الدعوة إلى الله: بصيرةٌ تحرّر العقل، وعلمٌ يهدي الطريق
ليست الدعوة إلى الله مجرد كلماتٍ تُقال، ولا نشاطًا يُمارس عند فراغ الوقت، ولا مهمةً يقوم بها فئة محددة من الناس دون غيرهم؛ بل هي من مقتضيات الإيمان بالله ورسوله ﷺ، ومن آثار اتباع النبي الكريم والاقتداء بمنهجه.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
[يوسف: 108]
ولعل من أهم ما ينبغي أن نتوقف عنده في هذه الآية قوله تعالى: ﴿عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾.
فالدعوة ليست مجرد حماس، ولا مجرد ترديد لما اعتدناه، وإنما هي علمٌ وبصيرة، وفهمٌ للواقع، وقدرةٌ على التمييز بين الحق والعادة، وبين الدليل والموروث، وبين الاتباع المشروع والتقليد الأعمى.
وقد غاب هذا المعنى عن كثير من المسلمين، فضعف الشعور بمسؤولية الدعوة، وظن بعض الناس أنها أمرٌ مستحبٌّ يُفعل إذا سمحت الظروف، وبعد أن تنتهي جميع الأولويات الأخرى.
بل قد يظن بعضهم أن صلاح الإنسان في نفسه يغنيه عن الاهتمام بإصلاح غيره، مستدلًا بقوله تعالى:
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
مع أن القرآن نفسه جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب خيرية هذه الأمة، فقال سبحانه:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
وقال تعالى:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾
بل جعل الله التواصي بالحق والتواصي بالصبر من أسباب النجاة من الخسران:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
ومن أعظم ثمرات الدعوة أن تكون سببًا في هداية إنسان؛ قال النبي ﷺ:
«لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»
الدعوة تبدأ بالعلم... وتقوم على البصيرة
ومن منهج النبي ﷺ في الدعوة أن يبدأ الداعية بالأهم فالأهم.
فعندما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، قال له:
«إنك ستأتي أقوامًا من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة...»
فالدعوة ليست عشوائية، وإنما تقوم على ترتيب الأولويات، ومراعاة حال المدعو، وتعليمه ما يحتاج إليه، والانتقال به من الأهم إلى ما دونه.
فإن كان المدعو غير مسلم، بدأ الداعية بأصل الإيمان، وإن كان مسلمًا، علّمه ما يجهله من أحكام دينه، ونبّهه إلى ما قصر فيه، مع مراعاة الأهم فالأهم.
وهنا تظهر أهمية العقل الواعي والتفكير الصحيح.
حين تتحول العادة إلى حقيقة!
إن طرق المعرفة متعددة، وكلما انضبطت بالمنهج العلمي والدليل، كان الإنسان أقرب إلى الصواب.
لكن من أخطر ما يؤثر في تفكير الإنسان أن يبني معارفه على العادة والبيئة والموروث.
فقد يعتقد الإنسان صحة فكرةٍ ما، لا لأنها قامت على دليل، وإنما لأنه نشأ عليها، وسمعها من أهله، ووجدها شائعة في بيئته، وتناقلها الناس من حوله.
وهنا تتحول العادة مع مرور الزمن إلى ما يشبه الحقيقة التي لا تقبل النقاش.
وقد تكون بعض الموروثات الاجتماعية أو الفكرية أو الدعوية صحيحة بالفعل، لكن الفرق كبير بين من يأخذها لأنها قامت على الدليل، وبين من يعتقد صحتها لمجرد أنها موروثة عن الآباء أو الشيوخ.
فالدليل هو الذي يمنح الفكرة قوتها، وليس مجرد شيوعها أو قدمها.
ولهذا قيل:
«لا يعرف الإنسان خطأ شيخه حتى يجلس عند شيوخ آخرين».
فالانفتاح على العلم، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، ومراجعة الأفكار، لا يعني بالضرورة أن الإنسان مخطئ؛ بل يعني أنه يريد أن يتأكد من سلامة ما يعتقده.
التفكير لا يعني التمرد على العلماء
وهنا ينبغي أن يكون الكلام واضحًا:
تحرير العقل لا يعني إسقاط العلماء، والاستقلال في التفكير لا يعني الاستغناء عن أهل العلم.
بل إن الأمة تحتاج إلى علمائها، وخاصة في أزمنة الفتن والاضطراب.
لكن هناك فرقًا بين الرجوع إلى العالم وبين تحويل كلام العالم إلى دليل قائم بذاته لا يحتاج إلى برهان.
فالعالم يُحترم لعلمه، ويُرجع إليه لفهم النصوص، والاستفادة من فقهه وتجربته، لكن الحق لا يصبح حقًا لمجرد أن فلانًا قاله.
ومن أجمل ما نُقل عن أبي يوسف رحمه الله:
«لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا».
وهذا هو الفرق بين التقليد الأعمى وبين الاقتداء بأهل العلم.
من أخطر صور التبعية: أن يصبح الشيخ هو معيار الحق
قد يتعلق الإنسان بشيخ أو إمام أو داعية، حتى يصبح ميزان الحق عنده هو:
قال شيخي.
فإن وافق الدليل قول شيخه قبله، وإن خالفه رد الدليل أو تأوله أو تجاهله!
وهنا يصبح الإنسان أسيرًا للأشخاص، لا تابعًا للحق.
وقد وصف الشافعي رحمه الله حال بعض المقلدة بقوله:
«كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيها أفعى تلدغه وهو لا يدري».
ومن طرائف المقلدة ما نقله الماوردي عن رجلٍ كان يناظر، فلما أقام خصمه عليه حجة صحيحة، أجابه قائلًا:
«إن هذه دلالة فاسدة، ووجه فسادها أن شيخي لم يذكرها، وما لم يذكره الشيخ لا خير فيه!»
وهنا تتجلى المشكلة بوضوح:
لم يعد السؤال: أين الدليل؟
بل أصبح السؤال: هل قاله الشيخ؟
وهذا انقلاب في ميزان التفكير.
الحجة لا تستمد قوتها من شهرة قائلها
ومن شدة إعجاب الإنسان بإمام أو عالم قد يتوقف عن السؤال عن الدليل أصلًا.
وقد ذكر صاحب النص مثالًا لطالبٍ في مناقشة علمية استدل في مسألة بقول شيخ الإسلام ابن تيمية، فسأله الأستاذ:
وما حجة ابن تيمية؟
فارتبك الباحث؛ لأنه لم يفكر في السؤال من قبل.
وهنا تظهر قاعدة مهمة:
إذا استدللت بقول عالم، فلا تجعل العالم نهاية البحث، بل اجعل قوله بدايةً للبحث عن الحجة التي استند إليها.
ولهذا قال ابن تيمية:
«معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر».
فالأصل أن تكون النصوص الشرعية هي المرجع الأعلى، وأن يكون العلماء أدلاء على فهمها، لا أن تتحول أقوالهم إلى بدائل عن الدليل.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
وقال سبحانه:
﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
القرآن يبني إنسانًا يفكر
الخطاب القرآني ليس خطابًا يعطل العقل، بل هو خطاب يدعو إلى النظر والتأمل والتفكر والاعتبار.
قال تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
وقال سبحانه:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾
فالإيمان لا يطلب من الإنسان أن يلغي عقله، وإنما يطلب منه أن يستخدم عقله في إطار الهداية والوحي.
والتفكير الصحيح لا يقود إلى التمرد على الدين، بل يمكن أن يكون وسيلة لفهم الدين بصورة أعمق، وتمييز الحق من الباطل، والتحرر من أسر العادات والتقاليد والتعصبات.
حين تتحول الجماعة إلى قيد على العقل
ومن صور التبعية أن يتأثر الإنسان بالجماعة التي ينتمي إليها، فيتبنى مواقفها لمجرد أنها مواقف جماعته.
وقد ذكر صاحب النص موقفًا لطالب كان يوزع بيانًا لتأييد الثورة الإيرانية، فلما سُئل: هل أنت مؤمن بما جاء في البيان؟ أجاب:
لا، ولكن...
أي: لم يقتنع به، لكنه فعل ذلك لأنه مأمور به.
وهذه صورة خطيرة من صور تعطيل العقل:
أن يعرف الإنسان شيئًا، ثم يفعل نقيضه لأن الجماعة طلبت منه ذلك.
فالتربية التي تقوم على التسليم المطلق والانقياد دون تفكير قد تنتج أفرادًا يجيدون الترديد والتصفيق، لكنها لا تبني بالضرورة عقولًا قادرة على النظر والنقد وصناعة المواقف.
وقد قال النبي ﷺ:
«من نصر قومه على غير الحق، فهو كالبعير الذي رُدي، فهو ينزع بذنبه».
ولهذا فإن من أخطر ما يمكن أن يصيب العمل الإسلامي أن تتحول الجماعة من وسيلة للتعاون على الخير إلى مرجعية فوق النقد والمراجعة.
لكن... لا بد من العلماء!
وهنا نصل إلى نقطة لا ينبغي أن تُفهم خطأ.
إذا كان المطلوب هو تحرير العقل من التبعية العمياء، فهذا لا يعني أبدًا الدعوة إلى أن يصبح كل إنسان مفتيًا لنفسه، أو أن يستغني الناس عن العلماء.
بل إن وجود العلماء الربانيين ضرورة، والرجوع إليهم خاصة في أزمنة الفتن من أسباب الثبات والسلامة.
وقد قال علي بن المديني رحمه الله:
«أعز الله الدين بالصديق يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة».
فالعالم الراسخ قد يكون سببًا في تثبيت الناس عندما تضطرب الموازين، وتشتد الفتن، وتكثر الشبهات.
ولهذا كان من منهج السلف الالتفاف حول العلماء في أوقات الفتن، والاستفادة من علمهم وتجربتهم وثباتهم.
لكن الالتفاف حول العلماء لا يعني تعطيل العقل، كما أن التفكير لا يعني إسقاط العلماء.
بل المنهج المتوازن هو:
نحترم العالم، ونستفيد من علمه، ونرجع إليه، ونسأله عن الدليل، ونزن الأقوال بالكتاب والسنة، ولا نجعل أحدًا معصومًا بعد رسول الله ﷺ.
ومن فقه الفتن: معرفة أهل العلم والرجوع إليهم
ومن النماذج التي تُظهر أهمية الرجوع إلى العلماء ما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه في قصة حلق الذكر التي ظهرت في المسجد.
فقد أنكر عليهم طريقة اجتماعهم وعدّهم للتكبير والتهليل والتسبيح بالحصى، وقال لهم:
«وكم من مريد للخير لن يصيبه».
وكان ابن مسعود رضي الله عنه ينظر إلى الأمر من زاوية أوسع؛ فلم يكن مجرد قصد الخير كافيًا عنده، بل لا بد أن يكون العمل نفسه موافقًا للمنهج الشرعي.
ثم ظهر بعد ذلك أن بعض هؤلاء شاركوا في فتنة الخوارج.
وهذا يعلّمنا أن حسن النية وحده لا يكفي لصحة الطريق.
فالإنسان قد يريد الخير، لكنه يحتاج مع ذلك إلى:
علمٍ يهديه، وبصيرةٍ تضبطه، وعقلٍ يميز، وعالمٍ يرجع إليه.
نحتاج إلى عقولٍ كثيرة... لا إلى عقلٍ واحد!
إن من أسباب الضعف الفكري أن يتحول التفكير والتخطيط وصناعة المواقف إلى مهمة آحاد من الناس، بينما يتحول الباقون إلى مجرد متفرجين أو مقلدين أو مكررين لما يسمعون.
والأمة التي تفكر بعقل واحد تكون أضعف من الأمة التي تمتلك مئات العقول الواعية، وآلاف الطاقات القادرة على النظر والاجتهاد والإبداع.
ولهذا فإن من أهم مقومات النهوض بالعمل الإسلامي:
تحرير الطاقات، وتنمية ملكة التفكير، وتشجيع السؤال، وتعليم الناس كيف يبحثون عن الدليل، وكيف يميزون بين العالم الذي يُستفاد من علمه وبين الشخص الذي يُتبع لمجرد الشهرة.
فالأمة لا تحتاج إلى أتباع يرددون كل ما يسمعون، وإنما تحتاج إلى أهل علم وبصيرة، وعقول واعية، وقلوب مخلصة، ونفوس تتبع الحق حيث كان.
الخلاصة
الدعوة إلى الله تبدأ من البصيرة، والبصيرة لا تنفصل عن العلم.
والعلم لا يكتمل مع التقليد الأعمى.
واحترام العلماء لا يعني تقديس الأشخاص.
والتفكير لا يعني التمرد على الدين.
والرجوع إلى العلماء لا يعني إلغاء العقل.
والاستقلال في النظر لا يعني الاستغناء عن أهل العلم.
إنما المنهج الصحيح أن نجمع بين الأمرين:
وحيٌ نهتدي به،
وعقلٌ يتدبر،
وعلماءُ نرجع إليهم،
ودليلٌ نزن به الأقوال،
وبصيرةٌ نفهم بها الواقع،
وشجاعةٌ نراجع بها أنفسنا وأفكارنا.
فإذا أردنا لدعوتنا أن تنهض، فعلينا ألا نربي أجيالًا تحفظ الأقوال فقط، بل نربي أجيالًا تفهم، وتفكر، وتسأل، وتبحث، وتستدل، وتحترم العلماء، وتتبع الحق.
وكما قال ابن القيم رحمه الله:
«التفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك».
فـ فلأن تفكر الأمة بمائة عقل، خيرٌ لها وأنفع من أن تفكر بعقل واحد.
وهذه هي الدعوة التي تقوم على البصيرة:
دعوةٌ تهدي الإنسان إلى الله، دون أن تسلبه عقله؛
وتربطه بالعلماء، دون أن تجعله أسيرًا للأشخاص؛
وتعلّمه الاتباع، دون أن تربيه على التبعية العمياء.