«سلفية أم البانية؟!»
السلفيون والفقه… هل الخلاف الفقهي يبرّر التصنيف؟
من أكثر القضايا التي يثيرها كتاب «السلف والسلفيون: رؤية من الداخل» قضية علاقة بعض المنتسبين إلى السلفية بالفقه والخلاف الفقهي.
فالمشكلة ـ كما يعرضها المؤلف ـ ليست في اتباع الدليل، ولا في الدعوة إلى السنة، ولا في ترجيح قول على قول؛ وإنما في السؤال الآتي:
ماذا يحدث عندما يتحول الرأي الفقهي الذي اختاره شخص أو شيخ إلى معيارٍ لمعرفة السلفي من غيره؟
وهل يصبح المخالف في مسألة فقهية مخالفًا للمنهج بالضرورة؟
أولًا: الفقه بطبيعته مجالٌ للاجتهاد
ينطلق المؤلف من حقيقة أساسية:
مسائل الفقه ليست كلها في درجة واحدة من القطع والوضوح.
ففيها مسائل متفق عليها، وفيها مسائل وقع فيها خلاف معتبر بين العلماء.
وقد يختار عالمٌ قولًا، ويختار عالم آخر قولًا مختلفًا، مع كون كل منهما يستند إلى دليل واجتهاد.
ولهذا يستشهد المؤلف بكلام عدد من العلماء الذين كانوا يؤكدون أن الخلاف في مسائل الفقه لا يستلزم تبديع المخالف أو إسقاطه.
ومن العبارات التي يوردها في هذا السياق قول سفيان الثوري رحمه الله:
«إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه.»
ثم يورد عن الإمام أحمد رحمه الله معنى قريبًا من ذلك، في رفض تحميل الناس مذهبًا واحدًا في مسائل الاجتهاد.
وهذه النقطة مهمة؛ لأن الاختلاف الفقهي عند العلماء لم يكن يعني بالضرورة أن أحد الطرفين يمثل السنة، والآخر يمثل البدعة.
ثانيًا: المشكلة حين يصبح الرأي الشخصي هو «الصواب الوحيد»
ينتقد المؤلف ما يصفه بوجود قاعدة معكوسة في بعض الممارسات:
«رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب»
وإنما المشكلة ـ بحسب عرضه ـ عندما تنقلب هذه القاعدة إلى:
رأيي صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ لا يحتمل الصواب!
وهنا لا يعود النقاش نقاشًا فقهيًا هادئًا، وإنما يتحول إلى امتحانٍ للانتماء.
فإذا وافقت قولًا معينًا أصبحت «سلفيًا»، وإذا خالفته أصبحت محل سؤال:
ما منهجك؟
وهنا يرى المؤلف أن الخلاف الفقهي خرج من دائرته الطبيعية.
ثالثًا: متى تتحول المسألة الفقهية إلى قضية «منهج»؟
يعرض الكتاب أمثلة لمسائل فقهية يرى أن بعضها أُدخل في دائرة التصنيف والتمييز، مثل:
- بعض مسائل اللباس.
- الإسبال.
- صيام يوم السبت.
- عدد ركعات التراويح.
- مقدار القبضة في اللحية.
- وغيرها من المسائل التي وقع فيها الخلاف.
ولا يقول المؤلف إن هذه المسائل بلا أحكام أو بلا أدلة، وإنما يناقش طريقة التعامل معها.
فالمسألة قد تكون فقهية، ويكون فيها اجتهاد وخلاف، ثم تتحول تدريجيًا إلى علامة على:
«من معنا ومن ليس معنا»!
وهنا يصبح السؤال:
هل نحن أمام اختلاف فقهي، أم أمام اختبار للانتماء؟
رابعًا: «سلفي»… ثم ماذا؟
ومن الأفكار اللافتة في الفصل أن المؤلف يتساءل عن معنى الانتساب إلى السلفية في المجال الفقهي.
فإذا كان المقصود بالسلفية اتباع الكتاب والسنة وفهمهما وفق منهج السلف، فإن هذا لا يعني ـ في نظره ـ إلغاء التراث الفقهي كله، ولا إلغاء الاجتهاد، ولا جعل قول عالم واحد هو المقياس الذي يلتزم به الجميع.
بل إن تاريخ العلماء الذين ينتسب إليهم السلفيون أنفسهم كان مليئًا بالاجتهاد والخلاف.
وهنا يستشهد المؤلف بكلمات منسوبة إلى أئمة مثل سفيان الثوري والإمام أحمد ومالك وابن تيمية للدلالة على أن الخلاف في مسائل الاجتهاد لا يستوجب أن يتحول إلى خصومة دينية.
خامسًا: «علم نفس الدليل»!
وهنا ينتقل المؤلف إلى نقطة أكثر دقة.
فهو يرى أن الاستدلال لا ينبغي أن يتحول إلى سلسلة من المقدمات التي تُسلَّم بها النتيجة مسبقًا.
فقد يبدأ الشخص من مقدمات مثل:
اتبع السلف → الحديث صحيح → هذا هو قول السنة → إذن هذا هو الحق.
المشكلة ـ كما يعرضها المؤلف ـ ليست في هذه العناوين بذاتها، وإنما في كيفية استخدامها.
فإذا كان الحديث صحيحًا، فهذا لا يعني بالضرورة أن فهم شخص معين له هو الفهم الوحيد الممكن.
وإذا كان هناك دليل، فلا بد من النظر في:
دلالته، وفهم العلماء له، والجمع بين الأدلة، ومساحة الاجتهاد فيه.
ولهذا يورد المؤلف مثالًا يتعلق بفتاوى بعض العلماء، ويرى أن التعامل معها ينبغي ألا يكون على طريقة:
«قال الشيخ، إذن انتهى النقاش!»
بل ينبغي أن يبقى السؤال العلمي قائمًا:
ما الدليل؟ وكيف فُهم؟ وما وجه الاستدلال؟
سادسًا: المفارقة بين رفض التقليد وممارسة التقليد
وهذه من أبرز الأفكار التي يكررها المؤلف في هذا الفصل.
فهو يرى أن بعض الخطاب السلفي يرفع شعار:
«لا تقلدوا الرجال، اتبعوا الدليل»
لكن الممارسة ـ كما ينتقدها ـ قد تؤدي أحيانًا إلى صورة أخرى من التقليد:
الرجوع إلى قول شيخ معين وقبوله دون مراجعة، ثم رفض قول عالم آخر لمجرد مخالفته.
ويضرب المؤلف أمثلة على ذلك من التعامل مع كتب الحديث والتصحيح والتضعيف.
فقد يقول أحدهم:
«صحيح الجامع»
أو:
«صححه شيخنا»
فتصبح نسبة التصحيح إلى العالم كأنها نهاية البحث.
بينما يرى المؤلف أن صحة الحديث لا تتوقف على مجرد اسم من حكم عليه، وأن من حق الباحث أن يناقش الحكم والدليل.
وهذه النقطة عنده تمثل مفارقة:
رفض التقليد في الكلام، مع الوقوع فيه في الممارسة.
سابعًا: عندما يصبح اختيار الشيخ «مذهبًا»
من أخطر ما يراه المؤلف في هذه الظاهرة أن كثرة الاعتماد على اختيارات شيخ أو مدرسة معينة قد تؤدي ـ بمرور الوقت ـ إلى نشوء بنية فقهية خاصة.
فالشيخ لديه:
- اختيارات فقهية.
- مؤلفات.
- منهج في الاستدلال.
- أصول في الترجيح.
- فتاوى في النوازل.
ثم يتبعه التلاميذ، وتتكرر اختياراته، وتصبح معروفة ومشهورة.
وهنا يطرح المؤلف سؤالًا ساخرًا يحمل عنوان الفصل:
«سلفية أم البانية؟!»
أي: هل نحن أمام مجرد اتباع لمنهج السلف في الاجتهاد، أم أمام بناء منظومة فقهية معاصرة لها اختياراتها الخاصة، ثم تقديمها بوصفها هي «السلفية»؟
ثامنًا: الفتوى الهاتفية… حين تختصر المسألة العلمية
ينتقل المؤلف إلى ظاهرة أخرى مرتبطة بذلك، وهي الاعتماد على الاتصال الهاتفي بالشيخ للحصول على جواب سريع.
وهو لا يعترض على أصل سؤال العالم؛ فالسؤال من العالم مشروع.
لكن اعتراضه ـ كما يظهر من سياق كلامه ـ على أن تتحول الفتوى المختصرة إلى بديل عن الدراسة والفهم.
فقد يُسأل الشيخ عن مسألة معقدة فيجيب بجملة قصيرة، ثم تتحول هذه الجملة إلى:
حكم نهائي، وقاعدة عامة، وربما معيار لتخطئة الآخرين!
بينما المسائل العلمية قد تحتاج إلى:
قراءة، ومقارنة، ومعرفة بالخلاف، وفهم للأدلة والسياق.
تاسعًا: مشكلة «تصدر الأصاغر للفتيا»
وفي نهاية هذا الجزء يلفت المؤلف إلى ظاهرة أخرى يراها من أسباب الإشكال، وهي تصدر من لم يبلغ درجة كافية من العلم للفتيا والتصنيف.
فالفتوى ليست مجرد معرفة نص أو حفظ حديث.
وإنما تحتاج إلى:
📌 معرفة بالأصول.
📌 معرفة بالخلاف الفقهي.
📌 معرفة بدرجات الأدلة.
📌 معرفة بمواقع الاتفاق والاختلاف.
📌 قدرة على تنزيل الحكم على الواقعة.
ولهذا فإن اختزال العلم في مجموعة من العبارات المحفوظة قد يؤدي إلى أحكام سريعة لا تراعي طبيعة المسألة.
لكن هل يعني هذا أن كل خلاف فقهي مقبول؟
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم حتى لا نفهم كلام المؤلف بطريقة أوسع مما يقصده.
فالفصل لا يقول إن كل الأقوال الفقهية صحيحة لمجرد وجود الخلاف.
ووجود الخلاف لا يعني أن جميع الأقوال متساوية في قوة الدليل.
وإنما القضية التي يناقشها المؤلف هي:
كيف نتعامل مع الخلاف؟
فيمكن للعالم أن يقول:
هذا القول أرجح.
ويمكنه أن يقول:
هذا الحديث أصح.
ويمكنه أن يناقش دليل المخالف.
لكن شيء آخر أن يتحول ذلك إلى:
من لم يأخذ بهذا القول فليس على المنهج!
فهنا ينتقل الأمر من الترجيح العلمي إلى التصنيف.
الخلاصة: الفقه ليس بطاقةَ عضوية
يمكن تلخيص فكرة هذا الفصل في عبارة واحدة:
ليس كل اختلاف فقهي اختلافًا في المنهج.
فالفقه الإسلامي عرف منذ قرون:
المذاهب، والاجتهاد، والترجيح، والخلاف، وتعدد الأقوال.
وكان العلماء يختلفون في مسائل كثيرة، ومع ذلك لم يكن اختلافهم الفقهي وحده كافيًا لجعل بعضهم خارج دائرة السنة أو العلم.
ومن هنا يضع المؤلف يده على مشكلة يراها في بعض الخطاب السلفي المعاصر:
حين تتحول المسألة الفقهية من سؤال: «ما القول الراجح؟»
إلى سؤال:
«من الذي قال بهذا القول؟ وهل هو سلفي؟»
ثم تتحول الإجابة إلى معيار للقبول والرفض.
وهنا يصبح الخلاف الفقهي أداة للتصنيف بدل أن يكون مجالًا للبحث والاجتهاد.
والسؤال الذي يتركه المؤلف للقارئ:
إذا كان علماء السلف أنفسهم قد اختلفوا في مسائل الفقه، وكانوا ينكرون على من يجعل مسائل الاجتهاد سببًا للتبديع والتفسيق، فكيف أصبح بعض المنتسبين إلى السلفية اليوم يجعلون اختيارًا فقهيًا معينًا علامةً على صحة المنهج؟
وهل اتباع السلف يعني:
أن نكرر اختيارات بعض المتأخرين باسم السلف،
أم يعني:
أن نتعلم من السلف أيضًا كيف اختلفوا، وكيف اجتهدوا، وكيف تعاملوا مع المخالف؟
وهذه النقطة تقودنا إلى موضوع مهم في الفصول التالية:
من «اتباع الدليل» إلى «اتباع الأشخاص»
كيف يتحول الشيخ من معلّمٍ يُستفاد منه إلى مرجعية لا يُراجع قولها؟
وهو امتداد طبيعي للنقد الذي يطرحه المؤلف في هذا الفصل حول التقليد، والفتوى، والمرجعية، وتحول الاختيارات الشخصية إلى علامات على «المنهج».

.jpg)