مثل اتخاذ منبراً له ُ
وإما أن يكون تركهُ لدخولهِ في عموميات أو أحاديث ، كتركهِ لكثير من المندوبات لأنها مشمولة في قولهِ تعالى : ) وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ( .
وإما أن يكون تركهُ خشية تغيير قلوب بعض الصحابة , كما قال لعائشة رضي الله عنها ( لولا ان قومكِ حديثو عهداً بجاهلية لأمرتُ بالبيت فهدم فأدخلتُ فيهِ ما أُخرج منهُ وألزمتهُ بالأرض وجعلتُ لهُ بابين باباً شرقياً وباباً غربياً فبلغتُ به أساس إبراهيم عليهِ السلام ) .
والترك وحدهُ إن لم يصحبهُ نصٌ على أن المتروك محظور لا يكون حُجةً في التحريم , بل غاية أمره أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع .
فإن كل ما لم يفعلهُ الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة من بعده لا يُعتبر تركهم لهُ تحريماً ، حسب ما تقتضيهِ القاعدة الأصولية والتي أولها أن يكون: كالنهي المُطلق نحو قولهُ تعالى ولا تقربوا الزنا ( . وقولهِ) ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل( .
أو كلفظ التحريم نحو ( حُرمت عليكم الميتة ).
أو كذم الفعل والتوعد عليهِ بالعقاب نحو ( من غشنا فليس منا ).
والترك هُنا ليس واحداً من هذه الثلاثة فلا يقتضي التحريم فافهم
ثانيها :-
إن الله تعالى قال ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنهُ فانتهوا) .
ولم يقل وما تركهُ فانتهوا عنهُ , فإذاً الترك لا يفيد التحريم
ثالثها :-
قال النبي صلى الله عليه وسلم [ ما أمرتكم بهِ فأتوا منهُ ما استطعتم وما نهيتكم عنهُ فاجتنبوه ]
ولم يقل ما تركتهُ فاجتنبوه , فكيف يدلُ الترك على التحريم ؟؟؟؟
رابعها :-
أن الأصوليين عرفوا السنة بأنها قول النبي (ﷺ) وفعلهُ وتقريرهُ ولم يقولوا قط وتركهُ , لأنهُ ليس بدليل .
خامسها :-
تقدم أن الترك يحتمل أنواعاً غير التحريم , والقاعدة الأصولية هي ( أن ما طرأ عليهِ الاحتمال سقط به الاستدلال )
سادسها :-
أن الترك أصل , ولأنهُ عدم فعل , والعدم هو الأصل والفعل طارئ , والأصل لا يدلُ على شيء لغةً ولا شرعاً , فلا يقتضي الترك التحريم , ولذلك عُلم أن النبي لم يفعل جميع المندوبات المباحات ’ لأنها كثيرة لا يستطيع بشراً أن يستوعبها , ولاشتغاله عليهِ الصلاة والسلام بمهام أعظم استغرق معظم وقتهُ من تبليغ الدعوة ومحاربة المشركين , ونقاش مع المخالفين مما هو مهم لتأسيس الدولة الإسلامية . بل أنهُ ترك بعض المندوبات عمداً مخافة أن تُفرض على أمتهُ أو يشق عليهم إذا هو فعلها , فلقد روى البخاري (1177) عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت ( إن الرسول (ﷺ) يترك العمل وفعلهُ أحبُ إليهِ خشية أن يستسن الناس بهِ فيُفرض عليهم , وكان يحب ما خفف عليهم )
ثم إن الرسول صلي الله عليه وسلم قال موضحاً لنا هذا الإشكال بقولهِ كما في مُجمع الزوائد وعند الحاكم و البزار والدار قطني ( ما أحل الله في كتابه فهو حلال , وما حرم الله فهو حرام , وما سكت عنهُ فهو عفو , فاقبلوا من الله عافيته , فإن الله لم يكن لينسى شيئاً ثم تلا ) وما كان ربك نسيا ( ) .
- والذي نعلمهُ أنه لم يأت في حديث واحد ولا أثر في التصريح بأن النبي إذا ترك شيئا كان ذلك الشيء المتروك حراماً أو مكروها .
وما أجمل ما قالهُ الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه لدحض هذا الفهم لدى المعارض، وحقيقة فهمهِ رحمه الله لقول النبي ( من سن في الإسلام سنة حسنة ) عندما قال ( أي الشافعي ) { كُل ما لهُ مستند من الشرع فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف, لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت, أو لما هو أفضل منه، أو لعلة لم يبلغ جميعهم علم بهِ} انتهى كلام الشافعيُ .
فإذاً ليس كل مالم يفعلهُ الرسول (ﷺ) خارجاً عن السنة طالما أنَ لهُ أصلٌ في الشرع ، بل إن الحوافز القولية الكثيرة لعمل الخيرات ، والترغيبات الكثيرة القولية بالفضائل العامة والخاصة هي أيضاً من السنن , كما أن التقريرات الصادرة عن رسول الله r فيما يحدث من الخير مما لا يخالف المشروع هي أيضاً من السنة , بل هي طريقة الرسول وسنتهُ التي حث على أتباعها والتمسك بها .
ونقول أن من زعم تحريم شي بدعوى أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يفعلهُ فقد ادعى ما ليس لهُ دليل، وكانت دعواهُ مردودة . فكيف وإن فعلها عليهِ الصلاة والسلام وإن اختلفت الصورة والكيفية ؟
أما شبهة من يتشدق بعدم فعل الصحابة ويقول هل فعل الصحابة كذا وكذا من بعده ؟ فإننا نترك الإمام الحافظ الذهبي يجيبه على ذلك كما جاء في معجم الشيوخ (1/73 و74 ) حيثُ قال :
(( فإن قيل : فهلا ّ فعل ذلك الصحابة قيل : لأنهم عاينوهُ حياً , وتملوا بهِ , وقبّلوا يده , وكادوا يقتتلون على وضوئهِ , واقتسموا شعرهُ المطهر يوم الحج الأكبر , وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجههُ , ونحنُ فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر , ترامينا على قبرهِ بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل , ألا ترى كيف فعل ثابت ألبناني , كان يقبل يدّ أنس بن مالك ويضعها على وجههِ ويقول : يدٌ مست يدّ رسول الله (ﷺ) , وهذه الأمور لا يُحركها من المسلم إلا فرط حبّه للنبي , إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أ شد من حبهِ لنفسه , وولده , والناس أجمعين , ومن أموالهِ ومن الجنة وحورها , بل خلق من المؤمنين يحبون أبابكر وعمر أكثر من حب أنفسهم )) انتهى كلام الذهبي رحمه الله .
ومن هذا المنطلق فعل كثير من الصحابة باجتهاداتهم كما ذكرنا وبيّنا سابقاً أموراً كثيرة لم يفعلها النبي عليهِ الصلاة والسلام ولكن لها أصلٌ , فكانت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقة قبول ما كان من العبادة والخير ويتفق مع المشروع ولا يخالفهُ , ورد ما كان مخالفاً لذلك , فهذهِ سنتهُ وطريقتهُ التى سار عليها خلفاؤهُ وصحابتهِ واقتبس منها العلماء رضوان الله عليهم قولهم :- [ إن ما يُحدث يجب أن يُعرض على قواعد الشريعة ونصوصها فما شهدت لهُ الشريعة بالحُسنِ فهو حسن مقبول , وما شهدت لهُ الشريعة بالمخالفة والقبح فهو مردود وهو البدعة المذمومة , وقد يسمون الأول بدعة حسنة من حيث اللغة باعتبارهِ مُحدثاً وإلا فهو في الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو سنة مستنبطة ما دامت شواهد الشريعة تشهد لهُ بالقبول ] كما بينهُ سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمهُ الله في كتابه القواعد.
وعلى كل حال أنا أقول لأخواني المُبدعين هداهم الله وأرشدهم للحق، إن كنتم مُصرين على رأيكم ولم تُقيموا وزناً ولا اعتباراً لأقوال العُمد من الأئمة الأعلام فأقول لكم بناء على القاعدة التي أصلتموها بأنفسكم . و التي تقول
[ إن من أحدث امراً لم يفعلهُ رسول الله صلي الله عليه وسلم أو صحابتهِِ فقد ابتدع في الدين ، و يُفهم منهُ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يُكمل الدين لهذهِ الأمة , وأن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يبّلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل بهِ ].
فأقول لكم كما قال القائل :- (( من فمك نُدينك ))
فقد أحدثتم في العبادات وفروعها مسائل كثيرة لم يفعلها النبي صلي الله عليه وسلم ولا الصحابةِ ولا التابعون ولا حتى تابعي التابعين
فعلى سبيل المثال لا الحصر:
1- جمع الناس على إمام واحد لأداء صلاة التهجد بعد صلاة التراويح في الحرمين الشريفين وغيرهما من المساجد.
2- قراءة دعاء ختم القرآن في صلاة التراويح وكذلك في صلاة التهجد .
3- تخصيص ليلة (29) أو ليلة (27) من شهر رمضان لختم القرآن في الحرمين وغيرهما من المساجد .
4- قول المنادي بعد صلاة التراويح: (صلاة القيام أثابكم الله) .
5- إقامة أسبوع خاص بالمساجد في كل عام .
6- إقراركم لمن يقوم بتطويف الحاج والمعتمر حول الكعبة وبين الصفا والمروة .
7- القول: بأن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد ألإلوهية، وتوحيد ربوبية، وتوحيد أسماء وصفات. فهل هذا التقسيم جاء في حديث شريف، أم هو قول أحد من الصحابة أو التابعين أو تابع التابعين أو أحد الأئمة الأربعة؟!!
إلى غير ذلك مما لا يتسع المجال لذكرهِ من تخصيص هيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجامعات إسلامية، وجمعيات لتحفيظ القرآن، ومسابقات تحفيظ القرآن ,واختتام الدورة الفولانية في تحفيظ القرآن وتوزيع الجوائز ومكاتب دعوة وإرشاد، وأسابيع احتفال بالمشايخ . ومع ذلك فنحنُ لا نُنكر هذهِ الأشياء إلا أنها من البدع الحسنة التي يُنكر هؤلاء القوم على من يفعل أمثالها ثم يفعلونها .
ولله درُ القائل :-
وعين الرضا عن كلِ عيب كليلةٌ : وعين السُخطِ تبدي المساوئ
ففعلكم لهذه المُبتدعات التشريعية التي لم يفعلها الرسول rفيهِ تعارض واضح مع قاعدة من يقول: أن العبادات توقيفية وإن كل ما لم يفعلهُ الرسول (ﷺ) وأصحابه فهو بدعة (سيئة) فلربما يكون المخالف ممن أذن لنفسهِ بالتشريع من دون الناس !!
وهنا يجب أن أقف وقفةً بسيطة حول ما يُشيعهُ المخالفين بين طلبة العلمِ والعوام من الناس وهي قولهم : ( إن العبادات توقيفية وأن كُل من يُحدثُ أمراً لم يُفعلهُ النبي صلي الله عليه وسلم ويبتغي بهِ الأجر والثواب يُعتبر من العبادات التي يُتوقف فيها )
فأقول إن كانت العبادات على هذا المفهوم أي ( توقيفية على إطلاقها ) فلماذا أحدثتم تلك الأمور التي نقلتها عنكم قبل أسطر؟ وهل ابتداعكم لها عبثاً ؟؟ أم أنكم تبتغون بهِ الأجر والثواب ؟؟؟
فاعلم أخي المسلم بورك فيك إن لله شعائر يجب تعظيمها، قال تعالى ] ومن يُعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب[
فالشعائر جمعُ شعيرة وهي تُطلق على مناسك الحج كالطواف والسعي. وتُطلق أيضاً على الأماكن التي تكون عندها العبادة كالمشعر الحرام .
فالعبادة في الأسلام : هي مطلق الطاعة والخضوع لله تعالى في تنفيذ ما شرع فرضاً كان أو نفلاً أو مباحاً بنية القربة ضمن الأصول والقيود الشرعية المتقدمة .
وتطلق الشعيرة أيضاً على كل معلم من معالم الإسلام ، عبادة كانت أو مكاناً او شخصاً أو حتى بهيمةً من البهائم يقول تعالى ] والبُدنَ جعلناها لكم من شعائر الله . [ .
فكل معلم من معالم الإسلام شعيرة ، ومن هنا يتضح الفرق بين الشعيرة والعبادة .
فالشعيرة أعم والعبادة أخص ، فكل عبادة شعيرة وليس كل شعيرة عبادة فافهم .
فالشارع أمرنا بتعظيم البيت الحرام وبناء المساجد وتعظيم النبي (ﷺ) وتوقيرهُ ولم يأمرنا بعبادة الكعبة ولا بعبادة الرسول ولا بعبادة المساجد ولا بعبادة الصحابة والصالحين من عباد الله مع أن توقيرهم واجب واحتقارهم كُفر لأنهم يمثلون الدين .
فليس في الشريعة ما يمنع من الاستفادة من التعريف والبيان المستجدة في كل عصر ومصر بحيث لا يصطدم بحكم أو نص شرعي مُقرر وقد جاءت القاعدة الأصولية في هذا البيان أن ( الوسائل لها حُكم المقاصد ) فإذا كان المقصد شرعياً ، فلا مدخل للابتداع في مثل ذلك ، كما يثيره المُخالف .
فمن هذا المنطلق يتضح لنا أن أصل العبادات توقيفية ، فلا يصح من أي إنسان أن يُصلي الفجر مثلاً أربع ركعات أو العصر ستة ركعات , ولكن فروع العبادات المستمدة مشروعيتها من الأصول فللاجتهاد نصيب فيها ضمن القواعد الأصولية . فعلى سبيل المثال ما ذكرهُ الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء( 11/ 212) قال : ( قال عبد الله ابن الإمام احمد بن حنبل : كان أبي يُصلي في كل يوم ثلاث مئة ركعة ، فلما مرض من تلك الأوساط أضعفتهُ فكان يصلي كل يوم وليلة مئة وخمسين ركعة .
وكذلك ما رواهُ أبو نُعيم في الحلية (1/383 ) : { وكان لأبي هريرة رضي الله عنهُ خيط فيه ألف عُقدة ، لا ينام حتى يُسبح بهِ } . ومما ثبت بأسانيد صحيحة وكثيرة أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهُ خصص عشية يوم الخميس ليُحدّث عن رسول الله (ﷺ) . رواهُ ابن أبي شيبة في المصنف ( 8/565) ، والحاكم في المستدرك (1/111 و3/314 ) والطبراني في المعجم الكبير (9/123) وغيرهم بأسانيد متعددة .
وفي الختام ارجو من كُل منصف باحث عن الحق ان يعمل بقول الله ( وإذا قلتم فأعدلوا ) وان يطرح هذهِ القضية من جميع جوانبها ويضع امام الناس وبكل امانة اقوال من خالفهُ في رايهِ من اهل العلم المعتبرين المذكورين آنفاً والذين خالفوا القول الذي يقول بهِ كما فعلنا عندما ذكرنا قول الشاطبي المخالف للسواد الأعظم من العلماء سابقاً ومن ثمّ يترك حرية الإختيار للقارئ العزيز أن يأخذ بقول من أراد من أقوال الأئمة العلماء المحدّثين السابقين أو بقول المتأخرين.
ملاحظة : معارضون للبدعة الحسنة :
إن من يستحدِث فعلا جديدا لم يرد في أفعال النبي ولا أصحابه , ويزعم أنه بدعة حسنة أراد أن يتقرب إلى الله ويتعبد بها إليه فقد وقع في محذورين:
1- تكذيب قوله تعالى: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ﴾ ، فهذا الذي يخترع شيئا جديدا يتهم الدين بأنه لم يكتمل ..
2- تكذيب قول النبي : “ليس من عمل يقرب من الجنة إلا قد أمرتكم به ، ولا من عمل يقرب إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه” , فكأنه يتهم النبي بأنه لم يبلغنا جميع ما بعث به من الخير , وخان ربه في تبليغ ما أمره به ..
والجواب عن ذلك أن نقول بعد الاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه:
1- ما رتبتموه على دعواكم بحرمة استحداث السنن الحسنة لا يلزمنا , وليس ذنبنا أنكم أخطأتم في ترتيب النتيجة على مقدمات خاطئة ..
2- نحن لا نكذب الآية الكريمة ولا الحديث الشريف اللَّذَيْن ذكرتموهما ، بل نعتقد صحتهما ولا نخالفهما عندما نستحدث شيئا من البدع الحسنة ..
‏ وليس المقصود بالسنة الحسنة هنا، ما توهمه بعضهم من إحياء سنة مندثرة للنبي ( صلى الله عليه وسلم ). إذ لو كان المعنى كذلك لاستلزم أن تكون للنبي سنة سيئة أيضاً، نظراً إلى ما تقتضيه تتمة الحديث . وإنما المقصود استحداث أمر لم يكن من قبل، فيه خير للمسلمين
إقرأ أيضا ..... ما هي البدعة ..!؟ وهل هناك بدعة حسنة ؟!
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم

بين زكاة الفطر والذهب؟!

 

🌅بين زكاة الفطر والذهب🌅
🌺 زكاة الذهب والفضة، ويقاس عليها (زكاة التجارة) ، (وزكاة الاوراق المالية) بكل صورها،( ين ياباني دولار امريكي جنه مصري دينار كويتي ريال سعودي ...) نصابها اذا قدرت بـ ٨٥ جراما من الذهب🎪
وتخرج مالا ، وليس ذهبا او بضاعة ، لانك لا تستطيع ان تخرج جرامين من الذهب 💠
وزكاتها تقدر بـ ٢.٥٪
⛪ وكانت الزكاة تقدم للحاكم ، ينفق منها على مصاريفها الشرعية
ـ.............................
🌅 اما زكاة الفطر فتقدم منك لجارك المسكين مباشرة ، ولو طبقا من طعام، فهي بسيطة 🌼
🌺 وزكاة الفطر ، لا يمكن تقديرها بالدرهم ولا الدينار ، لا في عصر النبوة ، ولا في اي عصر ، وذلك لحكمة من المشرع صلى الله عليه وسلم
🌺 والحكمة من تقديرها بالطعام انها
🐤 اولا: نصابها لا يقاس بالمال ولكن ما فاض عن حاجتك من طعام فهي تجب على من لا يملك درهما ولا دينارا
🎉 ولو قدرت الزكاة بالدرهم في عصر النبوة وهو بـ ٤١١ جنيها اليوم ، والدينار بـ ٤٩٨٣ جنيها مصريا اليوم ،🌼 فكيف نحسب الزكاة على الفقير ؟ ومن يدفع من الفقراء دينارا او درهما
🎯 ثانيا: مقدارها صاعا فقط، وصاع الطعام تقدره دار الافتاء بـ ١٥ جنيها .
🍒 ثالثا هي زكاة فطر ، والفطر مرتبط بطعام .
🍒 رابعا : لتتفاوت من شخص لاخر حسب مقدرته وانفاقه.
🍒 خامسا : في الازمات وصعوبة الحصول على الطعام نعود الى الطعام فهو الاصل وضرورة من ضرورات الحياة .🍀
فماذا افعل بالذهب او الفضة وانا في مجاعة مثلا ؟
🍒 سادسا : عند الرخاء والاستقرار يمكن تقدير ما نخرجه لاننا لا نخرج طعاما من بيتنا، ولكن نشتريه لنخرجه، فما الذي يمنعنا من اعطاء المسكين المال الذي نشتري به ، ونفوضه هو في شراء ما يحتاجه 🌿والتفويض والتوكيل يقره الاسلام حتى في الزواج
✴️سابعا : كيف ينصب احدعم نفسه وصيا على المسكين ، ليقوم هو بشراء حبوب له ـ قد لا يحتاجها ـ فنشتري تمرا وهو يحتاج دقيقا، 🌺على سبيل المثال
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اغنوهم ، واغناء اي انسان الان يكون بالمال عصب الحياة ، ليشتري به ما يشاء
❇️ثامنا : إغناؤهم في عصر النبوة كان بالطعام ، ويختلف صور الاغناء من عصر لعصر ، ومن مكان لمكان ، ولك انسان ان تجتهد في سبل اغنائهم
✴️تاسعا : الدقيق في عصر رسول الله كان اغلى من التمر، واليوم العكس التمر اغلى من الدقيق ، فكان امل الفقير في عصر النبوة في صاع من دقيق، 💮 واليوم ماذا يفعل الفقير بالدقيق في يوم العيد؟ الكل يعيد والفقير يعجن ويخبز !
....................
🍒 عاشرا : يمكن للفقير ان يأخذ مالا ، ثم يشتري ما يريد ، وذلك لانه ادرى باحتياجاته.
♥️ اخيرا : التعامل اليوم بالجنيه وتستطيع ان تشتري بالجنيه ما تريد، فكيف اعطي للعامل عندي اليوم بعض الطعام بدلا من اجرته ؟
🌋فحكمته صلى الله عليه وسلم قدرها بطعام يمتلكه الجميع🌋 وفي مقدور الفقير والمسكين ان يخرجه🌋 ليتعلم في كل عام ان يعطي ويحس بقيمة العطاء
فلو قدرت بالدرهم والدينار لحدثت مصائب لا حصر لها منها:
🕊 اولا : يعجز نصف المجتمع عن ادائها
🕊 ثانيا : وأصبحت الزكاة متساوية بين الغني والفقير ، فلا تفاوت بينهم
🕊 ثالثا : ماذا افعل بالمال وانا في مجاعة او لاجئ ابحث عن طاعم، فهنا الطعام اولى من المال .
🐪 اما الغني فالامر ليس له🌋 بل عليه ان ينفق وينفق وينفق🌋 وحد الانفاق الادنى زكاة الفطر ، ولكن كان رسول الله في رمضان كالريح المرسلة في الانفاق 🏟
🌍فتعاليم الاسلام صالحة لـ كل زمان ومكان ولك ان تجتهد واذا لم تجتهد فلا تجعل نفسك وصيا على اجتهاد غيرك ومحاربا له بحجة انها بدعة 🏵
فالبدعة ما نحدثه في اصل العبادة وليس الوضوع من يهاريج المياه بدعة .🏵
فنعم البدعة هذه
وقد صلى رسول الله قيام الليل
وابتدع اصحابه الجماعة لها
والمداومة عليها، واضاف التابعون النداء لها بقولهم: صلاة القيام اثابكم الله🏵
هذا افضل ؟ 🐭
ام نجد الامام يقف والكل جلوس، ويفاجئهم بقوله: استقيموا يرحمكم الله !من يستقيم ولا احد قد وقف خلفه ؟🐭
فيسارعوا بالوقوف ، ايهما اولى
ثم ما اعظم بدعة وضع النقاط على الحروف في كتاب الله 🏵
واعظم منها الضرط بالفتح والضم والكسر
واعظم منها تلوينه وطباعته الكترونيا للكمبيوتر 💮
استقيموا يرحمكم الله
محمود سليمان

الخميس، 19 مارس 2026

ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء - بحث قيم في جكم الغناء والموسيقى في الاسلام بالتفصيل .

71

ثمّ إذا عرفت ذلك كلّه، فاعلم أنّ الغناء ليس موضوعا لمجرّد الصوت لغة و لا عرفا، إذ من البديهيّ أنّ أصوات الطيور مثلا لا تسمّى غناء حقيقة و إن أطلق عليها مجازا كما قال النابغة:

بكاء حمامة تدعو هديلا * * *مفجعة على فنن تغنّي (١)

قال السيّد المرتضى (رحمه اللّه) في «غرره و درره» فشبّه صوتها لما أطرب إطراب الغناء، بالغناء انتهى (٢).

فسقط ما في المصباح من تفسيره بالصوت (٣) إن أراد به ظاهره، و لا يثبت الوضع بقول لغويّ واحد، و لا سيّما إذا كان معارضا بمخالفة الأكثر، و قد بيّنا في المقدمة الخامسة أن الظنّ الحاصل بقول اللغويّ ليس من الظنون المخصوصة الخارجة عن أصالة حرمة العمل بالظنّ، و ليس من الظنون اللفظية، هذا، مع أنّه لا ظنّ مع مخالفة أكثر اللغويين.

بل، هو موضوع قطعا للصوت المكيّف بكيفية خاصّة، مردّدة بين الكيفيّات المذكورة، و الرجوع إلى العرف لعدم انضباطه غير مجد في الكشف عن الوضع اللغويّ، و أكثر الكيفيات المذكورة غير مذكور في كتب اللغة، و إنّما المذكور فيها أمور أشهرها اعتبار الترجيع و التطريب خاصّة.

فالأظهر ثبوت وضع هذا اللفظ لكلّ صوت مشتمل على الوصفين.

مع احتمال وضعه للمشتمل على الأوّل خاصّة، نظرا إلى الأصل، فتدبّر.

و يمكن القول بأنّ هذا اللفظ صار حقيقة عرفية في الصوت اللهويّ و المقترن بالملاهي، لشيوع استعماله فيهما، و كثرة وجودهما في جميع الأعصار بحيث يكونان متبادرين من إطلاق هذا اللفظ، بل يمكن دعوى تبادرهما- و لو مع قطع النظر عن كثرة الاستعمال و غلبة الوجود- فتأمل.

و الحاصل: أن الغناء حقيقة عرفية في الصوت اللهويّ بالمعنى الأعم، أي ما يتلهّى به من‌

____________

(١). ديوان النابغة الذبياني، ص ١٣٦.

(٢). غرر الفوائد و درر القلائد «أمالي السيد المرتضى»، ج ١، ص ٢٥.

(٣). المصباح المنير للفيومى، ص ١٢٦- ذيل مادّة غنّ.

72

الأصوات مطلقا، سواء كان بنفسه، مجرّدا من الاقتران بالآلات الخارجيّة المحرّمة، أو بسبب اقترانه بشي‌ء منها.

فالوضع العرفيّ التخصّصيّ الحاصل بشيوع الاستعمال في هذا النوع متّحد، بمعنى أنّه لم يثبت وضع آخر حتّى يحكم بالاشتراك.

و لا ينافي ذلك وضعه لمطلق الصوت المشتمل على الترجيع و التطريب أو الترجيع خاصة في اللغة، فإنّ المناط في الاشتراك و عدمه هو تعدّد الوضع و عدمه في اصطلاح واحد، لا في اصطلاحين.

و الدليل على النقل في العرف من المعنى اللغوي إلى هذا المعنى خاصّة، مع كونه على خلاف الأصل وجوه.

منها: شيوع استعماله فيه، و غلبة وجود هذا المعنى في الأعصار، فتأمّل.

و منها: تبادره منه تبادرا كاشفا عن الوضع، فإنّه المتبادر منه، و لو قطع النظر عن شيوع الاستعمال و غلبة الوجود.

و منها: عدم شكّ العرف و ترديدهم في إطلاق هذا اللفظ على هذا النوع من الصوت، مع شكّهم في إطلاقه على غيره.

و منها: عدم صحّة سلب هذا اللفظ عن هذا النوع مع صحّة سلبه عن غيره عند العرف.

فلا يقال: إن ذلك لعدم صحة سلب الكلّي عن شي‌ء من أفراده، مع أنّ استعماله فيه تجوّز، فلعله لوضعه لمطلق الصوت المطرب، أو المشتمل على الترجيع، فلا يصحّ سلبه عن هذا الفرد.

فإنّ صحّة سلبه عن غيره دليل على اختصاص وضعه به، فليتأمل.

و منها: اتّفاق الفقهاء على شمول ما دلّ على حرمة الغناء لهذا النوع و اختلافهم في شموله لغيره، فإنّ الظاهر المصرّح به في بعض كلماتهم أنّ ذلك لمسلّميّة وضعه عرفا لهذا المعنى، فتأمّل.

و الظاهر: أنّ تحسين الصوت و تطريبه متلازمان في الوجود الخارجيّ، و إن تغايرا مفهوما كتزيينه، و كذا موالاة الصوت مع ترجيعه، بل يمكن إرجاع المدّ و الرفع اليه، و قد‌

73

تقدّم عن (مفتاح الكرامة) القول باتّحاد التطريب مع المدّ و الترجيع و التحسين، و لكن الظاهر: أنّ التطريب مستلزم للترجيع بل العكس على مصطلح أهل الموسيقى، غاية ما في الباب أنّ محصّل الاختلاف في وضع الغناء لغة- بعد بداهة فساد القول بكونه مجرّد الصوت، لما بيّنّاه- يرجع إلى اثنين:

أحدهما أنّه موضوع لغة للصوت المشتمل على الترجيع أي ترديده في الحلق بالتلفظ با آ اآ اآ كما تقدّم.

و ثانيهما: أنّه يعتبر فيه مع ذلك الإطراب.

و الأوّل، و إن كان مقتضى الأصل، بل الأخذ بالأعمّ، بناء على القول الذي في المقدمة الخامسة تقدّم، إلّا أنّ القائل المصرّح به قليل، بل لم نعرفه باسمه و أنّما حكاه جماعة قولا، أو عن بعض من [غير] تصريح (١) باسمه، بل في بعض الرسائل لبعض الأفاضل: أنّ الحكم بكونه غناء ممّا لا شاهد له، و لا دليل يساعده من لغة أو عرف أو حديث، بل في قوله (عليه السّلام) في رواية ابن سنان: «اقرأوا القران بألحان العرب و أصواتها و إيّاكم و لحون أهل الفسق و الكبائر، فإنّه سيجي‌ء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء» (٢).

دلالة ظاهرة على أنّ مطلق الترجيع ليس غناء بل هو كيفية خاصّة من التراجيع (٣) انتهى.

و في رسالة السيد ماجد أنّه (عليه السّلام) نهى عن ترجيع القرآن ترجيع الغناء، فلو لم يكن ترجيع الغناء أخصّ من الترجيع المطلق لكان يقتصر على قوله «يرجّعون القرآن» و لم يذكر «ترجيع الغناء» لعدم الفائدة فيه.

و بعبارة أخرى «ترجيع الغناء» وقع مفعولا مطلقا مضافا، و المفعول المطلق المضاف أو‌

____________

(١). في المخطوط (من تصريح) و الصحيح: من غير تصريح. كما في المنتقد مجلد المتاجر، ص ١٥٧- مخطوط.

(٢). الكافي، ج ٢، ص ٦١٤، حديث ٣.

(٣). نقل هذا في المنتقد أيضا، ص ١٥٧، «مخطوط» و لم أقف بعد على صاحب العبارة و الرسالة.

74

الموصوف أخصّ من مصدر فعله، كقولك سرت سير البريد، و ضربت ضربا شديدا (١) انتهى فتدبّر.

فحيث ظهر و بان ضعف هذا القول تعيّن الثاني، لتصريح أكثر أهل اللغة، بل و غيرهم، به، كما لا يخفى على المتتبع المتنبّه.

هذا، مع أنّي لا أظنّ العرب يصحّحون سلب الغناء عن الأصوات المشتملة على الترجيع مع الإطراب، بل الظاهر تبادر ذلك منه عندهم، كما صرّح به بعض الأطياب.

و كلام السيّد المرتضى (رحمه اللّه) على بيت النابغة شاهد على ما ذكرنا بلا ارتياب، فإنّه جعل العلاقة هو المشابهة في الإطراب.

فتحصّل ممّا بيّناه و شرحناه: أنّ الحقيقة العرفيّة لهذا اللفظ هو: الصوت اللهويّ الشامل للمقترن بالملاهي، و الحقيقة اللغوية له هو الصوت المطرب، و لا حاجة إلى اعتبار الترجيع، لاستلزام الإطراب للترجيع، كما أشرنا إليه.

فكلّ صوت مطرب يستعمله إنسان غناء لغة، و إن لم يكن على سبيل اللهو و لم يقترن بشي‌ء من الملاهي و المحرّمات، و الّا فهو غناء عرفا.

و لا فرق- على الوجهين- بين ما كان مشتملا على كلام مفهوم المعنى و غيره، و لا بين ما كان في كلام باطل و حقّ، و لا بين الشعر و غيره، و لا بين المرثيّة و غيرها، فإنّ ذلك كلّه مع الإطراب غناء لغة و مع التلهّي غناء عرفا و لغة، فإنّ كلّ ما يطلق عليه الغناء في العرف يطلق عليه الغناء لغة، دون العكس، كما لا يخفى.

ثمّ ليعلم أنّ المراد بالصوت اللهويّ:

يحتمل أن يكون مطلق ما يتلهى به، و أن لم يحكم بحرمته، بناء على عدم ثبوت حرمة مطلق اللهو، كما أشرنا إليه في المقدمة العاشرة، لعدم اعتبار الحرمة في صدق الغناء العرفيّ، و حمل ما يأتي من الاخبار على اللهويّ المحرّم لا يوجبه.

____________

(١). إيقاظ النائمين و قد سبق ذكره، راجع التمهيد في علوم القرآن، ج ٥، ص ٢١٠.

75

نعم، ربما يقال بثبوت العرف الشرعي فيه، نظرا إلى غلبة استعمال هذا اللفظ فيه، في زمن صدور هذه الأخبار و وجوده، و هو مشكل.

نعم، يحتمل من ذلك اختصاصه بالمحرّم، نظرا إلى احتمال كون الغلبتين معا منشأ لتحقّق الوضع العرفيّ، فتأمّل.

و المراد بالمطرب المغيّر للحال المحرّك للقلب مطلقا سواء كان من فرح أو من حزن، فإنّه مأخوذ من الطرب المفسّر في بعض كتب اللغة بالخفّة الّتي تلحقك: تسرّك أو تحزنك، أو المفسّر فيه- أيضا- بالحركة.

قال الطريحيّ في (المجمع): الطرب بالتحريك خفّة تعتري الإنسان لشدّة حزن أو سرور، و العامة تخصّه بالسرور (١) انتهى.

و عدّ في القاموس من معانيه: الخفّة المذكورة، و الحركة، و الشوق، قال: و رجل مطراب و مطرابة: طروب، و استطرب: طلب الطرب، و الإبل: حرّكها بالحداء، و التطريب:

الإطراب، كالتطرّب و التغنّي انتهى (٢).

و على هذا، فليس استعمال المطرب في هذا المقام من قبيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، و لا من قبيل استعمال المشترك في عموم الاشتراك، ليلزم التجوّز، فإنّ المراد به هو مطلق الموجد للخفّة الموجبة لأحد الأمرين، و هو معنى حقيقيّ له، و كذا لو أريد به مطلق المحرّك.

نعم، لو جعلنا المبدء مشتركا بين الضدّين، كما في (سرّ الأدب) للثعالبي (٣) و به صرّح في (القاموس) أيضا، فلا يجوز إرادتهما منه إلّا على الوجه الثاني، و لكنّه مفتقر إلى القرينة و الظاهر «حينئذ» أنّ امتناع إرادة الجميع قرينة على هذا التجوّز.

____________

(١). مجمع البحرين، ج ٢، ص ١٠٩.

(٢). القاموس المحيط، ج ١، ص ٩٧.

(٣). لم أجده في سرّ الأدب و لكن المصنف (ره) قال في المنتقد مجلد المتاجر، ص ١٥٣ ايضا- مخطوط. و في سرّ الأدب للثعالبي: الطرب: الحزن و الفرح.

76

نعم، على القول بالجواز، لا بدّ من القرينة.

و كذا في استعماله في خصوص الحزن و الهمّ.

و أمّا استعماله في خصوص السرور، فالظاهر أنّ تبادره منه الناشئ من شهرة الاستعمال مغن عن القرينة.

و قد يقال: إنّ تفسير الطرب بالخفّة المشار إليها هو المدخل للصوت في أفراد اللهو، قال العجّاج:

أطربا و أنت قنّسري * * *و الدهر بالإنسان دوّاري (١)

أراد هذه الخفّة على سبيل اللهو و التلهّي، و إلّا فمجرّد السرور أو الحزن لا يبعد عن الشيخ الكبير حتّى يتعلّق به الاستفهام التوبيخي.

و لكن فيه: أنّ الخفّة لا تستلزم التلهّي، و إلّا لكان كلّ صوت مطرب ملهيّا، و هو بعيد، و لذا تراهم يقسّمون الصوت المطرب إلى ما كان على سبيل اللهو و غيره، و ربما يشهد له بيت الكميت:

طربت و ما شوقا الى البيض أطرب * * *و لا لعبا منّي و ذو الشيب يلعب؟

(٢)

فإنّه، مع إثباته الطرب لنفسه، نفي اللعب و أنكره على ذي الشيب، على وجه الاستفهام الإبطالي المحذوف أداته، فليتأمّل.

و كيف كان، فهل يعتبر الأطراف في تحقّق الغناء اللغويّ، أو يكتفى بما من شأنه الإطراب بالفعل فلا يقدح فيه قبح الصوت و غلظته و نحو ذلك وجهان؟

و لعلّ الأول أظهر، فتدبّر.

و كذا الكلام في الصوت اللهويّ المعتبر في الغناء العرفيّ، فتأمّل.

____________

(١). شرح شواهد المغني لجلال الدين السيوطي، ج ١، ص ٤٨.

(٢). هذا مطلع قصيدة للكميت بن زيد الأسدي، أنظر تمامها في القصائد الهاشميات، ص ٢٥.

77
=-=-=-=
152

يرفع فيها رأسه إلى السماء حياء من ربّه (١).

و كذا نياحة داود (عليه السّلام) فقد كان يبكي و يبكي، و يحزن و يحزن، حتّى كانت الجنائز ترفع من مجالس نياحته.

و روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ داود كان حسن الصوت في النياحة على نفسه في تلاوة الزبور، حتّى كان يجتمع الإنس و الجنّ و الوحوش و الطير لسماع صوته، و كان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة (٢).

و منه النياحة على المظلومين من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا سيّما الحسين (عليه السّلام) و أصحابه الذين بذلوا مهجهم دونه (عليه السّلام) فقد تواترت الأخبار بالحثّ على هذه النياحة.

و من الثاني: النياحة على فراق المحبوب المحرّم، و على ما فات من زخارف الدنيا.

قال الغزالي: و الحزن على الأموات من هذا القبيل، فإنّه تسخّط لقضاء اللّه و تأسّف على ما لا تدارك له، فهذا الحزن لمّا كان مذموما كان تحريكه بالنياحة مذموما، فلذلك ورد النهي الصريح عن النياحة (٣) انتهى.

و فيه نظر، فإنّ مطلق الحزن لا يستلزم التسخّط لقضاء اللّه، فإنّه قد ينشأ من حرقة القلب قهرا فيتبعه النياحة، و من هنا ورد أخبار كثيرة بجواز النوح و البكاء على الموتى، فقد روى الصدوق (رحمه اللّه) في كتاب (كمال الدين) عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن ظريف بن ناصح، عن الحسين بن زيد قال:

ماتت ابنة لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) فناح عليها سنة، ثم مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثم مات إسماعيل فجزع عليه جزعا شديدا، فقطع النوح (٤).

____________

(١). لم أجد الحديث بلفظه و كأنه منقول بالمعنى. فراجع البحار، ج ١١.

(٢). احياء علوم الدين، ج ٢، ص ٢٩٥.

(٣). المصدر، ص ٣٠١.

(٤). كمال الدين (ص ٧٣).

153

فقيل لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) أ يناح في دارك (١)؟ فقال (عليه السّلام): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال- لمّا مات حمزة- «لكنّ حمزة لا بواكي له» (٢) انتهى.

و روى الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن الحسين الواسطي، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إنّ إبراهيم خليل الرحمن سأل ربّه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته» (٣) انتهى.

و في رواية: «أنّ فاطمة ناحت على أبيها و أنّه أمر بالنوحة على حمزة» انتهى.

و في رواية اخرى أنّ الصادق (عليه السّلام) سئل عن أجر النائح؟ فقال: «لا بأس به قد نيح على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (٤) انتهى.

و في بعض الروايات: «إنّما تحتاج المرأة في المأتم إلى النوح ليسيل دمعها و لا ينبغي لها (٥) أن تقول هجرا، فإذا جائها الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح» انتهى.

و الهجر بضمّ الهاء الإفحاش، و الخنا، قيل: المراد به تعداد أفعاله القبيحة و صفاته المذمومة، و الأولى إرادة وصفه بما ليس فيه.

و على التقديرين: يجب حمل «لا ينبغي» الظاهر في الكراهة على الحرمة، لحرمة ما ذكر قطعا.

و يمكن أن يراد بالهجر ما يشعر بعدم الرضا بالقضاء كما هو المتعارف بين الجهّال عند المصائب، فيكون مكروها، بل يمكن القول بحرمته إذا كان فيه تسخّط للقضاء، كما يظهر من بعض الأخبار.

____________

(١). كذا و في المصدر، في دارك.

(٢). الوسائل، ج ٢، ص ٨٩٢، حديث ٢، الباب ٧٠.

(٣). المصدر، ج ٢، ص ٨٩٢، حديث ٣، الباب ٧٠.

(٤). المصدر، ص ٨٩٣، حديث ٢، الباب ٧١.

(٥). المصدر، ص ٨٩٣، حديث ١، الباب ٧١.

154

و بكراهة النوح في الليل المستفادة من هذه الرواية صرّح جماعة من فقهائنا الأبرار.

و في جواز نياحة المرأة مع إسماعها الأجانب إشكال:

من إطلاق بعض الأخبار، و اشتهار نياحة جملة من النسوة من أهل بيت أئمتنا الأخيار.

و من أنّ صوتها عورة، كما في بعض الأخبار، فتدبّر.

و لا فرق في ذلك بين النياحة على الحسين (عليه السّلام) و غيره، فليتأمّل.

تذنيبات:

الأوّل:

قال الشهيد (رحمه اللّه) في (الذكرى): يجوز الوقف على النوائح، لأنّه فعل مباح، فجاز صرف المال اليه، و لخبر يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السّلام) فساق روايته التي قدّمناها.

ثم قال: و المراد بذلك تنبيه الناس على فضائله (عليه السّلام) و إظهارها ليقتدى بها، و يعلم ما كان عليه أهل البيت ليقتفى آثارهم لزوال التقيّة بعد الموت انتهى (١).

الثاني:

صرّح أيضا بأنّ المراثي المنظومة جائزة عندنا، لأنّها نوع من النوح، قال: و قد دلّلنا على جوازه، و قد سمع الأئمّة (عليهم السّلام) المراثي و لم ينكروها.

الثالث:

روى جماعة من علماء العامّة، كالبخاري و مسلم، عن عبد اللّه بن عمر أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «إنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه» انتهى (٢).

و الحق الذي عليه أصحابنا أن الميّت لا يعذّب ببكاء الحيّ عليه، و إن كان بنوح محرّم، إذ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ.

____________

(١). ذكري الشيعة، ص ٧٢.

(٢). صحيح البخاري بحاشية السندي، ج ١، ص ٢٢٢ و ايضا صحيح مسلم بشرح النووي، ج ٦، ص ٢٢٨ و هذا الحديث مما استدركته عائشة على الصحابة.

155

و الرواية غير معوّل عليها عندنا، و على فرض صحّتها مصروفة الظاهر، لمخالفتها لقواعد العدل، فيمكن إرادة التألّم من العذاب، أي: يحزن و يتألّم باطلاعه على هذا الفعل.

و أوّلها الشهيد في (الذكرى) بأنّ الجاهلية كانوا ينوحون، و يعدّدون جرائمه كالقتل و شنّ الغارات، و هم يظنّونها خصالا محمودة، فهو يعذّب بما يبكون عليه، قال: و يشكل أنّ ظاهر الحديث المنع عن البكاء بسبب استلزامه عذاب الميّت بحيث ينتفي التعذيب بسبب انتفاء البكاء، قضيّة للعليّة، و التعذيب بجرائمه غير منتف بكا عليه أولا؟

و قيل: كأنّهم كانوا يوصون بالندب و النياحة، و ذلك حمل منهم على المعصية و هو ذنب، فإذا عمل بوصيّتهم زيدوا عذابا.

و ردّ: بأنّ ذنب الميت الحمل على الحرام و الأمر به، فلا يختلف عذابه بالامتثال و عدمه، و لو كان للامتثال أثر لبقي الإشكال.

إلى أن قال: و لك أن تقول: إنّ «الباء» بمعنى «مع» أي مع بكاء أهله عليه، يعني: أنّ الميّت يعذّب بأعماله، و هم يبكون عليه، فما ينفعه بكاؤهم، و يكون زجرا عن البكاء لعدم نفعه (١) انتهى.

و في بعض ما ذكره نظر، و لعلّ ما أشرنا إليه في تأويل الرواية أظهر، وفاقا لبعض المحقّقين من أهل النظر، فتدبّر.

و ليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا المختصر، و قد سميناه (بذريعة الاستغناء في تحقيق مسألة الغناء). فللّه الحمد، و على رسوله أفضل التحيّات و الثناء.

____________

(١). ذكري الشيعة، ص ٧٢.