الخميس، 24 سبتمبر 2026

السلفيون والفقه… هل الخلاف الفقهي يبرّر التصنيف؟

 

«سلفية أم البانية؟!»

السلفيون والفقه… هل الخلاف الفقهي يبرّر التصنيف؟

من أكثر القضايا التي يثيرها كتاب «السلف والسلفيون: رؤية من الداخل» قضية علاقة بعض المنتسبين إلى السلفية بالفقه والخلاف الفقهي.

فالمشكلة ـ كما يعرضها المؤلف ـ ليست في اتباع الدليل، ولا في الدعوة إلى السنة، ولا في ترجيح قول على قول؛ وإنما في السؤال الآتي:

ماذا يحدث عندما يتحول الرأي الفقهي الذي اختاره شخص أو شيخ إلى معيارٍ لمعرفة السلفي من غيره؟

وهل يصبح المخالف في مسألة فقهية مخالفًا للمنهج بالضرورة؟


أولًا: الفقه بطبيعته مجالٌ للاجتهاد

ينطلق المؤلف من حقيقة أساسية:

مسائل الفقه ليست كلها في درجة واحدة من القطع والوضوح.

ففيها مسائل متفق عليها، وفيها مسائل وقع فيها خلاف معتبر بين العلماء.

وقد يختار عالمٌ قولًا، ويختار عالم آخر قولًا مختلفًا، مع كون كل منهما يستند إلى دليل واجتهاد.

ولهذا يستشهد المؤلف بكلام عدد من العلماء الذين كانوا يؤكدون أن الخلاف في مسائل الفقه لا يستلزم تبديع المخالف أو إسقاطه.

ومن العبارات التي يوردها في هذا السياق قول سفيان الثوري رحمه الله:

«إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه.»

ثم يورد عن الإمام أحمد رحمه الله معنى قريبًا من ذلك، في رفض تحميل الناس مذهبًا واحدًا في مسائل الاجتهاد.

وهذه النقطة مهمة؛ لأن الاختلاف الفقهي عند العلماء لم يكن يعني بالضرورة أن أحد الطرفين يمثل السنة، والآخر يمثل البدعة.


ثانيًا: المشكلة حين يصبح الرأي الشخصي هو «الصواب الوحيد»

ينتقد المؤلف ما يصفه بوجود قاعدة معكوسة في بعض الممارسات:

«رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب»

وإنما المشكلة ـ بحسب عرضه ـ عندما تنقلب هذه القاعدة إلى:

رأيي صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ لا يحتمل الصواب!

وهنا لا يعود النقاش نقاشًا فقهيًا هادئًا، وإنما يتحول إلى امتحانٍ للانتماء.

فإذا وافقت قولًا معينًا أصبحت «سلفيًا»، وإذا خالفته أصبحت محل سؤال:

ما منهجك؟

وهنا يرى المؤلف أن الخلاف الفقهي خرج من دائرته الطبيعية.


ثالثًا: متى تتحول المسألة الفقهية إلى قضية «منهج»؟

يعرض الكتاب أمثلة لمسائل فقهية يرى أن بعضها أُدخل في دائرة التصنيف والتمييز، مثل:

  • بعض مسائل اللباس.
  • الإسبال.
  • صيام يوم السبت.
  • عدد ركعات التراويح.
  • مقدار القبضة في اللحية.
  • وغيرها من المسائل التي وقع فيها الخلاف.

ولا يقول المؤلف إن هذه المسائل بلا أحكام أو بلا أدلة، وإنما يناقش طريقة التعامل معها.

فالمسألة قد تكون فقهية، ويكون فيها اجتهاد وخلاف، ثم تتحول تدريجيًا إلى علامة على:

«من معنا ومن ليس معنا»!

وهنا يصبح السؤال:

هل نحن أمام اختلاف فقهي، أم أمام اختبار للانتماء؟


رابعًا: «سلفي»… ثم ماذا؟

ومن الأفكار اللافتة في الفصل أن المؤلف يتساءل عن معنى الانتساب إلى السلفية في المجال الفقهي.

فإذا كان المقصود بالسلفية اتباع الكتاب والسنة وفهمهما وفق منهج السلف، فإن هذا لا يعني ـ في نظره ـ إلغاء التراث الفقهي كله، ولا إلغاء الاجتهاد، ولا جعل قول عالم واحد هو المقياس الذي يلتزم به الجميع.

بل إن تاريخ العلماء الذين ينتسب إليهم السلفيون أنفسهم كان مليئًا بالاجتهاد والخلاف.

وهنا يستشهد المؤلف بكلمات منسوبة إلى أئمة مثل سفيان الثوري والإمام أحمد ومالك وابن تيمية للدلالة على أن الخلاف في مسائل الاجتهاد لا يستوجب أن يتحول إلى خصومة دينية.


خامسًا: «علم نفس الدليل»!

وهنا ينتقل المؤلف إلى نقطة أكثر دقة.

فهو يرى أن الاستدلال لا ينبغي أن يتحول إلى سلسلة من المقدمات التي تُسلَّم بها النتيجة مسبقًا.

فقد يبدأ الشخص من مقدمات مثل:

اتبع السلف → الحديث صحيح → هذا هو قول السنة → إذن هذا هو الحق.

المشكلة ـ كما يعرضها المؤلف ـ ليست في هذه العناوين بذاتها، وإنما في كيفية استخدامها.

فإذا كان الحديث صحيحًا، فهذا لا يعني بالضرورة أن فهم شخص معين له هو الفهم الوحيد الممكن.

وإذا كان هناك دليل، فلا بد من النظر في:

دلالته، وفهم العلماء له، والجمع بين الأدلة، ومساحة الاجتهاد فيه.

ولهذا يورد المؤلف مثالًا يتعلق بفتاوى بعض العلماء، ويرى أن التعامل معها ينبغي ألا يكون على طريقة:

«قال الشيخ، إذن انتهى النقاش!»

بل ينبغي أن يبقى السؤال العلمي قائمًا:

ما الدليل؟ وكيف فُهم؟ وما وجه الاستدلال؟


سادسًا: المفارقة بين رفض التقليد وممارسة التقليد

وهذه من أبرز الأفكار التي يكررها المؤلف في هذا الفصل.

فهو يرى أن بعض الخطاب السلفي يرفع شعار:

«لا تقلدوا الرجال، اتبعوا الدليل»

لكن الممارسة ـ كما ينتقدها ـ قد تؤدي أحيانًا إلى صورة أخرى من التقليد:

الرجوع إلى قول شيخ معين وقبوله دون مراجعة، ثم رفض قول عالم آخر لمجرد مخالفته.

ويضرب المؤلف أمثلة على ذلك من التعامل مع كتب الحديث والتصحيح والتضعيف.

فقد يقول أحدهم:

«صحيح الجامع»

أو:

«صححه شيخنا»

فتصبح نسبة التصحيح إلى العالم كأنها نهاية البحث.

بينما يرى المؤلف أن صحة الحديث لا تتوقف على مجرد اسم من حكم عليه، وأن من حق الباحث أن يناقش الحكم والدليل.

وهذه النقطة عنده تمثل مفارقة:

رفض التقليد في الكلام، مع الوقوع فيه في الممارسة.


سابعًا: عندما يصبح اختيار الشيخ «مذهبًا»

من أخطر ما يراه المؤلف في هذه الظاهرة أن كثرة الاعتماد على اختيارات شيخ أو مدرسة معينة قد تؤدي ـ بمرور الوقت ـ إلى نشوء بنية فقهية خاصة.

فالشيخ لديه:

  • اختيارات فقهية.
  • مؤلفات.
  • منهج في الاستدلال.
  • أصول في الترجيح.
  • فتاوى في النوازل.

ثم يتبعه التلاميذ، وتتكرر اختياراته، وتصبح معروفة ومشهورة.

وهنا يطرح المؤلف سؤالًا ساخرًا يحمل عنوان الفصل:

«سلفية أم البانية؟!»

أي: هل نحن أمام مجرد اتباع لمنهج السلف في الاجتهاد، أم أمام بناء منظومة فقهية معاصرة لها اختياراتها الخاصة، ثم تقديمها بوصفها هي «السلفية»؟


ثامنًا: الفتوى الهاتفية… حين تختصر المسألة العلمية

ينتقل المؤلف إلى ظاهرة أخرى مرتبطة بذلك، وهي الاعتماد على الاتصال الهاتفي بالشيخ للحصول على جواب سريع.

وهو لا يعترض على أصل سؤال العالم؛ فالسؤال من العالم مشروع.

لكن اعتراضه ـ كما يظهر من سياق كلامه ـ على أن تتحول الفتوى المختصرة إلى بديل عن الدراسة والفهم.

فقد يُسأل الشيخ عن مسألة معقدة فيجيب بجملة قصيرة، ثم تتحول هذه الجملة إلى:

حكم نهائي، وقاعدة عامة، وربما معيار لتخطئة الآخرين!

بينما المسائل العلمية قد تحتاج إلى:

قراءة، ومقارنة، ومعرفة بالخلاف، وفهم للأدلة والسياق.


تاسعًا: مشكلة «تصدر الأصاغر للفتيا»

وفي نهاية هذا الجزء يلفت المؤلف إلى ظاهرة أخرى يراها من أسباب الإشكال، وهي تصدر من لم يبلغ درجة كافية من العلم للفتيا والتصنيف.

فالفتوى ليست مجرد معرفة نص أو حفظ حديث.

وإنما تحتاج إلى:

📌 معرفة بالأصول.
📌 معرفة بالخلاف الفقهي.
📌 معرفة بدرجات الأدلة.
📌 معرفة بمواقع الاتفاق والاختلاف.
📌 قدرة على تنزيل الحكم على الواقعة.

ولهذا فإن اختزال العلم في مجموعة من العبارات المحفوظة قد يؤدي إلى أحكام سريعة لا تراعي طبيعة المسألة.


لكن هل يعني هذا أن كل خلاف فقهي مقبول؟

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم حتى لا نفهم كلام المؤلف بطريقة أوسع مما يقصده.

فالفصل لا يقول إن كل الأقوال الفقهية صحيحة لمجرد وجود الخلاف.

ووجود الخلاف لا يعني أن جميع الأقوال متساوية في قوة الدليل.

وإنما القضية التي يناقشها المؤلف هي:

كيف نتعامل مع الخلاف؟

فيمكن للعالم أن يقول:

هذا القول أرجح.

ويمكنه أن يقول:

هذا الحديث أصح.

ويمكنه أن يناقش دليل المخالف.

لكن شيء آخر أن يتحول ذلك إلى:

من لم يأخذ بهذا القول فليس على المنهج!

فهنا ينتقل الأمر من الترجيح العلمي إلى التصنيف.


الخلاصة: الفقه ليس بطاقةَ عضوية

يمكن تلخيص فكرة هذا الفصل في عبارة واحدة:

ليس كل اختلاف فقهي اختلافًا في المنهج.

فالفقه الإسلامي عرف منذ قرون:

المذاهب، والاجتهاد، والترجيح، والخلاف، وتعدد الأقوال.

وكان العلماء يختلفون في مسائل كثيرة، ومع ذلك لم يكن اختلافهم الفقهي وحده كافيًا لجعل بعضهم خارج دائرة السنة أو العلم.

ومن هنا يضع المؤلف يده على مشكلة يراها في بعض الخطاب السلفي المعاصر:

حين تتحول المسألة الفقهية من سؤال: «ما القول الراجح؟»

إلى سؤال:

«من الذي قال بهذا القول؟ وهل هو سلفي؟»

ثم تتحول الإجابة إلى معيار للقبول والرفض.

وهنا يصبح الخلاف الفقهي أداة للتصنيف بدل أن يكون مجالًا للبحث والاجتهاد.


والسؤال الذي يتركه المؤلف للقارئ:

إذا كان علماء السلف أنفسهم قد اختلفوا في مسائل الفقه، وكانوا ينكرون على من يجعل مسائل الاجتهاد سببًا للتبديع والتفسيق، فكيف أصبح بعض المنتسبين إلى السلفية اليوم يجعلون اختيارًا فقهيًا معينًا علامةً على صحة المنهج؟

وهل اتباع السلف يعني:

أن نكرر اختيارات بعض المتأخرين باسم السلف،

أم يعني:

أن نتعلم من السلف أيضًا كيف اختلفوا، وكيف اجتهدوا، وكيف تعاملوا مع المخالف؟

وهذه النقطة تقودنا إلى موضوع مهم في الفصول التالية:

من «اتباع الدليل» إلى «اتباع الأشخاص»

كيف يتحول الشيخ من معلّمٍ يُستفاد منه إلى مرجعية لا يُراجع قولها؟

وهو امتداد طبيعي للنقد الذي يطرحه المؤلف في هذا الفصل حول التقليد، والفتوى، والمرجعية، وتحول الاختيارات الشخصية إلى علامات على «المنهج».

مواقف مشرفة لعلماء المملكة تجاه الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس رحمه الله

 

مواقف مشرفة لعلماء المملكة تجاه الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس  رحمه الله

شهادات ومواقف تستحق أن تُقرأ بإنصاف

حين نتحدث عن الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، فإن الإنصاف يقتضي أن نستمع إلى شهادات العلماء الذين عاصروه وتحدثوا عنه، بعيدًا عن التشنج والخصومة، ودون أن نختزل الرجل وتاريخه في مواقف سياسية أو خلافات فكرية.

ومن الشهادات اللافتة في هذا السياق ما صدر عن عدد من كبار علماء المملكة العربية السعودية، ومن أبرزها كلمة سماحة مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله، وكذلك ما نُقل عن الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رحمه الله.


أولًا: كلمة مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ رحمه الله

عقب اغتيال الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، صدرت عن سماحة مفتي المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ كلمة عبّر فيها عن حزنه واستنكاره للجريمة، وترحّم فيها على الشيخ أحمد ياسين، وسأل الله أن يتقبله في الشهداء.

وجاء في كلمته:

«فإننا قد تلقينا ببالغ الحزن نبأ اغتيال الشيخ الشهيد أحمد ياسين، غفر الله له ورحمه ورفع درجته في المهديين، وخلفه في عقبه في الغابرين، على يد طغمة فاسدة ظالمة عليها من الله ما تستحق».

ثم أشار إلى ما عُرف عن الشيخ أحمد ياسين من الصبر والجهاد والوقوف في وجه الظلم، فقال:

«ولما كان معروفًا عن الشيخ رحمه الله صبره وجهاده ووقوفه في وجه الظلم سني حياته؛ فإني أرجو أن تكون خاتمته هذه خاتمة السعادة، وأن يكون من الشهداء الأبرار...»

ثم استشهد بقول الله تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾

كما أعلن استنكاره لاغتياله، ودعا المنصفين في العالم إلى الوقوف في وجه الظلم، فقال:

«وإنا إذ نعزي أنفسنا وسائر إخواننا المسلمين والشعب الفلسطيني الشقيق وأهل الفقيد، راجين من الله أن يكون شهيدًا، لنستنكر هذا الفعل الإجرامي الظالم، وندعو كافة المنصفين في العالم قادة وشعوبًا إلى الوقوف في وجه الظلم والظالمين».

وختم كلمته بالدعاء للشيخ أحمد ياسين رحمه الله:

«نسأل الله تعالى بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يتقبل أخانا الشيخ أحمد ياسين شهيدًا، وأن يرفع درجته في عليين، ويخلفه في عقبه في الغابرين، وأن يدحر الظالمين وينصر عباده الموحدين، إنه سبحانه سميع مجيب».

وهذه الكلمة – بما تحمله من ترحّم ودعاء واستنكار واضح لعملية الاغتيال – تمثل موقفًا معلنًا من أحد كبار علماء المملكة تجاه الشيخ أحمد ياسين رحمه الله.


ثانيًا: شهادة الشيخ صالح اللحيدان رحمه الله

ومن المواقف اللافتة كذلك ما نُقل عن الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رحمه الله، حين سُئل عن الشيخ أحمد ياسين وحركة حماس، وعن الذين ينتقصون من جهود الشيخ ويصفونه بالضلال.

فجاء في جوابه:

«أعوذ بالله من الضلال»

ثم استشهد ببيت الشعر:

«أَقِلّوا عليهم لا أبا لأبيكمُ
من اللومِ أو سُدّوا المكانَ الذي سَدّوا»

ثم قرر قاعدة مهمة في التعامل مع من كانت له أعمال وجهود ظاهرة، فقال:

«من لم يفعل فعل أولئك، لا يحل له أن يتنقصهم».

وأشار إلى ما اشتهر به الشيخ أحمد ياسين في نظره من الخير والثبات ومقاومة الاحتلال، فقال:

«الرجل اشتهر عنه الخير، والثبات، وإغاظة اليهود ومن ورائهم من حماتهم والمدافعين عنهم، ثم الرجل قُتل قتلة بشعة شنيعة، نسأل الله أن يجعله بعدها في أعلى عليين».

ثم بيّن أن الانتقاص من أمثال هؤلاء لا يدل بالضرورة على فضل المنتقص، وإنما قد يكون سببه الجهل بالوقائع أو الهوى، فقال:

«تنقصهم – هو ومن يقاتل اليهود – لا يدل على خير من المنتقص، وإنما إما يدل على جهل بالحقائق أو عن هوى، والمسلم ينبغي أن يتجنب هذا وهذا».

ثم دعا لحركة حماس بالثبات على الحق والإصلاح والتمسك بشعائر الدين، فقال:

«نسأل الله جل وعلا أن يثبت القائمين على حماس على الحق، وأن يصلحهم، ويعظم في نفوسهم شعائر الدين...»

كما ترحّم على الشيخ أحمد ياسين ودعا له ولذريته وأعوانه، فقال:

«وأما الشيخ أحمد ياسين فنسأل الله جل وعلا أن يتغمده برحمته، ويحسن جزاءه، ويعامله بعفوه، ويصلح ذريته وأعوانه، ويشد أزرهم...»

ثم ختم حديثه بالتأكيد على أن مواجهة الاحتلال – في تصوره – لا تكون بالشعارات القومية وإنما بالتمسك بالدين الإسلامي وتعظيمه والأخذ بما يدعو إليه.


ماذا نتعلم من هذه الشهادات؟

المقصود من إيراد هذه النصوص ليس أن نجعل كلام أي عالم فوق النقد، ولا أن نحول المواقف التاريخية إلى عصمة لأحد، وإنما المقصود هو الإنصاف في قراءة التاريخ، وعدم انتقاء أقوال العلماء بما يخدم موقفًا مسبقًا فقط.

فالشيخ أحمد ياسين رحمه الله كان شخصية عامة مثيرة للنقاش، وقد اختلف الناس في بعض مواقفه واجتهاداته، لكن ذلك لا يبرر تجاهل شهادات علماء كبار عرفوا عصره وتحدثوا عنه، ولا يصح أن يتحول الخلاف معه إلى انتقاص مطلق من شخصه أو تجاهل لما نُسب إليه من صبر وثبات ومقاومة للاحتلال.

والأهم من ذلك أن الاختلاف في الأشخاص والمواقف لا ينبغي أن يتحول إلى إسقاط للإنصاف والعدل.

فمن أراد نقد الشيخ أحمد ياسين أو نقد حركة حماس، فليقدم نقده بالأدلة والوقائع، وليفرق بين النقد العلمي وبين التنقص والتجريح.

ومن أراد الاستشهاد بمواقف العلماء، فليعرض كلامهم كاملًا وفي سياقه، لا أن ينتقي منه ما يوافقه ويترك ما يخالفه.

كلمة أخيرة

إن التاريخ لا يُقرأ بالخصومة، والعلماء لا يُستدعى كلامهم انتقائيًا.

فإذا كان بعض الناس يحتج بأقوال العلماء في موضع، فإن الإنصاف يقتضي أن يعرف أيضًا مواقفهم الأخرى، وأن يقرأ كلامهم كما صدر عنهم، لا كما يريد هو أن يكون.

وهذه النصوص المنقولة عن الشيخ عبد العزيز آل الشيخ والشيخ صالح اللحيدان رحمهما الله تبقى شهادات تاريخية جديرة بالقراءة والتأمل، خصوصًا لمن يتعامل مع قضية الشيخ أحمد ياسين بمنطق الأحكام المسبقة والانتقاص المطلق.

حكم الأناشيد الإسلامية عند الشيخ ابن باز وابن العثيمين والالباني واللجنة الدائمة للإفتاء

 


إن كنتم تتبعونهم… فمن تتبعون؟

من القضايا التي كثر فيها التشدد والتصنيف داخل بعض الأوساط السلفية: قضية الأناشيد الإسلامية.

فقد يُصوَّر الاستماع إلى الأناشيد أحيانًا وكأنه منكرٌ على إطلاقه، ويُشنَّع على من يسمعها أو ينشدها، وربما صار ذلك سببًا للطعن في الأشخاص وتصنيفهم.

لكن السؤال هنا بسيط:

إذا كان هؤلاء العلماء من أئمتكم الذين تحتجون بأقوالهم، فلماذا لا يُؤخذ بتفصيلهم في هذه المسألة؟

ولننظر إلى أقوال عدد من أبرز العلماء الذين يُحتج بهم في المدرسة السلفية.


أولًا: الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله

لم يحكم الشيخ ابن باز على الأناشيد الإسلامية حكمًا مطلقًا بالتحريم، بل قرر أن المسألة تحتاج إلى تفصيل.

ومما نُقل عنه:

«الأناشيد الإسلامية فيها تفصيل، لا يمكن الجواب عنها مطلقًا، لا بد يكون فيها تفصيل».

ثم بيّن أن الأنشودة إذا كانت مشتملة على معانٍ صحيحة، كالحث على مكارم الأخلاق، والجهاد في سبيل الله، وبر الوالدين، وإكرام الجار، والإخلاص لله، وغير ذلك من المعاني المشروعة، وكانت خالية مما يخالف الشرع، فلا حرج فيها.

وقال رحمه الله في موضع آخر:

«الأناشيد الإسلامية مثل الأشعار؛ إن كانت سليمة فهي سليمة، وإن كانت فيها منكر فهي منكر».

وهذا أصل مهم:

ليس كل ما يسمى نشيدًا مباحًا، وليس كل ما يسمى نشيدًا محرمًا.

بل يُنظر في مضمونه وطريقة أدائه وما يصاحبه من أمور.


ثانيًا: الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

والشيخ ابن عثيمين أيضًا لم يتعامل مع الأناشيد بحكم واحد يشمل جميع صورها.

فقد بيّن أن الأناشيد في بدايتها كانت خالية من بعض الأمور التي طرأت عليها لاحقًا، وأنه إذا كانت خالية من المحاذير التي ذكرها فهي جائزة.

ومعنى كلامه أن الحكم يتغير بحسب الصورة والمحتوى وطريقة الأداء.

فليس من المنهج العلمي أن تُجمع جميع الأناشيد في حكم واحد، ثم يُنسب ذلك إلى الشيخ ابن عثيمين مطلقًا.


ثالثًا: الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله

أما الشيخ عبد الله بن جبرين فقد صرّح باختياره جواز الأناشيد إذا سلمت من المحاذير.

ومما نُقل عنه:

«ولكن المختار عندي: جواز ذلك إذا سلمت من المحذور».

وبيّن أن من الأناشيد ما يشتمل على الحماس وتشجيع المسلمين على الأعمال الصالحة، والتحذير من المعاصي، وبعث الهمم إلى فعل الخيرات.

وهنا يظهر بوضوح أن الشيخ لم يجعل مجرد كون الكلام نشيدًا سببًا للتحريم.


رابعًا: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله

والألباني كذلك لم يحكم على الأناشيد ذات المعاني الإسلامية بالتحريم على إطلاقها.

بل ذكر شروطًا وضوابط، منها أن تكون المعاني إسلامية، وألا يصاحبها شيء من آلات المعازف، وأن تخلو من المخالفات الشرعية، وألا تتحول إلى عادة تستغرق وقت المسلم وتصدّه عن القرآن وطلب العلم والدعوة.

إذن القضية عنده أيضًا ليست:

نشيد = حرام.

بل:

نشيد له محتوى وطريقة وأحوال وضوابط، فينظر فيه على هذا الأساس.


خامسًا: اللجنة الدائمة للإفتاء

وهذه نقطة مهمة جدًا لمن يحتج بفتاوى اللجنة الدائمة.

فقد ورد في بعض فتاواها جواز الاستعاضة عن الأغاني المحرمة بالأناشيد الإسلامية التي تشتمل على الحكم والمواعظ والعبر، وتبعث الحماس والغيرة على الدين، وتنفر من الشر، وتدعو إلى طاعة الله.

لكنها في الوقت نفسه وضعت ضوابط، منها ألا يجعلها المسلم وِردًا دائمًا وعادة مستمرة، وأن يكون القرآن والأذكار النبوية أعظم عنايته.

وهذا يدل مرة أخرى على أن الكلام ليس عن تحريم الأناشيد بإطلاق، وإنما عن ضوابط وشروط وصور مختلفة.


إذن أين المشكلة؟

المشكلة ليست في أن يختار شخصٌ من أهل العلم قولًا معينًا في مسألة الأناشيد.

فالمسألة فيها تفصيل، والعلماء أنفسهم اختلفت عباراتهم وتشددهم بحسب صور الأناشيد وأحوالها.

لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول رأي فقهي في صورة معينة من الأناشيد إلى قاعدة عامة للتبديع والتصنيف والتشنيع على الناس.

فإذا كان كبار العلماء الذين يُحتج بهم قد فرّقوا بين:

النشيد السليم

و

النشيد المشتمل على محاذير

فكيف يُقال بعد ذلك:

كل الأناشيد محرمة؟

وأين ذهب التفصيل الذي قرره هؤلاء العلماء؟


والأهم من ذلك:

إذا كان ابن باز وابن عثيمين والألباني وابن جبرين وغيرهم من العلماء الذين يُقدَّمون بوصفهم من أئمة المنهج السلفي، فهل تُقبل أقوالهم عندما توافق موقفًا معينًا، ثم تُترك أقوالهم الأخرى عندما لا توافقه؟

هل المرجع هو الدليل وكلام العلماء، أم أن الموقف المسبق هو الذي يُختار له من أقوال العلماء ما يؤيده؟

هذه ليست دعوة إلى أن تكون الأناشيد كلها مباحة.

وليست دعوة إلى إطلاق الباب بلا ضوابط.

بل هي دعوة إلى الإنصاف في النقل عن العلماء.

فالأنشودة التي تشتمل على محرمات أو ألفاظ فاسدة أو أداء محرم يُحكم عليها بحسب ما فيها.

أما الأنشودة الخالية من المحاذير، ذات المعاني المباحة أو النافعة، فلا يصح أن تُلحق تلقائيًا بكل صورة محرمة لمجرد أنها تسمى «نشيدًا».


خلاصة المسألة

أقوال هؤلاء العلماء تدل على أمر واضح:

الأناشيد ليست حكمًا واحدًا في جميع صورها.

بل منها ما يُقبل، ومنها ما يُرد، بحسب:

  • مضمونها ومعانيها.

  • طريقة أدائها.

  • ما يصاحبها من آلات أو محاذير.

  • أثرها على المسلم.

  • وعدم تحولها إلى ما يصد عن القرآن والعلم والذكر.

فإذا كنتم تحتجون بابن باز وابن عثيمين والألباني وابن جبرين في مسائل المنهج والعقيدة والفقه…

فخذوا كلامهم في الأناشيد أيضًا كما هو، بتفصيله وضوابطه، لا كما تريدون أن يكون.

والسؤال الذي يبقى مطروحًا:

إذا كنتم تتبعون كبار علماء السلفية… فلماذا يُترك تفصيلهم هنا؟ ومن تتبعون في هذه المسألة؟

رسالة إلى السلفية المدخلية - هذا موقف ابن باز من التشدد في التحذير من الدعاة

 

رسالة إلى السلفية المدخلية

هذا موقف ابن باز من التشدد في التحذير من الدعاة

من المهم أن نقرأ مواقف العلماء كاملة، لا أن ننتقي منها ما يوافق رأيًا مسبقًا، ثم نترك ما يخالفه.

ومن الوثائق اللافتة في هذا الباب خطابٌ من سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله إلى الشيخ فالح بن نافع الحربي، مؤرخ في 12/08/1406هـ، تناول فيه موقف الحربي من جماعة التبليغ، وانتقاده لما صدر عن ابن باز والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمهما الله من كلام فيهم.

واللافت في الخطاب أن ابن باز رحمه الله لم يكتفِ بمخالفة هذا الموقف، بل انتقد بشدة التنقص من العلماء، والتسرع في التحذير، والنفرة من الدعاة، وإغلاق باب التواصل والنصح.

ابن باز يرفض التنقص من العلماء

يقول ابن باز رحمه الله، في معرض حديثه عن اعتراض فالح الحربي على ما كتبه هو والشيخ محمد بن إبراهيم:

«ولقد ساءني كثيراً تنقصك وحطك من قدره...»

ثم يعقب مستنكرًا تقديم آراء بعض الأشخاص على رأي الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، ويقول:

«فأين يقع علم هؤلاء ورأيهم من علم شيخنا وبصيرته وبعد نظره وسعة اطلاعه وتأنيه وحكمته؟»

وهنا تظهر قاعدة مهمة:

ليس من منهج العلماء أن تُهدر مكانة العالم الكبير لمجرد أن رأيه لم يوافق رأي بعض طلبة العلم أو الدعاة.

الموازنة بين المصالح والمضار

ثم يوضح ابن باز رحمه الله منهجه في التعامل مع جماعة التبليغ، فيقول:

«ونحن بحمد الله على بصيرة من ديننا ونوازن بين المصالح والمضار...»

وهذه عبارة جديرة بالتأمل.

فالتعامل مع الدعاة والجماعات لا يكون بمجرد إطلاق الأحكام، وإنما بالنظر في المصالح والمفاسد، وما يترتب على المخالطة والنصيحة والتحذير.

ثم يبين أن ما اطمأن إليه هو الوقوف إلى جانبهم مع نصحهم فيما يقع منهم من أخطاء، قائلًا:

«مع مناصحتهم فيما يحصل من بعضهم من النقص الذي هو من لوازم البشر كلهم إلا من شاء الله.»

أي أن وجود الأخطاء عند بعض الأفراد لا يعني بالضرورة إسقاط الجميع، ولا إغلاق باب النصيحة والإصلاح.

مخالطة الدعاة ونصحهم أم النفرة منهم؟

ثم يطرح ابن باز رحمه الله طريقًا آخر في التعامل، فيقول:

«ولو أن إخواننا من المشايخ وطلبة العلم الذين أشرت إليهم خالطوهم وشاركوهم في الدعوة إلى الله ووجهوهم وكملوا ما يحصل منهم من النقص وأرشدوهم فيما يخطئون فيه، لحصل بذلك خير كثير ونفع عظيم للإسلام والمسلمين.»

هذه ليست دعوة إلى السكوت عن الأخطاء.

وليست تزكية مطلقة لكل ما يصدر عن الجماعة.

بل هي دعوة إلى المخالطة والنصيحة والتوجيه والإصلاح بدل تحويل الخلاف إلى قطيعة وتحذير دائم.

ولهذا جاء كلامه صريحًا:

«أما النفرة منهم والتخلي عنهم والتحذير من مخالطتهم فهذا غلط كبير وضره أكبر من نفعه.»

رسالة تستحق التأمل

إذا كان هذا هو كلام ابن باز رحمه الله في التعامل مع جماعة رأى أن عندها أخطاء ونقصًا يحتاج إلى التوجيه، فكيف يتحول التحذير من الدعاة، والتصنيف، والهجر، والتشهير، وتوسيع دائرة الخصومة إلى منهج دائم لا يكاد ينتهي؟

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:

النصيحة والتحذير من خطأ محدد بدليل،
وبين
تحويل التحذير إلى منهج لإسقاط الأشخاص والدعاة وإبعاد الناس عنهم.

فالخطأ يُبيَّن، والدليل يُذكر، والعالم يُنصح، والداعية يُوجَّه، لكن لا ينبغي أن يصبح الخلاف العلمي سببًا في تمزيق صف المسلمين وإسقاط كل من خالفنا.

ابن باز يطلب إعادة النظر

ثم يخاطب ابن باز رحمه الله فالح الحربي مباشرة:

«فاتهم الرأي يا أخي واضرع إلى ربك أن يشرح صدرك لما هو أحب إليه والأنفع لعباده...»

ثم يختم بالدعاء:

«وأسأل الله أن يرينا وإياكم الحق حقًا ويمن علينا باتباعه، والباطل باطلًا ويمن علينا باجتنابه...»

وهذا من أدب العلماء في الخلاف:

بيان الخطأ، مع بقاء الأخوة، والدعاء بالهداية، وعدم تحويل الخلاف إلى خصومة شخصية.

وحتى الشيخ محمد أمان الجامي!

والأكثر لفتًا للنظر أن ابن باز رحمه الله أضاف في نهاية الخطاب توضيحًا يتعلق بما نُسب إلى الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله من رجوعه عن الثناء على جماعة التبليغ ووصفهم بالخرافية والبدعة.

فقال:

«فقد أنكر ذلك واستغربه جداً وأخبر أنه لا زال على ما كتب عنهم لأنه كتبه عن مشاهدة ويقين...»

وهذه النقطة مهمة؛ لأنها تُظهر أن ابن باز لم يكن يتعامل مع المسألة من خلال ما يُنقل إليه من أقوال، بل كان يحرص على التحقق من الموقف ونسبته إلى صاحبه.

الرسالة الأهم

يا من ترفعون اسم ابن باز رحمه الله وتحتجون بكلامه:

اقرؤوا كلامه كاملًا، لا ما يوافق موقفكم فقط.

فابن باز لم يجعل منهج الدعوة قائمًا على النفرة من المخالفين، ولا على إسقاط الدعاة بالجملة، بل دعا إلى المخالطة، والنصيحة، والتوجيه، والموازنة بين المصالح والمفاسد.

وكان يرى أن التحذير من المخالطة قد يكون:

«غلطًا كبيرًا وضرره أكبر من نفعه».

وهذا لا يعني أن ابن باز كان يوافق على كل قول أو ممارسة، ولا أنه يمنع من بيان الأخطاء والتحذير من الخطأ الثابت.

ولكنه يضع أمامنا منهجًا مختلفًا:

نصحٌ بدل التشهير،
وتوجيهٌ بدل الإسقاط،
وتحققٌ بدل النقل،
وموازنةٌ بدل التعميم،
وإنصافٌ بدل الانتقائية.

فإن كان ابن باز رحمه الله مرجعًا يُحتج بكلامه، فالأولى أن يُؤخذ منهجه في التعامل مع المخالف كما يُؤخذ كلامه في المسائل الأخرى، لا أن يُنتقى من تراثه ما يخدم موقفًا معينًا ويُترك ما عداه.

والعدل يقتضي أن نقرأ كلام العلماء كله، ثم نحكم بالدليل، لا أن نحاكم العلماء إلى مواقفنا المسبقة.

المصدر المذكور في النص: خطاب الشيخ عبد العزيز بن باز إلى فالح بن نافع الحربي، بتاريخ 12/08/1406هـ.

إذا كان ابن باز إمامًا عندكم… فهذه كلماته في الجماعات والتحزّب!

 


إذا كان ابن باز إمامًا عندكم… فهذه كلماته في الجماعات والتحزّب!

الحق يُتَّبع ولو كان مع غير جماعتكم

من أكثر القضايا التي تحتاج إلى مراجعة هادئة في واقع العمل الإسلامي: قضية الانتماء إلى الجماعات، والتعامل مع المخالف، وتحويل الانتماء إلى جماعة أو تيار إلى معيار للحكم على الناس.

ولهذا من المفيد أن نرجع إلى كلام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، وهو من أبرز العلماء الذين يُستند إلى أقوالهم في الخطاب السلفي المعاصر.

والسؤال هنا ليس: ماذا يقول فلان أو علان؟

بل:

ماذا قرر ابن باز نفسه في هذه المسألة؟


أولًا: لا تلتزم بمنهج جماعة لا تحيد عنه

سُئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن حكم الانتماء إلى الجماعات الإسلامية والالتزام بمنهج جماعة معينة دون سواها، فقال:

«الواجب على كل إنسان أن يلتزم بالحق، قال الله عز وجل، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وألا يلتزم بمنهج أي جماعة: لا إخوان مسلمين ولا أنصار سنة ولا غيرهم، ولكن يلتزم بالحق».

وهذه قاعدة واضحة:

الانتماء لا يجعل قول الجماعة حقًا، كما أن مخالفة الجماعة لا تجعل القول باطلًا.

ثم يقرر الشيخ معنى أكثر وضوحًا، فيقول إن المسلم إذا وجد الحق مع جماعة أخذ به، وإذا وجده مع جماعة أخرى أخذ به، ولا يجعل نفسه أسيرًا لاسم أو تنظيم أو منهج لا يحيد عنه.

فالمعيار عند ابن باز رحمه الله هو:

الحق أولًا… والانتماء ثانيًا.


ثانيًا: «يدور مع الحق حيث دار»

من أقوى العبارات الواردة في كلام الشيخ قوله:

«يدور مع الحق حيث دار».

وهذه العبارة تختصر القضية كلها.

فليس المطلوب أن يسأل المسلم:

من قال هذا؟ ومن أي جماعة هو؟

ثم يجعل الانتماء سابقًا على الدليل.

بل السؤال الصحيح:

ما الدليل؟ وأين الحق؟

ولهذا يقرر ابن باز رحمه الله أن المسلم يمكن أن يأخذ الحق ممن وافقه فيه، وأن يعين الجماعات الأخرى في الحق، ولا يكون معهم فيما أخطؤوا فيه.

وهذا أصل مهم جدًا في التعامل مع الجماعات والتيارات الإسلامية.


ثالثًا: الجماعة عند ابن باز ليست اسمًا تنظيميًا

وفي جواب آخر، سُئل الشيخ عن حديث حذيفة رضي الله عنه، وهل الجماعات الإسلامية الموجودة اليوم تدخل في الفرق التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم باعتزالها.

فبيّن ابن باز أن الجماعة التي تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليست بمجرد وجودها في صورة جماعة من الفرق الضالة.

ثم قرر معنى مهمًا:

«فمتى وجد المسلم جماعة تدعو إلى الحق ساعدهم وصار معهم، وأعانهم وشجعهم وثبتهم على الحق والبصيرة».

بل يذكر الشيخ أن المسلم إذا لم يجد جماعة بالكلية، فإنه يلزم الحق، ويستشهد بقول ابن مسعود رضي الله عنه:

«الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك».

وهنا تظهر المسألة بوضوح:

الجماعة ليست مجرد اسم، وليست شعارًا، وليست بطاقة انتماء.

وإنما العبرة بما وافق الحق.


رابعًا: تعدد الجماعات لا يعني أن الحق محصور في جماعة واحدة

ومن كلام ابن باز رحمه الله أنه ذكر وجود جماعات ومراكز إسلامية متعددة في بلدان مختلفة، وقرر أن العبرة ليست بالأسماء.

فقد تكون جماعة هنا، وجماعة هناك، وكلتاهما تدعو إلى الكتاب والسنة، ولا يضر اختلاف الأسماء ما دام الأصل هو الاستقامة على الحق.

ويقول:

«الأسماء لا تضرهم، لكن عليهم أن يتقوا الله، وأن يصدقوا في ذلك».

وهذه العبارة جديرة بالتأمل.

فإذا كان اسم الجماعة وحده لا يكفي للحكم عليها، فلا يصح أن يتحول اسم:

السلفية، أو الإخوان، أو أنصار السنة، أو غيرها

إلى معيار مستقل للحكم على الأشخاص والجماعات.

المعيار هو:

العقيدة، والدليل، والعمل، والاستقامة على الحق.


خامسًا: حتى الجماعة التي تخطئ لا تُعامل بمنطق الإقصاء المطلق

ومن أهم ما قرره ابن باز رحمه الله أنه إذا أخطأت الجماعة في شيء، فالواجب هو:

التنبيه، والإرشاد، وبيان الحق بالدليل.

ويقول:

«وإذا أخطأت الجماعة في شيء فالواجب على أهل العلم تنبيهها وإرشادها إلى الحق إذا اتضح دليله».

ثم يضيف:

«الواجب على أهل العلم... بالرفق والحكمة والأسلوب الحسن».

وهنا سؤال يستحق التأمل:

هل كل خطأ يستلزم إسقاط الجماعة كلها؟
وهل كل مخالفة تستلزم إسقاط جميع علمائها ودعاتها؟
وهل يصبح من لم يوافقك في كل جزئية خصمًا يجب التحذير منه؟

كلام ابن باز هنا يضع منهجًا مختلفًا:

خطأ يُنَبَّه عليه، ودليل يُبيَّن، ونصيحة تُقدَّم، وحق يُتَّبع.


سادسًا: ابن باز يحذر من التنافر بين الجماعات

وسُئل الشيخ عن وجود الجماعات الإسلامية في البلدان الإسلامية، فأجاب بأن وجودها فيه خير، لكنه شدد على ضرورة أن:

  • توضح الحق بالدليل.

  • لا تتنافر مع بعضها.

  • تتعاون فيما بينها.

  • تحب إحداها الأخرى.

  • تنصح لها.

  • تنشر محاسنها.

  • تترك ما يشوش العلاقة بينها وبين غيرها.

وهذا يضع قاعدة في غاية الأهمية:

الخلاف لا ينبغي أن يتحول إلى تحزب وتباغض وإسقاط متبادل.

فإذا كانت الجماعات كلها تنتسب إلى الإسلام، فالواجب أن يكون التعامل معها قائمًا على:

الحق، والنصيحة، والعلم، والحكمة، والتعاون على البر والتقوى.


سابعًا: ماذا قال ابن باز للشباب داخل الجماعات؟

ولم يجعل ابن باز رحمه الله الشاب أسيرًا لجماعته، بل أوصاه بأن:

«يترسموا طريق الحق ويطلبوه».

وأوصاهم بأن يسألوا أهل العلم فيما أشكل عليهم، وأن يتعاونوا فيما ينفع المسلمين، وأن يكون:

الحق دليلهم، والسلف الصالح قدوتهم.

وهذه العبارة الأخيرة بالغة الأهمية:

الحق دليلهم.

وليس:

الجماعة دليلهم.

وليس:

الشيخ الفلاني دليلهم.

وليس:

التصنيف التنظيمي دليلهم.

فالشيخ نفسه يجعل الدليل والحق فوق الانتماء.


الرسالة التي ينبغي أن تُفهم

ليس المقصود من نقل كلام ابن باز رحمه الله أن نضعه في مواجهة جماعة بعينها، ولا أن نزعم أنه كان يتحدث عن تيار معاصر بعينه.

وإنما المقصود أن نقرأ أصوله كما قررها هو.

فإذا قال:

«لا يلتزم بمنهج أي جماعة»

وقال:

«يدور مع الحق حيث دار»

وقال:

«الأسماء لا تضرهم»

وقال:

«إذا أخطأت الجماعة... الواجب على أهل العلم تنبيهها وإرشادها»

وقال:

«الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك»

فمن حقنا أن نتساءل:

هل هذه القواعد تسمح بتحويل الانتماء إلى جماعة إلى معيار للحكم على الناس؟

وهل تسمح بأن يكون اسم الجماعة أهم من الدليل؟

وهل تسمح بأن يصبح المخالف في مسألة أو عدة مسائل خارجًا عن دائرة أهل السنة لمجرد أنه لا يوافق جماعة معينة في كل شيء؟

هذه أسئلة ينبغي أن تُناقش بالدليل، لا بالشعارات.


الخلاصة

كلام ابن باز رحمه الله يرسم منهجًا واضحًا في التعامل مع الجماعات:

لا تعصب للأسماء.

لا التزام أعمى بجماعة.

لا تجعل الأشخاص معيارًا للحق.

خذ الحق ممن جاء به.

انصح المخطئ بدل أن تسقطه لمجرد خطئه.

تعاون مع المسلمين في الحق، ولا توافقهم فيما أخطؤوا فيه.

واجعل الدليل هو الحاكم.

فإذا كان ابن باز رحمه الله من العلماء الذين يُحتج بكلامهم، فهذه القواعد ينبغي أن تُقرأ كاملة، لا أن نأخذ من كلامه ما يوافقنا ونترك ما يخالف طريقة تعاملنا مع المخالفين.

فالحق لا يصبح حقًا لأن جماعتنا قالته،
والباطل لا يصبح باطلًا لأن جماعتنا رفضته.

الميزان الذي قرره ابن باز رحمه الله أبسط من ذلك كله:

«يدور مع الحق حيث دار».

تزكيات الشيخ عبدالله بن جبريل للشيخ سلمان العودة وسفر الحوالي .

 



إذا كان ابن جبرين من علمائكم… فكيف تُفسَّر شهاداته في سلمان العودة وسفر الحوالي؟

هناك أسماء من العلماء لا يكاد يختلف المنتسبون إلى التيار السلفي في مكانتهم العلمية، ومن هؤلاء الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين رحمه الله.

ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس عن سلمان العودة أو سفر الحوالي ابتداءً، ولا عن الاتفاق مع كل ما صدر عنهما أو الاختلاف فيه، وإنما عن منهج التعامل مع شهادة عالم كبير فيهما، خاصة عندما تكون شهادته صريحة ومتعددة ومبنية ـ بحسب ما نُقل عنه ـ على معرفة ومجالسة وقراءة وسماع.

فإذا كان ابن جبرين من علمائكم، فكيف تُفسَّر شهاداته في سلمان العودة وسفر الحوالي؟


أولًا: ماذا قال ابن جبرين عن سلمان العودة وسفر الحوالي؟

نُقل عن الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله في حديثه عن عدد من الدعاة قوله عن سلمان العودة إنه من أئمة الدعوة، وعن سفر الحوالي أنه من أهل التوحيد والعقيدة السليمة والمتبعين للسلف الصالح.

كما أثنى على ناصر العمر وعائض القرني، وذكرهم ضمن دعاة وعلماء قال عنهم إنهم من أهل العلم الشرعي الصحيح.

وهذه ليست مجرد عبارات عابرة من قبيل الثناء الاجتماعي، بل جاءت في سياق حديث مطول عن دعوتهم وعلمهم وعقيدتهم وما قدموه.

فكيف نفهم هذه الشهادة إذا كان بعض من ينتسبون إلى المنهج السلفي قد تعاملوا مع هؤلاء الدعاة لاحقًا بمنطق مختلف تمامًا؟


ثانيًا: ابن جبرين لم يكتفِ بالثناء العام على سلمان العودة

ومن أقوى النصوص المنقولة عن الشيخ ابن جبرين تزكيته للشيخ سلمان العودة قبل دخوله السجن بفترة وجيزة، والمؤرخة في 27/4/1415هـ.

وقد ذكر ابن جبرين أنه تعرّف إلى سلمان العودة، وجالسه مرارًا، وقرأ بعض كتبه ونشره، وحضر بعض دروسه ومحاضراته، وسمع الكثير من أشرطته.

ثم تحدث عن سعة علمه، وتبحره في الشريعة والسنة، وحفظه للأحاديث، واستحضاره للأدلة، وما وهبه الله من الذكاء والفهم والإدراك والاستنباط.

بل إنه ذكر أنه عرفه متقيدًا بمذهب أهل السنة والجماعة في أبواب من الاعتقاد، وأنه رأى منه محاربة للشبهات والتيارات المخالفة للإسلام.

ثم قال في ختام تزكيته ما معناه أن ما أُشيع عنه من التهم لا ينبغي أن يُصدَّق دون معرفة الحقائق.

فالسؤال هنا ليس: هل سلمان العودة معصوم من الخطأ؟

فالجواب واضح: لا أحد من العلماء والدعاة معصوم من الخطأ.

وإنما السؤال:

كيف تُفسَّر هذه الشهادة الصريحة من عالم كبير عرف الرجل وجالسه وقرأ كتبه وسمع دروسه، ثم وصفه بهذه الأوصاف؟


ثالثًا: ابن جبرين يقرر قاعدة في التعامل مع العلماء والدعاة

الأهم من مجرد أسماء سلمان العودة وسفر الحوالي أن ابن جبرين قرر في كلامه قواعد عامة في التعامل مع العلماء والدعاة.

فقد سُئل عن شخص يقوم بتبديع طالب علم عُرف بأنه من أهل السنة والجماعة، وزكاه عدد من العلماء والمشايخ، بسبب وقوعه في خطأ أو أكثر.

فكان جوابه ـ بحسب النص المنقول عنه ـ واضحًا في التحذير من هذا الأسلوب.

وأوضح أن العالم قد يقع في الخطأ، وأن مجرد وجود خطأ لا يعني إسقاط مكانته ولا تحويله إلى مبتدع.

وهذه قاعدة مهمة جدًا:

الخطأ لا يساوي بالضرورة الانحراف، والانحراف في مسألة لا يعني بالضرورة إسقاط الشخص كله.


رابعًا: ماذا قال عن اقتطاع كلام العلماء؟

ومن أكثر النقاط أهمية في كلام ابن جبرين تحذيره من أخذ مقطع من كلام العالم وترك بقية كلامه.

وبيّن أن بعض الناس قد يأخذون قطعة من جملة، ثم يبنون عليها حكمًا كبيرًا، دون الرجوع إلى السياق السابق واللاحق، أو إلى مجموع كلام العالم.

وهذا منهج في غاية الأهمية في قراءة كلام العلماء.

فليس من الإنصاف أن نبحث عن عبارة محتملة، ثم نبني عليها حكمًا شاملًا على صاحبها، بينما توجد في كلامه مواضع أخرى تشرح مقصوده وتبين مراده.

ولهذا كان من قواعد الإنصاف:

أن يُجمع كلام العالم قبل الحكم عليه، وأن يُفسَّر كلامه بكلامه، وألا تُجعل العبارة المحتملة حاكمة على مجموع كلامه.


خامسًا: لا تذكر السيئات وتكتم المحاسن

ومن القواعد التي تظهر بوضوح في كلام ابن جبرين نقده لمنهج الاقتصار على أخطاء الدعاة وإخفاء محاسنهم.

فقد سُئل عن شباب جعلوا منهجهم التشهير ببعض الدعاة وطلبة العلم، وإظهار سلبياتهم فقط، وعدم ذكر حسناتهم، بحجة التحذير منهم.

فأنكر هذا الأسلوب، وقرر أن الإنصاف يقتضي أن تُذكر المحاسن والمساوئ معًا.

وهذه قاعدة لا تخص سلمان العودة ولا سفر الحوالي وحدهما، وإنما هي قاعدة عامة في التعامل مع كل عالم وداعية:

لا تجعل الخطأ كلَّ الصورة، ولا تجعل الحسنة تمحو الخطأ، بل ضع الأمور في مواضعها.


سادسًا: هل كل خطأ يوجب التبديع؟

في كلامه عن البدع، فرّق ابن جبرين بين درجاتها، ولم يجعل جميع البدع في مرتبة واحدة.

كما قرر في مسألة تبديع أهل العلم أن الحكم لا ينبغي أن يبنى على مجرد خطأ أو عبارة محتملة.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أمر مهم:

النقد العلمي شيء، والتبديع والتشهير والإسقاط شيء آخر.

يمكن للباحث أن يقول:

«هذا القول خطأ.»

ويمكنه أن يناقش الدليل ويبين وجه الاعتراض.

لكن الانتقال من نقد قول معين إلى إسقاط الشخص وتبديعه يحتاج إلى علم ودليل وضوابط، وليس إلى مجرد تجميع العبارات والمقاطع.


سابعًا: ابن جبرين يحذر من تتبع العثرات

ومن العبارات البارزة في كلامه نقده لمنهج الذين يتتبعون الزلات، ويحملون الكلام ما لا يحتمل، ويجمعون المقاطع والأخطاء ليجعلوا منها قضية كبرى.

وهنا تظهر مسألة تستحق التأمل:

إذا كان العالم الذي يُرجع إليه بعض المنتسبين إلى السلفية يحذر من تتبع العثرات، واقتطاع الكلام، وكتمان المحاسن، وسوء الظن، والتسرع في التبديع…

فهل يصح بعد ذلك أن يتحول هذا الأسلوب نفسه إلى منهج دائم في التعامل مع العلماء والدعاة؟

هذا هو السؤال الحقيقي.


ثامنًا: ابن جبرين لم يجعل الاختلاف الاجتهادي سببًا للتضليل

ومن النصوص المهمة في المادة المنقولة عنه حديثه عن التفريق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة في كلام سلمان العودة.

فبدل أن يتعامل مع المسألة بمنطق:

«خالفني إذن هو مبتدع»،

حملها على الاجتهاد، وذكر أن سلمان اعتمد في ذلك على أحاديث، وأن المسألة لا يلزم أن تكون طعنًا في العقيدة، وأن مثل هذا التفريق ليس من المسائل التي يُضلَّل بها.

وهنا قاعدة أخرى:

ليس كل اختلاف علمي أو اجتهادي اختلافًا في أصول المنهج، وليس كل خطأ في الفهم موجبًا لإخراج صاحبه من دائرة أهل السنة.


تاسعًا: ليس المطلوب أن نقول إن سلمان أو سفر لا يخطئان

ومن المهم أن يكون الكلام منصفًا.

هذه التزكيات لا تعني أن سلمان العودة أو سفر الحوالي معصومان من الخطأ.

ولا تعني أن كل ما قالاه صحيح.

ولا تعني أن العالم الذي زكّى شخصًا يمنع الآخرين من نقد أقواله.

فالعلماء بشر، يصيبون ويخطئون.

لكن الفرق كبير بين:

نقد قول بالدليل

وبين:

إسقاط شخص كامل بسبب مجموعة من العبارات المنتقاة.

والفرق أكبر بين:

بيان الخطأ

وبين:

التشهير والتبديع والطعن في النيات.


عاشرًا: السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه

إذا كان الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله من العلماء الذين يُحتج بكلامهم ويُعتد بشهادتهم…

وإذا كان قد عرف سلمان العودة وجالسه وقرأ كتبه وسمع دروسه، ثم أثنى على علمه ومنهجه…

وإذا كان قد وصف سفر الحوالي بأنه من أهل التوحيد والعقيدة السليمة والمتبعين للسلف الصالح…

وإذا كان قد حذّر في الوقت نفسه من اقتطاع كلام العلماء، وتتبع زلاتهم، وكتمان محاسنهم، والتسرع في تبديعهم…

فالسؤال المشروع هو:

كيف تُفسَّر هذه الشهادات مع بعض الخطابات التي ظهرت لاحقًا في التعامل مع هؤلاء الدعاة؟

هل نأخذ من ابن جبرين تزكيته لهم ونضعها في الاعتبار؟

أم نأخذ منه أيضًا قواعده في الإنصاف وحسن الظن وعدم تتبع العثرات؟

أم ننتقي من كلامه ما يوافق موقفنا ونترك ما لا يوافقه؟

وهنا يظهر الاختبار الحقيقي للمنهج:

هل نأخذ كلام العلماء باعتباره منهجًا متكاملًا، أم ننتقي منه ما يخدم موقفًا سابقًا؟


الخلاصة

المقصود من هذه الشهادات ليس تحويل سلمان العودة أو سفر الحوالي إلى شخصيات فوق النقد، ولا القول إن كل ما صدر عنهما صواب.

وإنما المقصود التذكير بقاعدة أوسع وأهم:

العلم والإنصاف لا يجتمعان مع الانتقائية.

فإذا كان ابن جبرين عالمًا معتبرًا عندك، فخذ أيضًا بمنهجه في التعامل مع العلماء:

لا تقتطع الكلام من سياقه.

لا تجعل الخطأ الواحد عنوانًا على الرجل كله.

لا تكتم المحاسن وتذكر المساوئ فقط.

لا تتسرع في التبديع.

لا تتبع العثرات.

واحمل كلام أخيك المسلم على أحسن المحامل ما وجدت إلى ذلك سبيلًا.

وفي النهاية، لا نطالب أحدًا بأن يوافق سلمان العودة أو سفر الحوالي في كل مسألة، وإنما نطالب بميزان واحد في التعامل مع الجميع:

الدليل في نقد الأقوال، والعدل في الحكم على الأشخاص، والإنصاف في عرض الصورة كاملة.

فإذا كان ابن جبرين من علمائكم، فهذه شهاداته، وهذا منهجه في التعامل مع العلماء والدعاة.

والسؤال يبقى مفتوحًا: هل نأخذ بكلامه كله، أم ننتقي منه ما يوافقنا فقط؟

إذا كان الألباني حُجّة عندكم… فخذوا بكلامه كله! لا تختاروا من كلامه ما يوافق هواكم!

 


إذا كان الألباني حُجّة عندكم… فخذوا بكلامه كله!

لا تختاروا من كلامه ما يوافق هواكم!

من أكثر العبارات التي تتكرر في النقاش مع بعض المنتسبين إلى السلفية المدخلية قولهم:

«ربيع المدخلي زكّاه الشيخ الألباني».

وحين تُذكر هذه التزكية، يُراد منها أحيانًا أن تكون بمثابة الجواب الحاسم عن كل نقد يوجَّه إلى الشيخ ربيع.

ولا إشكال في الاستدلال بكلام عالمٍ معتبر، ولا في اعتبار تزكية العلماء لأهل العلم والدعوة.

لكن هنا سؤال مشروع ينبغي أن يُطرح بإنصاف:

إذا كانت تزكية الشيخ الألباني حُجّة عندكم… فلماذا لا تُؤخذ تزكياته الأخرى بالمنهج نفسه؟

لماذا نستحضر كلام الألباني عندما يتحدث عن شخص نريد الدفاع عنه، ثم نتجاهل كلام الألباني نفسه عندما يتحدث عن علماء ودعاة آخرين لا نوافق على مواقفهم؟

هل نريد كلام الألباني كله، أم نريد فقط الجزء الذي يوافق موقفنا؟


الألباني لم يكن يجعل تزكية الشخص موافقةً لكل أقواله

من المهم أولًا أن نفهم منهج الشيخ الألباني رحمه الله.

فالألباني لم يكن يرى أن مدح العالم لشخص يعني أنه يوافقه في كل أقواله واجتهاداته.

بل قال في إحدى المناقشات، بمعنى واضح:

«فإذا مدح صاحب كلام، قد أمدحه أنا، فهل معنى ذلك أني أصوّب كل ما قال؟»

وهذه قاعدة مهمة جدًا.

فإذا كان الألباني قد أثنى على ربيع المدخلي، فلا يصح أن يقال بناءً على ذلك:

إن كل قول لربيع صحيح لأن الألباني أثنى عليه.

وبالمثل، إذا أثنى الألباني على سلمان العودة أو سفر الحوالي أو ناصر العمر، فلا يعني ذلك أن الألباني وافقهم في كل مسألة.

إذن:

التزكية ليست عصمة.

وهذه النقطة ينبغي أن تكون واضحة للجميع.


فماذا قال الألباني في سلمان العودة؟

عندما سُئل الشيخ الألباني رحمه الله عن سلمان العودة، وقيل له إن بعض الشباب يرى أنه ليس سلفيًا، كان جوابه شديد الوضوح:

«هذا كذب وزور وبهتان».

ثم قال:

«نحن نعرف أقوالهم، نعرف آراءهم، وإنما نحن ننتقد بعض الجزئيات التي لا يسلم منها أي إنسان».

ثم قرر بصورة أوضح:

«عقيدتهم سلفية، دعوتهم سلفية على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح».

وهنا ينبغي التوقف.

فهذا ليس مجرد ثناء عابر، بل كلام صريح في وصف سلمان العودة وسفر الحوالي وناصر العمر بأن عقيدتهم ودعوتهم سلفية، مع إقراره في الوقت نفسه بوجود جزئيات ينتقدون فيها.

فإذا كان معيارنا هو:

«زكّاه الألباني»

فعلينا أن نسأل:

لماذا لا يكون كلام الألباني في هؤلاء حاضرًا أيضًا في الميزان؟


«ليت في الإخوان المسلمين ثلاثةً من أمثالهم»

ولم يتوقف الأمر عند وصفهم بالسلفية، بل لما قيل للشيخ إن بعض الناس يتهمونهم بأنهم من الإخوان المسلمين، قال:

«ليت الإخوان المسلمين بعدد هؤلاء الثلاثة يدعون إلى الكتاب والسنة واتباع السلف الصالح».

ثم قال:

«ليت في كل الإخوان المسلمين ثلاثة من أمثالهم».

وهذا يوضح أن الألباني لم يكن يتعامل مع التصنيفات بطريقة آلية.

لم يكن كل من نُسب إلى جماعة عنده يُسقط بسبب الاسم، وإنما كان ينظر إلى العقيدة والدعوة والمنهج والأقوال والأعمال.


الألباني يحذر من تتبع العثرات

ومن أهم ما قاله الألباني في هذا الباب:

«لا يجوز تتبع عثرات العلماء، ما من أحد إلا وله عثرة، ما من أحد إلا وله كبوة بل كبوات، فإن كنا نريد أن نطعن في هؤلاء فمن يسلم لنا؟»

ثم قال:

«هل هناك إنسان معصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»

وهذه قاعدة لا تخص سلمان ولا سفر ولا ناصرًا وحدهم.

إنها قاعدة عامة:

لا أحد بعد رسول الله ﷺ معصوم من الخطأ.

فإذا أخطأ العالم في مسألة، فالموقف العلمي هو مناقشة الخطأ بالدليل، لا أن يتحول الخطأ إلى مشروع دائم لإسقاط الشخص وتتبع كل كلمة قالها.


«فما ينبغي أن يكون مثل هذا الاختلاف سببًا للفرقة»

وحين تحدث الألباني عن سلمان العودة وسفر الحوالي، قال:

«قد يكون لهم بعض الاجتهادات في بعض المسائل الفرعية، تكون موضع نظر، وقد يكون الصواب معهم أو مع غيرهم، فما ينبغي أن يكون مثل هذا الاختلاف في بعض الجزئيات سببًا للفرقة».

وهذه العبارة جديرة بالتأمل.

فالألباني يقر بوجود اجتهادات وملاحظات، لكنه لا يحول كل خلاف جزئي إلى قضية تُخرج الناس من دائرة أهل السنة أو تجعلهم أهدافًا للطعن والقطيعة.

الخطأ يُناقش، والاجتهاد يُناقش، والدليل هو الحكم.

وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يكون عامًا، لا أن يُطبّق على شخص ويُترك مع شخص آخر.


الألباني يحذر من المقاطعة والتقسيم

وفي حديثه عن الخلافات التي وقعت بين المنتسبين إلى الدعوة السلفية، قال:

«أنا بصورة عامة لا أنصح اليوم باستعمال علاج المقاطعة أبداً، لأنه يضر أكثر مما ينفع».

ثم تحدث عن اختلاف بعض الجماعات في بعض الأنشطة والاجتهادات، فقال:

«وقد يكون خطأً وقد يكون صوابًا».

ثم حذر من تحويل ذلك إلى تحزب وفرقة، وقال:

«فلماذا ننشر بين بعضنا البعض الآن الفرقة؟ وتحزب وتعصب بينما كنا كتلة، صرنا كتلتين».

ثم قال:

«نأخذهم بالرفق واللين يا أخي، ونحاول أن نحتفظ بهم مع الجماعة، ولا نقاطعهم ولا نهجرهم».

وهذا الكلام مهم جدًا عند من يجعلون المقاطعة والهجر والتصنيف وسيلة أساسية في التعامل مع المخالف.


والألباني أثنى أيضًا على ناصر العمر

وعندما سُئل الشيخ الألباني رحمه الله عن الشيخ ناصر العمر، قال:

«ما شاء الله، نعم الرجل، طالب علم قوي».

ثم قال:

«وفيما يبدو لنا – ولا نزكي على الله أحدًا – متجرد عن الهوى، الحمد لله، وفيه خير كبير».

ثم لما سُئل عن أحد أشرطته قال:

«قام بواجب طيب».

إذن نحن أمام تزكية أخرى صريحة.

وهنا يعود السؤال نفسه:

إذا كانت تزكية الألباني معتبرة عندكم في موضع، فلماذا لا تكون أقواله الأخرى معتبرة في مواضع أخرى؟


الألباني نفسه كان يرفض تحويل الخلاف إلى معركة تصنيف

ومن كلامه:

«ألا تضيعوا أوقاتكم في نقد بعضكم بعضًا».

ثم قال:

«هذا ليس من العلم في شيء».

وأضاف:

«هذا الأسلوب يوغر الصدور ويحقق الأحقاد والبغضاء في القلوب».

ثم أرشد إلى الطريق الذي يراه أنفع:

«إنما عليكم بالعلم، فالعلم هو الذي سيكشف».

وهذا أصل مهم:

العلم هو الذي يميز بين الصالح والطالح، والمصيب والمخطئ، ولا يحتاج طالب العلم إلى أن يجعل كل وقته في تتبع الأشخاص.


هل نأخذ بتزكية الألباني أم ننتقي منها؟

وهنا أصل إلى جوهر المسألة.

ليس السؤال:

هل الألباني زكّى ربيعًا؟

فقد يُثبت الإنسان ذلك إن ثبتت الرواية وصح سندها وسياقها.

وليس السؤال أيضًا:

هل نختلف مع ربيع أو سلمان أو سفر أو ناصر في بعض المسائل؟

فالاختلاف في بعض المسائل أمر طبيعي بين العلماء والدعاة.

السؤال الأهم هو:

ما المنهج الذي نتعامل به مع تزكيات الألباني؟

إذا كانت تزكية الألباني لشخص ما دليلًا عندنا على فضله ومنهجه، فعلينا أن نكون منصفين، وأن ننظر أيضًا إلى تزكياته للآخرين.

وإذا قلنا:

الألباني زكّى ربيعًا، إذن لا يجوز نقده.

فهذا استدلال يحتاج إلى نظر؛ لأن الألباني نفسه قرر أن مدح الشخص لا يعني تصويب كل ما قاله.

وإذا قلنا:

الألباني أثنى على سلمان وسفر وناصر، إذن هم معصومون من الخطأ.

فهذا أيضًا غير صحيح.

فالميزان واحد في الحالتين.


لا تجعلوا العالم شاهدًا في قضية واحدة فقط

من الإنصاف أن نقرأ العالم كله، لا أن نقتطع منه شهادة واحدة.

فالألباني رحمه الله قال:

«الدعوة السلفية لا تعرف التعصب لشخص معين، أو لرأي معين، إنما الحجة والبرهان والدليل».

وهذه العبارة تصلح أن تكون قاعدة في هذه المسألة كلها.

فلا ينبغي أن يصبح الألباني نفسه وسيلة للتعصب لشخص.

بل إذا استشهدنا بالألباني، فلنستشهد معه بمنهجه في:

الدليل، والإنصاف، وعدم التعصب، وعدم تتبع العثرات، وعدم تحويل الخلافات الجزئية إلى خصومات وفرقة.


الخلاصة

لسنا هنا بصدد إسقاط تزكية الألباني لربيع المدخلي، ولا بصدد تحويل تزكية الألباني لسلمان العودة أو سفر الحوالي أو ناصر العمر إلى تزكية مطلقة لهم.

بل القضية أبسط وأوضح:

إذا كانت تزكية الألباني معتبرة عندكم، فخذوا بكلام الألباني كله.

لا تأخذوا منه ما يخدم موقفكم فقط.

لا تجعلوا تزكيته لربيع حجة على أن كل ما عند ربيع صحيح.

ولا تجعلوا أخطاء سلمان أو سفر أو ناصر سببًا لإلغاء كل ما قاله الألباني فيهم.

فالشيخ الألباني نفسه علّمنا أن:

العالم يُصيب ويخطئ.

والتزكية لا تعني العصمة.

والخطأ لا يعني إسقاط كل الصواب.

والاختلاف في بعض الجزئيات لا يستلزم الفرقة.

والحجة هي الدليل، لا مجرد أسماء الأشخاص.

ولهذا نقول بكل وضوح:

إذا كان الألباني حُجّة عندكم… فخذوا بكلامه كله!

ولا تختاروا من كلامه ما يوافق هواكم، ثم تتركوا ما لا يوافق موقفكم.

سيد قطب في ميزان العلماء - بن باز - العثيمين - الألباني - بن الجبرين - الشيخ بكر أبو زيد رحمهم الله وغيرهم

 

سيد قطب في ميزان العلماء

إنصافٌ ونقدٌ وتحذيرٌ من الغلو في الخصومة

ليس من الإنصاف أن يُختزل الحديث عن سيد قطب رحمه الله في موقف واحد، ولا أن تُجمع عباراته ومؤلفاته كلها في حكم واحد، ثم يُطلب من القارئ أن يتعامل معها وكأنها في درجة واحدة من القوة والدقة.

كما أنه ليس من المنهج العلمي أن يتحول الدفاع عنه إلى إنكار لأخطائه، أو أن يتحول نقده إلى إسقاط جميع جهوده، وطمس ما في كتبه من فوائد وأفكار ومواقف كان لها أثر كبير في الحركة الفكرية والدعوية الإسلامية المعاصرة.

ولهذا فإن من المفيد أن نرجع إلى مواقف عدد من العلماء الذين عاصروا سيد قطب أو قرؤوا كتبه أو سئلوا عنه، لنجد أن الصورة أكثر تعقيدًا من الأحكام المطلقة التي يتداولها بعض الناس.


أولًا: الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله

كتب سيد قطب فيها خير كثير، ولا تخلو من أخطاء

نُقل عن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله أنه حين سُئل عن كتب سيد قطب وأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي، أثنى على ما فيها من الفائدة والخير، مع التأكيد على أنها لا تخلو من الأخطاء، وأن أصحابها ليسوا معصومين.

ومعنى هذا الموقف أن العالم قد يكون له فضل وعلم ودعوة واجتهاد، ومع ذلك تقع له أخطاء، فلا يُقبل كل ما قال، ولا تُرد جميع كتبه بسبب بعض الأخطاء.

كما نُقل عن ابن باز رحمه الله في شأن في ظلال القرآن أنه لم يقرأ التفسير كاملًا، وإنما قرأ منه شيئًا، ووصفه بأنه عظيم ومفيد، لكنه لا يخلو من أخطاء، وأحال في بعض المسائل إلى ضرورة المراجعة والتحقق.

وهذه نقطة مهمة جدًا؛ لأن الإنصاف يقتضي ألا يُنسب إلى عالم حكمٌ تفصيلي على كتاب لم يقرأه كاملًا.

الخلاصة من موقف ابن باز:
سيد قطب وكتبه ليسوا فوق النقد، ولكن وجود الأخطاء لا يعني إلغاء كل ما في كتبه من خير وفائدة.


ثانيًا: الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

لا تتعجل في نسبة العقائد الخطيرة إلى المؤلفين

ومن أبرز ما نُقل عن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في هذا الباب تأكيده على خطورة نسبة العقائد المكفرة إلى الأشخاص بمجرد العبارات المحتملة.

فعندما سُئل عن دعوى وجود القول بوحدة الوجود في في ظلال القرآن، لم يتعامل مع الدعوى باعتبارها أمرًا مسلمًا به، بل طالب بالدليل، وأكد أنه لم يقرأ الكتاب كاملًا، وأن فيه مباحث جيدة وأخرى فيها أخطاء.

كما قرر قاعدة مهمة في التعامل مع كلام العلماء والكتاب، وهي أن العبارة المحتملة لا ينبغي أن تُحمل مباشرة على أسوأ الاحتمالات، خصوصًا إذا كان صاحبها معروفًا بالنصح للإسلام والمسلمين.

وأكد كذلك أن العلماء يخطئون ويصيبون، وأن الواجب هو قبول الصواب ورد الخطأ.

ومن أهم ما يظهر في كلامه أيضًا تحذيره من التسرع في التبديع والتفسيق والتكفير، وبيانه أن الحكم على القول بالكفر شيء، والحكم على شخص بعينه بالكفر شيء آخر يحتاج إلى تحقق شروط وانتفاء موانع.

الخلاصة من موقف ابن عثيمين:
نقد العبارة شيء، والحكم على قائلها بالكفر أو البدعة شيء آخر؛ ولا يجوز أن تتحول العبارات المحتملة إلى أحكام قطعية بلا بينة.


ثالثًا: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله

نقد الأخطاء لا يعني إسقاط الرجل

موقف الشيخ الألباني رحمه الله من سيد قطب أكثر تفصيلًا من مجرد المدح أو الذم.

فقد كان الألباني يرى أن سيد قطب ليس عالمًا بالمعنى الاصطلاحي المتخصص في علوم الكتاب والسنة والعقيدة، وأنه كان أديبًا وكاتبًا ذا أسلوب إنشائي وبلاغي، ولذلك كان يرى أن بعض العبارات الموجودة في كتبه لا ينبغي التعامل معها باعتبارها صياغات علمية دقيقة.

وفي الوقت نفسه لم يكن موقفه منه موقف إسقاط شامل.

فقد أثنى على بعض ما في كتبه من المعاني الإسلامية، وأشار إلى أن سيد قطب كان متحمسًا للإسلام، وأن كتاباته كان لها أثر في إحياء روح الدعوة لدى الشباب.

كما قرر أن الأخطاء التي تقع في كلام الكاتب ينبغي أن تُرد وتُصحح، ولكن بهدوء وإنصاف، لا بحماس يؤدي إلى الظلم.

وهذا من أهم الجوانب في كلام الألباني:
فهو ينتقد سيد قطب في بعض المسائل، لكنه لا يرى أن نقد الخطأ يقتضي إنكار جميع ما عند الرجل من خير.

بل نُقل عنه في أكثر من موضع معنى واضح، وهو أن الإنصاف يقتضي أن يُعطى كل إنسان حقه، فلا يُبخس بسبب أخطائه، ولا تُجعل أخطاؤه سببًا لمحو حسناته.

الخلاصة من موقف الألباني:
سيد قطب عنده كاتب وأديب إسلامي، وليس عالمًا متخصصًا، وله أخطاء ينبغي بيانها، ولكن هذا لا يبرر إسقاط شخصه أو إنكار ما له من جهود وتأثير.


رابعًا: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين رحمه الله

تلخيص الأخطاء لا يعني دفن الحسنات

من أكثر المواقف وضوحًا في الدعوة إلى الإنصاف ما نُقل عن الشيخ ابن جبرين رحمه الله في سيد قطب وحسن البنا.

فقد أكد أن الواجب عند الحديث عن العلماء والدعاة الذين وقعت لهم أخطاء هو:

بيان الأخطاء والتحذير منها، مع عدم دفن الحسنات.

وهذه قاعدة مهمة؛ لأن النقد العلمي لا يعني أن يتحول الإنسان إلى باحث عن كل زلة، ثم يتجاهل عشرات الجوانب الأخرى في حياة الشخص وكتبه.

كما نُقل عن ابن جبرين اعتراضه على بعض الأساليب التي استُعملت في نقد سيد قطب، ورأى أن بعض العناوين والأحكام كانت أشد من دلالة النصوص نفسها.

وهنا تظهر قضية جوهرية:

ليس كل خطأ علمي = بدعة.
وليس كل بدعة = كفرًا.
وليس كل خطأ في العقيدة = تكفيرًا لصاحبه.
وليس كل نقد = إسقاطًا للرجل بأكمله.


خامسًا: الشيخ عبد الله بن حسن القعود رحمه الله

التحذير من الغلو في الطعن

ومن المواد المهمة التي ينبغي إدراجها في هذا الباب رسالة الشيخ عبد الله بن حسن القعود رحمه الله التي وجّهها إلى أحد من اشتد في نقد سيد قطب.

وتكشف الرسالة عن موقف واضح من خطورة التوسع في الطعن في الدعاة والعلماء، وخصوصًا بعد وفاتهم.

وقد اعترض الشيخ على وصف كتاب معالم في الطريق بأوصاف شديدة، وذكّر صاحبه بضرورة التثبت قبل إطلاق الأحكام، والنظر في مجموع ما كتبه الرجل، وعدم الوقوف عند العبارات التي تحتمل أكثر من معنى.

والأهم في الرسالة أنها تؤكد أن الخلاف العلمي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية أو تشهير أو إسقاط شامل.

كما أن الشيخ ابن قعود رحمه الله كان قد أثنى على الدور الذي قام به حسن البنا في نشر الدعوة وتربية الشباب، مع إقراره بوجود النقص والأخطاء؛ وهو ما يعكس منهجًا يقوم على الاعتراف بالفضل مع عدم إنكار الخطأ.


سادسًا: الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله

نقدٌ شديد لأسلوب بعض الردود على سيد قطب

ومن أهم الوثائق في هذا الباب خطاب الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله إلى الشيخ ربيع المدخلي بشأن كتابه الذي أعدّه للرد على سيد قطب.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة؛ لأنها لا تتحدث عن سيد قطب بصورة مجردة، وإنما تناقش منهج نقده والكيفية التي عُرضت بها المؤاخذات عليه.

وقد انتقد الشيخ أبو زيد عددًا من الأمور، منها:

  • استعمال عناوين شديدة لا تعكس بالضرورة مضمون النصوص المنقولة.

  • الاعتماد على طبعات قديمة لبعض كتب سيد قطب مع وجود طبعات لاحقة معدلة.

  • ضعف الحيدة العلمية في بعض المواضع.

  • تحميل بعض العبارات أكثر مما تحتمل.

  • تحويل العبارات المحتملة إلى اتهامات عقدية كبيرة.

  • عدم جمع كلام سيد قطب بعضه إلى بعض.

  • إغفال ما في كتبه من نصوص أخرى تفسر العبارات المشكلة.

  • استعمال أسلوب شديد التهييج بدل النقد العلمي الهادئ.

ومن أبرز ما يلفت النظر في كلام أبي زيد رحمه الله أنه دعا إلى التفريق بين الخطأ وبين الحكم العقدي الخطير الذي قد يترتب عليه التكفير أو التبديع.

كما رأى أن في كتب سيد قطب خيرًا كثيرًا، مع وجود عثرات وأخطاء، وأن الواجب هو الدعاء له، والاستفادة مما أصاب فيه، وبيان ما تحقق خطؤه دون إسقاط جميع تراثه.

وهذا الموقف من أهم ما ينبغي أن يُقرأ عند دراسة الجدل حول سيد قطب؛ لأنه يلفت النظر إلى أن الخلاف لا يتعلق فقط بالسؤال:

ماذا قال سيد قطب؟

بل كذلك بالسؤال:

كيف نقرأ ما قاله؟ وكيف نحكم عليه؟ وهل ننقل العبارة في سياقها أم نقتطعها؟ وهل نرجع إلى الطبعات الأخيرة؟ وهل نجمع بين نصوص المؤلف المختلفة قبل إصدار الحكم؟


سابعًا: الشيخ عبد العزيز آل الشيخ

كتاب أدبي ذو فوائد وأخطاء

نُقل عن الشيخ عبد العزيز آل الشيخ في حديثه عن في ظلال القرآن أنه وصف أسلوب سيد قطب بأنه أسلوب أدبي رفيع، وأن بعض العبارات قد تُفهم خطأ إذا اقتُطعت من سياقها، مع تأكيده في الوقت نفسه أن الكتاب لا يخلو من الملاحظات والأخطاء.

كما شدد على أهمية الإنصاف وعدم تحميل العبارات ما لا تحتمل، وأشار إلى أن طالب العلم يستطيع أن ينتفع بما في الكتاب من الفوائد، مع معرفة ما فيه من الأخطاء.

وهذا يضع في ظلال القرآن في مكانه الصحيح:

ليس كتابًا معصومًا، وليس كتابًا يُهجر كله بسبب الأخطاء، بل كتابٌ لكاتب له طريقته الأدبية والفكرية، فيه فوائد وفيه ملاحظات، ويحتاج إلى قارئ قادر على التمييز.


ثامنًا: الشيخ محمد حسان

الخطأ لا يمحو التاريخ كله

في كلام الشيخ محمد حسان عن سيد قطب يظهر بوضوح رفضه للمنهج الذي يحوّل الخطأ إلى سبب لإسقاط الشخص كله.

فهو يقر بوجود أخطاء عند سيد قطب، لكنه يرى أن ذلك لا يبرر تجاهل جهوده أو الحكم عليه بأوصاف شديدة دون إنصاف.

كما شدد على ضرورة التفريق بين التعامل مع من كان أصله من أهل السنة ووقعت له أخطاء، وبين التعامل مع شخص يرى أنه صاحب بدعة أصلية يدعو إليها.

وهذه نقطة منهجية مهمة؛ لأن الحكم على العالم أو الداعية لا ينبغي أن يكون بمجرد البحث عن زلة ثم بناء الصورة كلها عليها.


تاسعًا: الشيخ سلمان بن فهد العودة

قراءة سيد قطب بين الغلو والجفاء

ومن أكثر النصوص تفصيلًا في الموضوع ما نُقل عن الشيخ سلمان العودة، الذي قرأ معظم كتب سيد قطب وقرأ كذلك كثيرًا مما كتب عنه.

وهو يقرر أن الناس في سيد قطب انقسموا إلى اتجاهات مختلفة:

  • اتجاه يبالغ في نقده ويتصيد أخطاءه.

  • واتجاه يبالغ في الدفاع عنه ويتعامل مع كلامه بلا تحفظ.

  • واتجاه يحاول قراءة الرجل قراءة متوازنة، فيثبت ما أصاب فيه، وينقد ما أخطأ فيه.

ويرى العودة أن في ظلال القرآن إضافة مهمة في مجال التفسير الأدبي والحركي والاجتماعي، لكنه لا يجعله بديلًا عن كتب التفسير المتخصصة في الأحكام أو العقيدة.

كما يشير إلى وجود أخطاء في بعض مسائل العقيدة والاصطلاح، مع التأكيد أن هذه الأخطاء — في نظره — لا تمثل الحجم الأكبر من المادة العلمية والإيمانية الموجودة في الكتاب.

ومن القضايا المهمة التي يثيرها أيضًا ضرورة جمع كلام الكاتب بعضه إلى بعض، وعدم تفسير عبارة محتملة بمعزل عن نصوص أخرى أكثر وضوحًا في كتبه.

وهذا المنهج لا يخص سيد قطب وحده، بل هو قاعدة عامة في قراءة تراث العلماء والمفكرين:

لا ينبغي أن تُفسَّر عبارة محتملة بما يناقض عشرات النصوص الصريحة لصاحبها.


ماذا تكشف هذه الأقوال مجتمعة؟

عند جمع هذه المواقف المختلفة، تظهر أمامنا صورة أكثر توازنًا من الصورة التي تقدمها بعض الخصومات المعاصرة.

فالعلماء الذين نُقلت أقوالهم هنا لم يتفقوا على كل شيء يتعلق بسيد قطب.

بل يمكن تلخيص الاتجاهات العامة في أربعة محاور:

1 ــ إثبات وجود الأخطاء

عدد من هؤلاء العلماء صرّح بوجود أخطاء في كتب سيد قطب، سواء في العقيدة أو الاصطلاح أو طريقة التعبير أو بعض المسائل العلمية.

وهذا أمر لا ينبغي إنكاره.

2 ــ عدم إسقاط جميع كتبه بسبب الأخطاء

في المقابل، أكد عدد منهم أن في كتبه خيرًا وفوائد، وأن وجود الأخطاء لا يعني أن كل ما كتبه باطل أو ضلال.

3 ــ رفض التسرع في الأحكام الكبرى

برز في كلام عدد من العلماء التحذير من الانتقال من خطأ العبارة إلى تبديع صاحبها أو تفسيقه أو تكفيره دون تحقق وتثبت.

4 ــ ضرورة الإنصاف في النقد

وهذه ربما تكون أكثر نقطة تكررت في المادة كلها:

أن النقد العلمي شيء، وتحويل النقد إلى خصومة شخصية شيء آخر.


سيد قطب بين الإنصاف والنقد

والإنصاف في قضية سيد قطب لا يعني أن نقول:

إن سيد قطب لم يخطئ.

كما لا يعني أن نقول:

إن كل ما كتبه حق لا يجوز نقده.

بل الإنصاف أن نقول:

كان سيد قطب أديبًا وكاتبًا ومفكرًا إسلاميًا مؤثرًا، وله كتب وأفكار وعبارات نافعة، كما وقعت له أخطاء ومؤاخذات علمية وعقدية ومنهجية، وقد اختلف العلماء في تقديرها وفي طريقة التعامل معها.

ومن ثم فإن المنهج العلمي لا يقتضي تقديس الرجل، كما لا يقتضي إسقاطه.

ولا يقتضي أن يتحول في ظلال القرآن إلى كتاب لا يُمس، ولا أن يتحول إلى كتاب لا يُقرأ.

بل يقرأه القارئ بعين العالم الناقد، لا بعين المريد المتعصب ولا بعين الخصم المتربص.


المشكلة ليست في وجود الخطأ… بل في طريقة التعامل معه

العلماء بشر، والمفكرون بشر، والدعاة بشر.

ومن الخطأ أن نتوقع من أي عالم أو كاتب بعد عصر النبوة أن يخلو من الخطأ.

لكن الخطأ نفسه ليس درجة واحدة:

فمنه خطأ في التعبير، ومنه خطأ في الاصطلاح، ومنه خطأ في الاجتهاد، ومنه خطأ في فهم مسألة، ومنه قول شديد الإشكال يحتاج إلى تفسير، ومنه ما يكون خطأ صريحًا يجب رده وبيانه.

ولهذا فإن الحكم العادل يحتاج إلى:

تثبت في النقل،
وفهم للسياق،
وجمع لكلام المؤلف،
ومعرفة بتطور فكره وكتاباته،
والتمييز بين الطبعات،
والتفريق بين الخطأ والتكفير،
والتفريق بين نقد الفكرة وإسقاط صاحبها.


كلمة أخيرة

لقد اختلف العلماء في سيد قطب، وهذه حقيقة لا ينبغي إخفاؤها.

لكن اختلافهم نفسه يدل على أن القضية ليست بهذه البساطة التي يحاول البعض تصويرها.

فمن العلماء من أثنى على كتبه مع التحذير من أخطائها، ومنهم من انتقد بعض عباراته بشدة، ومنهم من حذّر من قراءتها للمبتدئين، ومنهم من رفض نسبة بعض العقائد الخطيرة إليه بسبب عبارات محتملة، ومنهم من حذّر من التسرع في تبديعه أو تكفيره، ومنهم من انتقد منهج بعض الردود عليه.

وهنا يكون الموقف العلمي الأبعد عن الإفراط والتفريط:

نقبل الحق ممن جاء به، ونرد الخطأ ممن أخطأ فيه، ولا نجعل المحبة مانعة من النقد، ولا النقد ذريعة إلى الظلم.

وسيد قطب رحمه الله — كغيره من الكتاب والعلماء والدعاة — يُقرأ، ويُنتفع بما أصاب فيه، ويُرد ما أخطأ فيه، ويُحذر من الخطأ حيث ثبت، دون أن يتحول النقد العلمي إلى خصومة تتجاوز حدود العدل والإنصاف.

فليس من المنهج أن نقول:

«كل ما قاله سيد قطب حق»

ولا أن نقول:

«كل ما قاله باطل»

بل المنهج الأعدل:

نزن الأقوال بالحق، ولا نزن الحق بالرجال.

رسائل ونصائح مهمة إلى من يضيّقون دائرة السلفية

 

رسائل ونصائح مهمة إلى من يضيّقون دائرة السلفية

الشيخ عبد الله بن قعود يحذّر من التوسع في التحذير من الدعاة واتهام النيات

ليس كل اختلافٍ مع داعيةٍ أو طالب علمٍ يبرر إسقاطه، ولا كل ملاحظةٍ على منهجه تعني التحذير منه، ولا يجوز أن يتحول الخلاف العلمي إلى خصومةٍ دائمة، ثم إلى تبديعٍ وتصنيفٍ وتحذيرٍ من الأشخاص بلا بيّنة واضحة.

ومن الكلمات المهمة في هذا الباب ما نُقل عن الشيخ عبد الله بن قعود رحمه الله، عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، في حديثه عن ظاهرة تحذير بعض طلبة العلم من الدعاة وأهل العلم.

أولًا: التحذير من الدعاة ليس أمرًا هينًا

سُئل الشيخ عبد الله بن قعود رحمه الله عن بعض طلبة العلم الذين يكثرون من التحذير من أشخاص معينين من أهل العلم والدعوة، بحجة فساد العقيدة، أو الانتماء إلى فئة معينة، أو الاشتغال بالسياسة واستغلال المنابر في ذلك.

فكان من جوابه أن ذكّر بقوله تعالى:

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾

وقوله سبحانه:

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾

ثم بيّن أن المسلم ينبغي أن يسأل الله تعالى أن يطهّر قلبه من الغل، وأن يجعل فيه محبة المؤمنين، وألا تتحول الخصومة العلمية إلى بغضاءٍ وعداوة.

وهنا السؤال:

إذا كان الشخص الذي يُحذَّر منه مسلمًا، وداعيةً، أو إمام مسجد، أو صاحب حلقة علم، فهل يكفي مجرد الاختلاف معه لكي يُجعل التحذير منه منهجًا دائمًا؟

وهل كل خطأٍ أو اجتهادٍ مخالفٍ يستوجب إسقاط صاحبه والتحذير منه أمام الناس؟

هذه الأسئلة هي التي تستحق أن تُطرح قبل إطلاق الأحكام.


ثانيًا: لا تجعلوا التحذير من الدعاة هو الأصل

ومما نُقل عن الشيخ رحمه الله في هذا السياق، بمعناه، أن المسلم قد يُحذَّر من المبتدع إذا ظهرت بدعته، ومن الظالم إذا ظهر ظلمه، لكن المشكلة حين يتحول الأمر إلى تحذير شباب المسلمين من دعاة الإسلام وأهل العلم بلا بيّنة كافية.

فالتحذير باب خطير، لأنه لا يتعلق بالشخص وحده، وإنما قد يؤدي إلى قطع الناس عن علمه ودعوته، وإثارة الشكوك حوله، وربما إسقاط مكانته بين الناس.

ولهذا لا ينبغي أن يصبح الأصل عند بعض المتصدرين:

من اختلف معي حذّرت منه، ومن خالفني في مسألة صنفته، ومن انتقد بعض مواقفي اتهمته في منهجه.

فالمنهج العلمي لا يُبنى بهذه الطريقة.


ثالثًا: أخطر من ذلك… الحكم على البواطن

ومن أقوى النقاط التي شدد عليها الشيخ عبد الله بن قعود رحمه الله حديثه عن إطلاق الأحكام على بواطن الناس.

ونقل أنه سمع من يقول عن أحد الأشخاص:

«فلان سلفي الظاهر، مبتدع الباطن»!

فأنكر هذا الأسلوب، متسائلًا: هل يملك أحد أن يحكم على ما في قلوب الناس؟

فالإنسان يحكم على الناس بما ظهر له من أقوالهم وأعمالهم، أما السرائر والبواطن فمردها إلى الله تعالى.

وهنا ينبغي أن يتوقف كل من يكثر من التصنيف والتجريح ليسأل نفسه:

كيف عرفت ما في قلب فلان؟

وكيف انتقلت من نقد قولٍ أو موقفٍ ظاهر إلى الحكم على النية والباعث والباطن؟

إن الفرق كبير بين أن تقول:

هذا القول خطأ.

وبين أن تقول:

صاحبه صاحب هوى، أو مبتدع الباطن، أو يتعمد التضليل.

الأول يمكن مناقشته بالدليل.

أما الثاني فيحتاج إلى علمٍ وبينةٍ وعدل، ولا يجوز أن يتحول إلى مجرد ظنون واستنتاجات.


رابعًا: لا تجعلوا كلمة «سلفي» بطاقةً للحكم على الناس

ومن النقاط اللافتة في كلام الشيخ رحمه الله انتقاده لتحول الانتماء إلى السلفية عند بعض الناس إلى وسيلة لتقسيم الدعاة إلى:

نحن… وهم.

ثم يصبح من يوافقهم:

سلفيًا.

ومن يخالفهم في بعض المسائل:

مبتدعًا أو منحرفًا أو مشبوهًا.

وهذا يفتح بابًا خطيرًا؛ لأن السلفية - باعتبارها اتباعًا للكتاب والسنة وفهم السلف - لا ينبغي أن تتحول إلى اسم حزبي مغلق يُحاكم الناس من خلاله.

فالانتساب إلى منهج السلف لا يمنح أحدًا عصمةً من الخطأ، كما أن مخالفة شخصٍ في بعض المسائل لا تجعل كل علمه ودعوته باطلين.


خامسًا: هل كل حديث عن الشأن العام «سياسة» مذمومة؟

ومن المسائل التي ناقشها الشيخ رحمه الله أيضًا اعتراض بعض الناس على الدعاة لمجرد حديثهم في الشأن العام، واتهامهم بأنهم «سياسيون».

والسؤال هنا:

هل السياسة منفصلة تمامًا عن الدين؟

لقد كان النبي ﷺ يتعامل مع واقع المجتمع، ويعالج قضايا الحرب والسلم، والعلاقات بين الجماعات، والمصالح العامة، والشأن الاجتماعي والسياسي للأمة.

ومن الأمثلة التي استشهد بها الشيخ قصة الحباب بن المنذر رضي الله عنه يوم بدر، حين سأل النبي ﷺ عن اختيار المكان: أهو أمرٌ من الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟

فهذا يدل على أن التفكير في شؤون الواقع، والمصلحة، وإدارة المجتمع، ليس أمرًا غريبًا عن الإسلام.

ولهذا فإن مجرد حديث الداعية عن قضية عامة لا يكفي وحده للحكم عليه بأنه صاحب توجه سياسي مذموم.

بل لا بد من النظر في:

ماذا قال؟
وماذا دعا إليه؟
وهل كلامه قائم على دليل؟
وهل أخطأ في اجتهاده أم تعمد الباطل؟


سادسًا: الخلاف لا يبرر إسكات الأمر بالمعروف

ومن المعاني المهمة في كلام الشيخ رحمه الله رفضه أن تتحول المحافظة على الدين إلى وسيلة لإسكات كل نقدٍ أو اعتراض.

فإذا كان كل من انتقد وضعًا عامًا أو ناقش قضية سياسية أو اجتماعية سيُقال عنه:

«سياسي»

وإذا كان كل من خالف بعض المتصدرين سيُقال عنه:

«مبتدع»

وإذا كان كل من انتقد عالمًا أو داعيةً سيُقال عنه:

«خارجي» أو «حزبي» أو «منحرف»

فإن باب الحوار والنقد العلمي سيضيق بصورة خطيرة.

والواجب أن نفرّق بين:

النقد العلمي
والتشهير،

وبين:

النصيحة
والإسقاط،

وبين:

التحذير القائم على الدليل
والتصنيف القائم على الظنون والانتماءات.


سابعًا: حتى المختلفون معنا يحتاجون إلى العدل

ومن أجمل ما ختم به الشيخ عبد الله بن قعود رحمه الله دعوته إلى الرحمة بجميع الأطراف، فقال في ختام كلامه - بمعناه - إنه يرجو الله أن يرحم الناقدين والمنقودين، والمتسلطين والمتسلَّط عليهم، وأن يجمع الكلمة وينير القلوب.

وهذا ميزان مهم جدًا.

فليس المطلوب أن نقلب الخصومة على الطرف الآخر، فنفعل معه ما نعيبه على غيرنا.

إذا كنا نرفض الغلو في التحذير، فلا ينبغي أن نغلو نحن في الهجوم.

وإذا كنا نرفض التبديع بغير علم، فلا ينبغي أن نُسارع نحن إلى تبديع من يخالفنا.

وإذا كنا نرفض تصنيف الناس بلا بينة، فلا ينبغي أن نُنشئ تصنيفًا مضادًا.

العدل لا يتجزأ.


رسالة إلى من يكثرون من التحذير

يا من ترفعون شعار السلفية:

ليس من السلفية أن تجعلوا التحذير من المسلمين شغلكم الأكبر.

وليس من العلم أن تُحوَّل كل مخالفة إلى قضية منهج.

وليس من الورع أن تحكموا على النيات والبواطن.

وليس من الإنصاف أن يُختزل العلماء والدعاة وطلبة العلم في دائرة ضيقة، ثم يُجعل من خرج عنها محل ريبةٍ وتحذير.

السلفية التي نحتاج إليها هي اتباع للكتاب والسنة، وعدل مع المخالف، ورحمة بالمسلمين، وتثبت في الأحكام، وابتعاد عن الظنون، واحترام لأهل العلم، وإعطاء كل إنسان حقه من غير غلو ولا جفاء.

أما أن تتحول الساحة العلمية إلى:

فلان يُحذَّر منه،
وفلان يُبدَّع،
وفلان يُهجر،
وفلان سلفي الظاهر مبتدع الباطن،
وفلان سياسي،
وفلان حزبي…

فهذا يحتاج إلى وقفة صادقة ومراجعة للمنهج والأسلوب.

فالدعوة إلى الله أوسع من أسماء الجماعات، وأعظم من صراعات التصنيف، وأشرف من أن تتحول إلى معارك شخصية بين الدعاة وطلبة العلم.

وأخيرًا

لنستمع إلى نصيحة الشيخ عبد الله بن قعود رحمه الله:

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾

فإن اختلفنا، فلنختلف بعلم.

وإن انتقدنا، فلننتقد بعدل.

وإن حذّرنا، فلنحذّر ببينة.

وإن أخطأ أخونا، فلا نسلبه كل فضله.

وإن أخطأنا، فلنملك شجاعة الرجوع.

فليس من منهج السلف أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، ولا أن يتحول النقد إلى إسقاط، ولا أن يتحول الانتماء إلى جماعة إلى ميزان يُحاكم به جميع المسلمين.

المصدر

نُسبت هذه المادة إلى كلام الشيخ عبد الله بن قعود رحمه الله في شريط:

«وصايا للدعاة – الجزء الثاني»

كما أُشير إلى المادة ضمن تسجيلات بعنوان:

«كبار العلماء يتكلمون عن الدعاة»

تنبيه توثيقي: النص المرفق هنا يتضمن مواضع غير واضحة في التفريغ الأصلي، لذلك ينبغي عند النشر النهائي مراجعة التسجيل الصوتي أو المصدر الأصلي للتثبت من الألفاظ التي أُشير إلى عدم وضوحها، وكذلك من نسبة كل عبارة إلى الشيخ بدقة.

نصيحةٌ من االشيخ ابن عثيمين - تحتاجها السلفية المدخلية قبل غيرها

 

إلى السلفية المدخلية: اتبعوا السلف… ولا تتحزبوا باسم السلف!

نصيحةٌ تحتاجها السلفية المدخلية قبل غيرها

من أكثر الأمور التي تستحق التوقف والتأمل: أن يتحول الانتساب إلى السلف من منهج علمي يقوم على الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، إلى هوية حزبية يُوالى عليها ويُعادى، ويُصنَّف الناس من خلالها، حتى يصبح السؤال:

من أنت؟ ومن شيخك؟ ومن جماعتك؟

بدل أن يكون السؤال:

ما دليلك؟ وما حجتك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؟

وهنا تأتي كلمة العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله لتضع المسألة في موضعها، حين قرر في شرحه لحديث العرباض بن سارية رضي الله عنه:

«إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي...»

ثم قال رحمه الله:

«إنه إذا كثرت الأحزاب في الأمة؛ لا تنتمِ إلى حزب.»

وأشار إلى طوائف وفرَق ظهرت عبر التاريخ، ثم قال في بيان المنهج الذي ينبغي للمسلم أن يسلكه:

«كل هذه الفرق اجعلها على اليسار، وعليك بالأمام، وهو: ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين.»

ثم جاءت العبارة التي تستحق أن تُقرأ بعناية، لا أن تُمرَّ مرورًا عابرًا:

«ولا شك أن الواجب على جميع المسلمين أن يكون مذهبهم مذهب السلف، لا الانتماء إلى حزب معين يسمى السلفيين.»

ثم شدد رحمه الله على الفرق بين طريق السلف وبين حزب أو جماعة تحمل اسم السلفيين، فقال:

«هناك طريق سلف، وهناك حزب يسمى السلفيون.. المطلوب إيش؟ اتباع السلف.»

وهنا بيت القصيد!

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتحول اسم «السلفية» عند بعض المنتسبين إليها إلى بطاقة عضوية؟

ولماذا يصبح المخالف في بعض المسائل وكأنه خارج عن السنة، لمجرد أنه لا يوافق شيخًا معينًا أو لا يتبنى موقف جماعة معينة؟

ولماذا تُصبح الولاءات والخصومات أحيانًا مرتبطة بالأسماء والتصنيفات أكثر من ارتباطها بالدليل؟

إذا كان المطلوب هو اتباع السلف، فاتباع السلف لا يعني أن نجعل كل من انتسب إلى السلفية معصومًا من الخطأ، ولا أن نجعل أقوال بعض المشايخ ميزانًا يُوزن به الناس جميعًا.

فالشيخ ابن عثيمين نفسه يقول:

«كلٌّ يخطئ ويصيب مهما بلغ من العلم والعبادة، ولكن العصمة في دين الإسلام.»

وهذه قاعدة عظيمة:

العصمة للكتاب والسنة، وليست للأشخاص.

فلا ابن عثيمين معصوم، ولا ابن باز معصوم، ولا الألباني معصوم، ولا ربيع المدخلي معصوم، ولا غيرهم من العلماء والمشايخ.

كل عالم يُؤخذ من قوله ويُرد، وكل اجتهاد بشري يحتمل الصواب والخطأ.


المشكلة ليست في السلف… بل في تحويل السلفية إلى تحزّب!

لا أحد يعترض على الدعوة إلى الكتاب والسنة، ولا على محبة السلف الصالح، ولا على الاستفادة من أقوال أئمة أهل السنة.

المشكلة تبدأ عندما يتحول المنهج إلى هوية مغلقة، ويتحول الاسم إلى معيار للولاء والبراء، ثم يصبح الاختلاف مع شخص أو جماعة سببًا في إسقاط الأشخاص وتصنيفهم والطعن فيهم.

وهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل:

هل نحن ندعو الناس إلى الإسلام ومنهج السلف؟

أم ندعوهم إلى الانضمام إلى دائرة معينة من الأشخاص والتصنيفات؟

فالفرق كبير بين أن تقول:

كن على منهج السلف.

وبين أن تقول:

كن مع جماعتنا؛ فمن خالف جماعتنا أو مشايخنا فقد خالف السلف!

الأولى دعوة إلى الدليل.

أما الثانية فقد تتحول إلى تحزبٍ باسم المنهج.


والحل ليس في تكثير الخصومات… بل في الرجوع إلى الدليل

ومن أجمل ما ذكره ابن عثيمين رحمه الله في هذا السياق أن معالجة الخلافات لا تكون بأن تُصبح كل طائفة مشغولة بتضليل الأخرى وتبديعها وتفسيقها، وإنما يكون المرجع:

«بيننا كتاب الله عز وجل وسنة رسوله، فلنتحاكم إليهما، لا إلى الأهواء والآراء، ولا إلى فلان أو فلان.»

وهذه كلمة لو التزم بها الجميع، لتغير كثير من واقع الخلافات.

فبدل أن يكون السؤال:

ماذا قال الشيخ فلان؟

ليكن السؤال:

ماذا قال الله ورسوله؟

وبدل:

هل فلان سلفي أم ليس سلفيًا؟

ليكن:

ما الدليل على قوله؟

وبدل:

هل فلان بدّع فلانًا؟

ليكن:

هل ثبتت البدعة بدليل صحيح؟ وهل تنطبق على الشخص بعينه؟

وبدل أن يصبح العلماء والمشايخ مراجع للتصنيف والإقصاء، يكونون علماء يُستفاد من علمهم، مع بقاء الجميع تحت سلطان الدليل.


يا من ترفعون شعار السلفية… هذه نصيحة من داخل تراثكم!

إن كنتم حقًا تريدون اتباع السلف، فاجعلوا الدليل فوق الأشخاص.

وإن كنتم تريدون الاقتداء بالأئمة، فاقتدوا بهم في العلم والإنصاف والتجرد للحق، لا في مجرد الأسماء والشعارات.

وإن كنتم تحذرون من التحزب، فلا تجعلوا السلفية نفسها حزبًا يُوالى عليه ويعادى.

وإن كنتم تحاربون البدع، فلا تجعلوا كل خلاف اجتهادي أو علمي بابًا للتبديع.

وإن كنتم تحذرون من التقليد الأعمى، فلا تجعلوا قول شيخ معين نهاية المطاف.

وإن كنتم تقولون إن المرجع هو الكتاب والسنة، فطبّقوا هذه القاعدة عندما يكون الدليل في الجهة التي لا توافقونها.


الخلاصة

السلفية ليست بطاقة عضوية.

والسلف ليسوا حزبًا.

والعلماء ليسوا معصومين.

والحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف بالدليل.

فمن أراد أن يكون سلفيًا حقًا، فليتبع منهج السلف، لا أن يتحزب باسم السلف.

وليكن شعاره:

كتاب الله… وسنة رسول الله ﷺ… وفهم السلف الصالح، مع الإنصاف والتجرد للحق.

لا:

شيخي… وجماعتي… وتصنيفي… ومن وافقني فهو سلفي، ومن خالفني فهو مبتدع!

إن كان هذا هو المقصود بالسلفية، فقد تحولت السلفية من منهج يُتَّبع إلى هوية يُتحزَّب لها.

وهذا بالضبط هو الفرق الذي نبه إليه ابن عثيمين رحمه الله:

«هناك طريق سلف، وهناك حزب يسمى السلفيون.. المطلوب إيش؟ اتباع السلف.»

فيا من تسمّون أنفسكم سلفيين:

اتبعوا السلف… ولا تتحزبوا باسم السلف!

فهذا أقرب إلى روح النصيحة، وأبعد عن التعصب، وأقوى في كشف التناقض بين شعار اتباع السلف وبين ممارسة التحزب والتصنيف.

🔥 حين يتحول الجرح والتعديل إلى سلاح لإسقاط الدعاة

   

 

هناك من يضيّق معنى السلفية حتى يجعلها دائرةً شديدة الضيق، لا يكاد يدخل فيها إلا عددٌ محدود من العلماء وطلبة العلم، ثم يجعل من خالفهم في بعض المسائل أو وقع في بعض الأخطاء خارجًا عن المنهج، وربما ظلّ ذلك التصنيف ملازمًا له حتى بعد التوبة والرجوع.

وهذا المسلك لا يخدم السلفية، بل قد يسيء إليها أكثر مما يحسن إليها.

فالسلفية ـ في أصل معناها ـ ليست قائمةً مغلقةً بأسماء أشخاص، وليست جماعةً لا يُقبل الحق إلا من خلالها، وإنما هي انتساب إلى منهج السلف في فهم الكتاب والسنة، مع الاعتراف بأن العلماء وطلاب العلم بشرٌ يصيبون ويخطئون.

السلفية أوسع من بضعة أسماء

من أعجب ما يلفت النظر أن بعض المتشددين في التصنيف لا يكادون يقبلون إلا عددًا قليلًا جدًا من العلماء، حتى ليبدو للناظر أن السلفية لم تعد منهجًا علميًا واسعًا، وإنما أصبحت دائرةً محدودة الأسماء.

فإذا كان علماء الأمة عشرات الآلاف عبر القرون، وإذا كان في العالم الإسلامي اليوم علماء وطلبة علم ومفتون ومدرسون وباحثون يخدمون القرآن والسنة، فهل يُعقل أن يُختزل الحق كله في ثلاثة أو أربعة أسماء؟

وماذا عن بقية العلماء؟

هل يُخرجون جميعًا من دائرة أهل السنة والسلف لمجرد وجود ملاحظات أو أخطاء أو مخالفات في بعض المسائل؟

إن كان الأمر كذلك، فهذه مشكلة حقيقية في فهم معنى المنهج قبل أن تكون مشكلة في الأشخاص.

ماذا نصنع بتاريخ علماء الأمة؟

لو طبقنا هذا المنطق المتشدد على علماء الأمة السابقين، لوجدنا أن قائمة «المستبعدين» ستتسع بصورة مخيفة.

فمن علماء الإسلام الذين خدموا السنة والفقه والتفسير والحديث: ابن حجر، والنووي، وابن قدامة، وابن عقيل، وابن الجوزي وغيرهم من الأئمة الذين انتفعت الأمة بعلمهم ومصنفاتهم.

ولا يعني هذا أن هؤلاء الأئمة معصومون من الخطأ، ولا أن كل ما قالوه صحيح لا يُناقش.

لكن الفرق كبير بين أن تقول:

«للعالم خطأ نناقشه ونرده بالدليل»

وبين أن تقول:

«للعالم خطأ، إذن نسقط علمه كله ونخرجه من دائرة أهل السنة.»

الأول منهج علمي، والثاني منهج في التصنيف والإقصاء.

التوبة ليست كلمةً تُرفض

ومن أخطر مظاهر هذا التضييق أن بعض الناس لا يكادون يقبلون للآخر توبةً ولا رجوعًا.

فإذا أخطأ شخص في مرحلة من حياته، ثم راجع نفسه، وتراجع عن قوله، أو بيّن خطأه، أو تاب إلى الله، بقي بعضهم يتعامل معه وكأن باب التوبة قد أُغلق في وجهه.

وهذا مخالف لروح الشريعة التي فتحت باب التوبة للناس، ولم تجعل الخطأ السابق حكمًا أبديًا على الإنسان.

فالناس يتغيرون، والعالم قد يراجع فتواه، وطالب العلم قد يصحح موقفه، والداعية قد يكتشف خطأً في منهجه أو عبارته.

فلماذا نصرّ نحن على إبقاء الإنسان أسيرًا لماضيه؟

إن قبول التوبة ليس ضعفًا في المنهج، بل هو من العدل والرحمة.

لا تجعلوا مجالس العلم مجالسَ لتناول العلماء

ومن المؤلم أن تتحول بعض المجالس العلمية إلى ساحات لتتبع أخطاء العلماء، وجمع زلاتهم، والبحث عن العبارات التي يمكن تحميلها أكثر مما تحتمل.

والأخطر من ذلك أن يتحول النقاش العلمي إلى تشويه للأشخاص، أو نقلٍ مبتور لكلامهم، أو نسبة أقوال إليهم لم يقصدوها.

إن نقد العلماء حق، ولكن النقد العلمي شيء، والتشهير والتجريح شيء آخر.

ومن أراد أن ينصر السنة فلا يحتاج إلى أكل لحوم العلماء، ولا إلى إسقاط كل مخالف، ولا إلى تحويل كل اختلاف إلى معركة في الولاء والبراء.

بل يحتاج إلى علم، وعدل، وأدب، وإنصاف.

انظروا إلى منهج كبار العلماء

حين نتأمل في سيرة علماء كبار مثل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، نجد صورة مختلفة تمامًا عن منهج الإقصاء والتضييق.

لقد كان علم هؤلاء العلماء مفتوحًا لطلاب العلم من بلدان مختلفة، وكان الناس يقصدونهم ويسألونهم ويستفتونهم، ولم تكن دعوتهم قائمة على إغلاق أبواب العلم إلا على فئة محدودة من الناس.

كانوا يعلمون، ويفتون، ويناقشون، ويستقبلون طلاب العلم، ويجلّون العلماء، ويعذرون المخطئ في مواضع العذر، ويجعلون العلم وسيلةً لهداية الناس لا وسيلةً لإقصائهم.

وهذا هو الفارق بين منهج يوسّع دائرة الخير ومنهج يجعل مهمته الأساسية البحث عن الأشخاص الذين ينبغي إخراجهم منها.

لا تجعلوا السلفية سببًا لنفور الناس

إذا أصبح همّ الداعية أن يجمع أخطاء الناس، ويصنفهم، ويحذر منهم، ويفتش في ماضيهم، ويتتبع زلات العلماء، ويجعل كل مخالف خصمًا، فمن الطبيعي أن ينفر الناس.

أما إذا رأوا علمًا ورحمةً وحسن خلقٍ وإنصافًا، فسيقبلون على العلم ويستمعون إلى الدعوة.

والدعوة لا تنتصر بكثرة القوائم السوداء، وإنما تنتصر بالعلم والحجة والأخلاق وحسن التعامل.

فليس من الحكمة أن نفرح بخروج الناس من دائرة الخير، بينما ينبغي أن نفرح برجوعهم إليها.

وليس من الحكمة أن نغلق الأبواب في وجه المخطئ، بينما الأصل أن نفتح له باب التصحيح والتوبة والرجوع.

السلفية ليست احتكارًا للحق

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي منهج دعوي أن يتحول من منهج لفهم النصوص إلى هوية مغلقة يحتكر أصحابها الحق.

فإذا أصبح معيار القبول هو موافقة مجموعة محددة من الأشخاص في كل صغيرة وكبيرة، وإذا صار الخلاف مع أحدهم سببًا للتبديع والتفسيق والتشهير، فقد تحولت القضية من اتباع الدليل إلى اتباع الأشخاص.

والحق لا يُعرف بكثرة الأتباع، ولا بعدد من نرضى عنهم، وإنما يُعرف بالدليل والعدل والإنصاف.

كلمة أخيرة

يا من تحبون السلفية وتريدون لها الخير:

لا تضيقوا واسعًا.

لا تجعلوا السلفية محصورةً في أسماء معدودة.

لا تجعلوا الخطأ سببًا لإلغاء تاريخ العالم كله.

لا تجعلوا التوبة بلا قيمة.

لا تجعلوا مجالس العلم ساحات لتجريح العلماء.

ولا تجعلوا الدعوة إلى السنة سببًا في نفور الناس من الدين.

السلفية التي تحتاجها الأمة اليوم ليست سلفية الإقصاء والتصنيف، وإنما سلفية العلم والرحمة والإنصاف وحسن الخلق.

وسلامة المنهج لا تكون بكثرة من نُخرجهم من دائرته، وإنما بقدرتنا على الجمع بين التمسك بالدليل، والعدل مع المخالف، وقبول التوبة، واحترام العلماء، وحسن الدعوة إلى الله.

فكلما اتسعت دائرة العلم والخير، كان ذلك أقرب إلى مقاصد الشريعة، وأبعد عن التعصب والتحزب والخصومة.