الجمعة، 5 مايو 2017

فتاوى العلماء في جواز المشاركة السياسية «الانتخابات"

فتاوى العلماء في جواز المشاركة السياسية «الانتخابات"

فى هذا البحث باذن الله نستعرض مجموعة من فتاوى أهل العلم فى جواز المشاركة السياسية, وهى كالأتى:

1- موقف علماء اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية 

2- موقف الشيخ عبد الرحمن السعدى
3- موقف الشيخ المحدث احمد شاكر
4- موقف الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألبانى
5- موقف الشيخ الفقيه عبد العزيز ابن باز
6- موقف الشيخ الفقيه بن عثيمين
7- موقف الشيخ الفقيه بن جبرين
8- موقف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك
9- موقف الشيخ عبد المحسن العباد
10- موقف الشيخ صالح الفوزان 

1- موقف علماء اللجنة الدائمة للافتاء بالسعودية

السؤال الخامس من الفتوى رقم (4029) 
س: هل يجوز التصويت في الانتخابات والترشيح لها؟ مع العلم أن بلادنا تحكم بغير ما أنزل الله.
ج: لا يجوز للمسلم أن يرشح نفسه رجاء أن ينتظم في سلك حكومة تحكم بغير ما أنزل الله، وتعمل بغير شريعة الإسلام، فلا يجوز لمسلم أن ينتخبه أو غيره ممن يعملون في هذه الحكومة، إلا إذا كان من رشح نفسه من المسلمين ومن ينتخبون يرجون بالدخول في ذلك أن يصلوا بذلك إلى تحويل الحكم إلى العمل بشريعة الإسلام، واتخذوا ذلك وسيلة إلى التغلب على نظام الحكم، على ألا يعمل من رشح نفسه بعد تمام الدخول إلا في مناصب لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. 
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 
عضو ... عبد الله بن قعود
عضو ... عبد الله بن غديان
نائب رئيس اللجنة ... عبد الرزاق عفيفي
الرئيس ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
....................... 

الفتوى رقم (14676) 
س: كما تعلمون عندنا في الجزائر ما يسمى بـ:( الانتخابات التشريعية) ، هناك أحزاب تدعو إلى الحكم الإسلامي، وهناك أخرى لا تريد الحكم الإسلامي, فما حكم الناخب على غير الحكم الإسلامي مع أنه يصلي؟

ج: يجب على المسلمين في البلاد التي لا تحكم الشريعة الإسلامية، أن يبذلوا جهدهم وما يستطيعونه في الحكم بالشريعة الإسلامية، وأن يقوموا بالتكاتف يدا واحدة في مساعدة الحزب الذي يعرف منه أنه سيحكم بالشريعة الإسلامية، وأما مساعدة من ينادي بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية فهذا لا يجوز، بل يؤدي بصاحبه إلى الكفر؛ لقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} , {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، ولذلك لما بين الله كفر من لم يحكم بالشريعة الإسلامية، حذر من مساعدتهم أو اتخاذهم أولياء، وأمر المؤمنين بالتقوى إن كانوا مؤمنين حقا، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. 
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 
عضو ... عبد الله بن غديان
نائب رئيس اللجنة ... عبد الرزاق عفيفي
الرئيس ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
..................... 

موقف المسلم من الأحزاب السياسية
السؤال الرابع من الفتوى رقم (6290)
السؤال: بعض الناس مسلمين ولكنهم ينخرطون في الأحزاب السياسية، ومن بين الأحزاب إما تابعة لروسيا أو تابعة لأمريكا، وهذه الأحزاب متفرعة وكثيرة؛ أمثال: حزب التقدم والاشتراكية، حزب الاستقلال، حزب الأحرار -حزب الأمة- حزب الشبيبة الاستقلالية، حزب الديمقراطية، إلى غيرها من الأحزاب التي تتقارب فيما بينها، ما هو موقف الإسلام من هذه الأحزاب، ومن المسلم الذي ينخرط في هذه الأحزاب، هل إسلامه صحيح؟
الجواب: من كان لديه بصيرة في الإسلام وقوة إيمان وحصانة إسلامية وبعد نظر في العواقب وفصاحة لسان، ويقوى مع ذلك على أن يؤثر في مجرى الحزب فيوجهه توجيها إسلاميا -فله أن يخالط هذه الأحزاب، أو يخالط أرجاهم لقبول الحق؛ عسى أن ينفع الله به، ويهدي على يديه من يشاء فيترك تيار السياسات المنحرفة إلى سياسة شرعية عادلة ينتظم بها شمل الأمة، فتسلك قصد السبيل، والصراط المستقيم، لكن لا يلتزم مبادئهم المنحرفة، ومن ليس عنده ذلك الإيمان ولا تلك الحصانة ويخشى عليه أن يتأثر ولا يؤثر، فليعتزل تلك الأحزاب؛ اتقاء للفتنة ومحافظة على دينه أن يصيبه منه ما أصابهم، ويبتلى بما ابتلوا به من الانحراف والفساد.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عبد الله بن قعود
عضو ... عبد الله بن غديان
نائب رئيس اللجنة ... عبد الرزاق عفيفي
الرئيس ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
.....................................
........................................


2- موقف العلامة عبد الرحمن السعدى
ذكر الشيْخُ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ في تفسيره تحت قولِهِ تعالى: (وَلَوْلاَ رَهْطُكَلَرَجَمْنَاكَ) ما يُسْتَفادُ مِنْ قصّة شعيب مع قومه مِنْفوائد
قال : ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان , فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم , نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة والله أعلم.(تفسير السعدى:1/388)

انظر الى حكمة العالم وفهمه لروح النصوص , سبحان الله
.....................................
..........................................


3- موقف العلامة المحدث احمد شاكر

فى عام 1941م , قام الشيخ احمد شاكر رحمه الله بتوجيه رسالة الى رجال القانون والقضاة فى مصر ينصحهم فيها ان يحكموا بشريعة الاسلام ويستبدلوا القوانين الوضعية بالقوانين الشرعية وختم رسالته لهم قائلا:
أما اذا ابيتم , واعيذكم بالله ان تأبوا , فسادعو علماء الازهر رجال الاسلام , رجاله ورجال مدرسة القضاء ودار العلوم , وسيستجيبون لى , وسيحملون عبء هذا العمل العظيم , وسيرفعون راية القران بأيديهم القوية , التى حملت مصباح العلم فى اقطار الاسلام ألف عام , وسينهضون به كما نهضوا من قبل بكل حركات الرقى والتقدم فى الامة , وفيهم رجال لا يبارون علما وكفائة وحكمة وعزما , وسيجدون الاعوان الصادقين المخلصين منكم رجال القانون ومن سائر طبقات الامة.
وإذ ذاك سيكون السبيل الى ما نبغى من نصرة الشريعة , السبيل الدستورى السلمى: ان نبث فى الامة دعوتنا , ونجاهد فيها ونجاهر بها , ثم نصاولكم عليها فى الانتخابات , ونحتكم فيها الى الامة , ولئن فشلنا مرة فسنفوز مرارا , بل سنجعل من اخفاقنا ان اخفقنا فى اول امرنا مقدمة لنجاحنا , بما سيحفز من الهمم ويوقظ من العزم , وبأنه سيكون مبصرا لنا مواقع خطونا , ومواضع خطئنا , وبأن عملنا سيكون خالصا لوجه الله.
فاذا وثقت الامة بنا , ورضيت عن دعوتنا , واختارت ان تحكم بشريعتها , طاعة لربها , وأرسلت منا نوابها الى البرلمان , فسيكون سبيلنا واياكم ان نرضى وان ترضوا بما يقضى به الدستور , فتلقوا الينا مقاليد الحكم , كما تفعل كل الاحزاب , اذا فاز احدها فى الانتخاب , ثم نفى لقومنا-ان شاء الله-بما وعدنا , من جعل القوانين كلها مستمدة من القران والسنة.
ومن بشائر الفوز وامارات النجاح باذن الله , ان رأينا كثيرا من ذوى الرأى يقولون بقولنا , ويتمنون ان تستجاب دعوتنا , ويرجون ان تعود الامة الى دينها وشريعتها , وان بعض الجمعيات القوية جعلت هذا المقصد من اهم مقاصدها.
(الكتاب و السنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر: لأحمد شاكر: ص 40 )
.........................
سبحان الله, انظر الى حسن ظن الشيخ بربه, وتفائله وعلو همته ....
ولئن فشلنا مرة فسنفوز مرارا !!!
............................................
............................................... 



4- موقف العلامة المحدث محمد ناصر الدين الالبانى

موقف الشيخ الالبانى رحمه الله يتلخص فى الاتى: 
1- بالنسبة للترشح الشيخ لا يرضى بسلوك طريق البرلمان ولا ينصح احد بالترشح للبرلمان 
2- بالنسبة للناخبين يرى الشيخ وجوب المشاركة واختيار افضل المرشحين الاسلاميين او اختيار اقل المرشحين شرا على الامة , ويرى خروج النساء للاختيار ايضا , وهذا من باب ارتكاب اخف الضررين. 

وقد سُئل الشيخ الالبانى رحمه الله ان بعض الاخوة ينقل عنك كلام متناقض بخصوص الانتخابات, القول الاول: انه لا ينبغى نزول الاخوان المسلمين فى الانتخابات لكن اذا نزلو فيجب علينا مؤازرتهم , والقول الثانى: انك لاترى نزولهم واذا نزلو لا نؤازرهم ؟ 

فقال الشيخ: القول الثانى خطأ , والقول الاول صحيح , لكن نحن لم نخصص الاخوان المسلمين دون غيرهم , ونحن لا ننصح مسلم ان يرشح نفسه فى هذة الانتخابات فى كل البلاد اليوم , لان الحكومات لا تحكم بما انزل الله , لكن انا اعلم ان هذا الرأى لا يقتنع به كثيرون من طلبة العلم ومن الدكاترة ومن كذا الى اخره , حينذ سنرى فى الساحة ناس يرشحون انفسهم من الاسلاميين , سواء كانو من هؤلاء او هؤلاء او هؤلاء , حينذ يجب علينا ان نختار من هؤلاء الذين نزلو فى ساحة الانتخابات , نحتار منهم الاصلح , ولا نفسح المجال لدخول الشيوعيين والبعثيين والدهريين والزنادقة ونحو ذلك , فقال احد الحاضرين: تقول يجب علينا ان نختار الافضل منهم؟! , فقال الشيخ: اى نعم. (سلسلة الهدى والنور – الشريط رقم:221)
......................... 

وسئل الشيخ رحمه الله: ما حكم من اراد ان يذهب الى الانتخابات ؟ 
فقال: ينتخب الاقل شرا , ثم كررها , فقال السائل: مش فاهم؟ , فقال الشيخ: يعنى نازل مسلم ونازل شيوعى والشيوعى قريب لك , او الشيوعى من قبيلتك , اذا انتخبته وتركت المسلم فهذا لا يجوز , اذا نزل اثنين مسلمين واحد صالح والاخر طالح , اذا تركت الصالح واخترت الطالح لانه صديقك وهكذا فهذا لا يجوز , فقال السائل: يعنى لا يجوز الانتخاب بالمرة يا شيخ؟! , فقال الشيخ متعجبا: الله يهديك!! , فقال السائل: مش فاهم يا شيخ , فقال الشيخ: حط واحد يفهم عنك والسلام عليكم. 
(متفرقات للالبانى – الشريط رقم: 150) 
........................ 

واجاب الشيخ عن حكم خروج النساء الى الانتخابات فقال: يجوز لهن الخروج بالشروط المعروفة فى حقهن وهو ان يتجلببن الجلباب الشرعى , وان لا يختلطن بالرجال, هذا اولا , ثم ان ينتخبن من هو الاقرب الى المنهج العلمى الصحيح من باب دفع المفسدة الكبرى بالصغرى. 
(حكم المشاركة فى الوزارة والمجالس النيابية: للاشقر: ص 144) 
................................. 
..................................... 


5- موقف العلامة عبد العزيز بن باز
سُئل الشيخ ـ رحمه الله ـ في لقاء مع مجلة الإصلاح السودانية في العدد 241 عن دخول الدعاة والعلماء المجالس النيابيةوالبرلمانية، والمشاركة في الانتخابات في البلاد التي لا تَحْكُم بشرع الله، وما الضابط في ذلك؟

فأجاب: هذا الدخول خطير يعنى برلمانات ومجالس نيابية ونحوها, الدخول فيها خطير.
لكن من دخل فيها عن علم وعن بصيرة يريد الحق, ويريد ان يوجه الناس الى الخير , ويريد ان يعرقل الباطل ليس الاصل هو الطمع فى الدنيا, ولا الطمع فى المعاش, وانما قد دخل لينصر دين الله وليجاهد فى الحق وفى ترك الباطل بهذة النية الطيبة, انا ارى انه لا حرج فى ذلك , وانه ينبغى حتى لا تخلو هذة المجالس من الخير واهله, اذا كان دخل بهذة النية وهو عنده بصيرة حتى يماحل عن الحق حتى يجادل عن الحق, وحتى يدعو الى ترك الباطل, ولعل الله ينفع به حتى تحكم الشريعة بهذة النية بهذا القصد مع العلم والبصيرة, فالله جل وعلا يأجره على ذلك.
اما اذا دخل بقصد الدنيا او بقصد الطمع فى الوظيفة لا يجوز هذا, لكن دخوله يريد وجه الله والدار الاخرة, يريد نصر الحق, يريد بيان الحق بادلته, لعل هذة المجالس ترجع اليه وتنيب اليه . (كتاب "الدعوة إلىالجماعة والائتلاف" ص151)
................................

وسُئل الشيخ ـ رحمه الله ـ كماجاء في مجلة لِواء الإسلام، العدد الثالث، ذو القعدة سنة 1409ه يونيو سنة 1989م عن شرعية الترشيح لمجلس الشعب، وحكم الإسلام فياستخراج بطاقة انتخابات بِنِيَّةِ انتخاب الدعاة والإخوة المتديِّنينلدخول المجلس؟

فأجاب الشيخ ابن باز قائلاً :
إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى), لذا فلا حَرَجَ في الالتحاقِ بمجلسِ الشعْبِ إذا كان المقصود من ذلك تأييد الحق، وعدم الموافقة على الباطل؛ لما في ذلك مِنْ نصر الحق،والانضمام إلى الدُعاة إلى الله، كما أنه لا حَرَجَ كذلك في استخراجالبطاقة التي يُستعان بها على انتخابِ الدُعاة الصالحين، وتأييد الحقوأهله، والله الموفق.
(حكم المشاركة فى الوزارة والمجالس النيابية: للاشقر: ص 136)
.................................................. .
.................................................. .....



6- موقف العلامة محمد صالح العثيمين

سئل الشيخ رحمه الله: ما حكم الانتخابات الموجودة في الكويت , علماً بأن أغلب من دخلها من الإسلاميين ورجال الدعوة فتنوا في دينهم؟ وأيضاً ما حكم الانتخاباتالفرعية القبلية الموجودة فيها يا شيخ؟

فقال الشيخ: أنا أرى أن الانتخابات واجبة, يجب أن نعين من نرى أن فيه خيراً, لأنه إذاتقاعس أهل الخير من يحل محلهم؟ أهل الشر, أو الناس السلبيون الذين ليسعندهم لا خير ولا شر, أتباع كل ناعق, فلابد أن نختار من نراه صالحاً
فإذا قال قائل: اخترنا واحداً لكن أغلب المجلس على خلاف ذلك, نقول: لا بأس هذا الواحد إذا جعل الله فيه بركة وألقى كلمة الحق في هذا المجلس سيكونلها تأثير ولابد , لكن ينقصنا الصدق مع الله, نعتمد على الأمور الماديةالحسية ولا ننظر إلى كلمة الله عز وجل
ماذا تقول في موسى عليه السلام عندما طلب منه فرعون موعداً ليأتي بالسحرة كلهم, واعده موسى ضحى يوم الزينة في رابعة النهار وليس في الليل, في مكان مستوٍ, فاجتمعالعالم، فقال لهم موسى عليه الصلاة والسلام:{ وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُواعَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِافْتَرَى} كلمة واحدة صارت قنبلة
قال الله عز وجل: { فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } الفاء دالة على الترتيب والتعقيب والسببية, من وقت ما قال الكلمة هذه تنازعواأمرهم بينهم, وإذا تنازع الناس فهو فشل, كما قال الله عز وجل: { وَلاتَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا } , {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْبَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى }
والنتيجة أن هؤلاء السحرة الذين جاءوا ليضادوا موسى صاروا معه, ألقوا سجداً لله, وأعلنوا: { آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى } وفرعونأمامهم, أثرت كلمة الحق من واحد أمام أمة عظيمة زعيمها أعتى حاكم.
فأقول: حتى لو فرض أن مجلس البرلمان ليس فيه إلا عدد قليل من أهل الحق والصواب سينفعون, لكن عليهم أن يصدقوا الله عز وجل, أما القول: إن البرلمانلا يجوز ولا مشاركة الفاسقين, ولا الجلوس معهم, هل نقول: نجلس لنوافقهم؟نجلس معهم لنبين لهم الصواب.
بعض الإخوان من أهل العلم قالوا: لا تجوز المشاركة, لأن هذا الرجل المستقيم يجلس إلى الرجل المنحرف, هل هذا الرجل المستقيم جلس لينحرف أم ليقيمالمعوج؟! نعم ليقيم المعوج, ويعدل منه, إذا لم ينجح هذه المرة نجح في المرةالثانية.
السائل : الانتخابات الفرعية القبلية يا شيخ
الجواب: كله واحد , أبداً رشح من تراه خَيِّرَاً، وتوكل على الله.
( لقاء الباب المفتوح للشيخ ابن عثيمين-الشريط رقم:211)
.....................

وسألته أيضا مجلة الفرقان الكويتية العدد42الربيع الثاني1414ه ـ أكتوبر1993م عن الدخول في المجالس النيابية، في الدول التيلا تطبق شرع الله كاملا؟

فقال الشيخ: لابد من الدخول والمشاركة فى الحكومة وان ينوى الانسان بالدخول الاصلاح لا الموافقة على كل ما يصدر , وفى هذا الحال اذا لقى ما يخالف الشرع فانه يرده, وهو وإن لم يتبعه على ذلك اناس كثيرون يحصل بهم تقويته فى اول مرة او ثانى مرة او الشهر الاول او الثانى او الثالث او السنة الاولى او الثانية سوف يكون فى المستقبل له اثر طيب , أما التخلي عنذلك فيُترَكُ المجال لأناس بعيدين من تحكيم الشريعة، فإن هذا تفريطٌ عظيم،لا ينبغي للإنسان أن يتَّصِفَ به.
(كتاب "الدعوة إلى الجماعة والائتلاف" ص155)
.....................

وسألته نفس المجلة -الفرقان- مرة اخرى فى مايو 1996م عن الدخول فى البرلمانات فأجاب بنحو اجابته السابقة وقال: وأما الحلف على احترام الدستور فينوى بقلبه انه حلف على احترام الدستور إن لم يخالف الشرع, والاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
أما ترك هذه المجالس للسفهاء والفساق والعلمانيين, واشباههم, فهذا غلط لا يحل المشكلة , والله لو كان الخير فى امتناعه عن هذه المجالس لقلنا يجب البعد والكف عنها , لكن الامر على عكس ذلك.(حكم المشاركة فى الوزارة والمجالس النيابية: للاشقر: ص 141)
............................................
............................................... 



7- موقف العلامة عبد الله بن جبرين

سئل الشيخ بن جبرين رحمه الله: ما حكم اشتراك المسلم في الحكم واشتراكه في انتخاب الحاكم؟ 
فأجاب: لا يجوز للمسلم أن يشترك في عمل يرفع من معنوية الكافر أو يختار فيه واليا من الكفار يتولى شيئا من الولايات العامة للمسلمين أو لهم ولغيرهم لأن ذلكمن باب المولاة والنصرة لهم والتأييد والركون إليهم، وقد قطع الله الصلةوالمودة بيننا وبين الكفار ولو كانوا من ذوي الأرحام كما قال الله تعالى:لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ لكن إذا كان اشتراك المسلم في الحكم يخفف من وطأتهم على المسلمين أو فيه فرج وتوسعة على المواطنين من المسلمين وترك الولاية كلها لهم فيه ضرر وتضييق على أهل الإسلام، ولم يكن هناك حيلة في الاستقلال وانفراد المسلمين بولاية ورئيس خاص لهم، جاز اشتراك المسلم بهذه النية ليزيل بعض ما فيه المسلمون من التضييق والشدة فما لا يدرك كله لا يترك جله، وبعض الشر أهونمن بعض، وأما انتخاب المسلم لرئيس كافر فلا يجوز أصلا لما فيه من إقرارالكفار وتوليتهم على المسلمين.
والله أعلم . 
(فتاوى الشيخ من على موقعه الرسمى : رقم الفتوى:10254) 
........................................... 
................................................. 


8- موقف العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك 

سُئل الشيخ البراك حفظه الله: عن حكم التصويت فى الانتخابات لوضع الدستور فى العراق وما حكم الإدلاء بالصوت في هذه الانتخابات من حيث الوجوب أوالندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم ؟ وما حكم مشاركة المرأة في حالاصطحابها من قبل محرم وأمن الاختلاط ؟ وما صفة من يجوز انتخابهم لهذاالمجلس ؟
الجواب:الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و على آله وصحبه أجمعين وبعد:
قال الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وقال عزوجل: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاتَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ), وقال سبحانه وتعالى:(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوااللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، وقال جل شأنه:(يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ)،فالواجب على المسلم أن يفعل مما أوجب الله من تقواه ونصر دينه ومن التعاونعلى البر والتقوى ما يستطيع، كما ينبغي له أن يفعل من الخير ما يقدر عليهمما يكثر الخير ويخفف الشر، ولا ريب أن القوانين التي تضعها الدول التيتنتسب للإسلام لا يراعون فيها ما يوافق ويطابق أحكام الشريعة، بل يراعونفيها مصالح واضعيها والأحزاب التي ينتمون إليها، ويوافق أهواء جمهور الناسوالأعراف الدولية التي تعارفت عليها دول الكفر من اليهود والنصارىوالمشركين ومن يقفو أثرهم من سائر الدول.
ومشاركة بعض المسلمين في وضع هذه القوانين، غاية ما يحصل من ذلك تخفيف الشرالذي ينجم عن تخليهم، فإن ترك المشاركة يمكن للمنافقين والمبتدعين والملحدين من بلوغ المزيد من أهدافهم من نشر مبادئهم ومن محاربة الإسلام والمسلمين وظلمهم، وعلى هذا فتنبغي المشاركة في وضع قانون للعراق،والمشاركة في انتخاب المرشحين لوضع القانون، وذلك لتحقيق الغاية المنشودة،وهي دفع شر الشرين وتحصيل خير الخيرين حسب الاستطاعة، ومن هذا المنطلق لامانع أن تشارك المرأة في التصويت بانتخاب من يعرف بالعلم والدين والانتصارللإسلام مع الحزم وقوة الحجة، 
لأن مشاركة المرأة حينئذ فيها نصرة للحق وتقوية لجانبه، لكن مع الاحتشاموالالتزام بالآداب التي جاء بها الإسلام للمرأة، والحذر مما يؤدي إلىالمخالفات الشرعية ، كالاختلاط ومزاحمة الرجال، ويمكنها تلافي ذلك بأن تستنيب من يسجل مشاركتها.
ويجب على من يرشح لهذه المهمة بهذه النية ممن يكفر بالطاغوت ويؤمن باللهويؤمن بقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)، يجب عليه أن يخلص لله في مشاركته وأن يجتهد في تخفيف الشر، وألايطلب بهذه المشاركة عرضاً من الدنيا ولا جاهاً عند الناس، كما يجب عليه أنيبرأ من كل ما يوضع في القانون من الباطل مما لا يستطيع دفعه، وليس من الحكمة ترك الأمر لأهل الباطل، يحققون مآربهم دون أن يجدوا معارضاً من أهل الحق، بل لو رشح كافران وكان أحدهما مسالماً للمسلمين والآخر شديد العداوة لوجب انتخاب الأول لدفع شر الآخر، وهكذا يقال في سائر من يرشح لوضع قانون البلاد أو لرئاسة البلاد، أو لولاية من الولايات،فينبغي للمسلمين أن يجتهدوا فيما يمكن للخير ويدفع الشر أو يخففه حسب الإمكان،والله تعالى من وراء القصد، والله أعلم.(فتاوى الشيخ على موقعه الرسمى: فتوى رقم: 10880)
............................. 

الشيخ البراك يطالب المسلمين فى مصر بالمشاركة السياسية بعد الثورة 

كلمة من ناصح الى الاخوة فى مصر 
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلامُ على سيِّدِ المرسلين، المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين,اما بعد: 
فإنَّ من آيات الله الدالةِ على قدرته سبحانَه أن تقوم مظاهراتٌ سلميةًيجمع عليها جمهور أكثرِ بلد عربي إسلامي عدداً، فتطيح بحكومة مضت عليهاثلاثون سنة، ومن نعم الله أن ما حصل من قتل وإصابات لم يكن من فعلالمحتجين، بل من فعل خصومهم من أصحاب السلطة والسفهاء المأجورين، فالحمدلله على ما حصل من المطلوب لشعب مصر، وزال من المكروه المحذور، وسبحان الذييؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعزُّ من يشاء، ويذلُّ منيشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
ولكن ماذا بعد؟ 
إن مصر أشهرُ البلاد الإسلامية، وأعلاها صوتاً، ومن أعظمها أثراً في المنطقة، فيجب أن يكون للمؤسسات والهيئات والجماعات الإسلامية حضورٌ ولاسيما في قضاياها الكبرى، التي ينبني عليها مستقبل البلاد، ومنها تشكيل الحكومة، وصياغةُنظام الدولة، ومن أبطل الباطل، وأقبحِ الجنايات إقصاؤهم عن المشاركة، ومن أسوأ التصرف تقاعسُ القادرين على نصر دينهم عن القيام بما يستطيعون من واجبهم، ومن ذلك العمل على صياغة الدستور على وفق الشريعة الإسلاميةالعادلة، ومن أعظم ما يعين على تحقيق ذلك التنسيق والتعاون فيما بينَهم،واجتماع كلمتِهم، والحذرُ من التفرُّق، قال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُواْبِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) ، وقالتعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى)، وقال:(وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْوَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَالصَّابِرِينَ)، وعلى عموم المسلمين في مصر أن ينصروا دينالله، وأن يرفضوا كل قانون يناقض حكم الله، فقد قال الله تعالى: (فَلاَوَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَوَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)، كما على أهل مصر أن يحذروا تدخلالأجنبي الكافر في شؤونهم، فإن ذلك أعظم خطر، ولاسيما في هذه المرحلة.
نسأل الله أن يجعل فيما جرى خيراً، وعاقبة حميدة، وأن ينصر دينَه، ويعليكلمته، إنه تعالى سميع الدعاء، (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. 
أملاه : عبد الرحمن بن ناصر البراك 
الأستاذ (سابقا) بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 
الرياض في 9 ربيع الأول 1432هـ 
......................... 

بيان الى اهل مصر فى جولة الاعادة فى الانتخابات الرئاسية
اقطعوا الطريق على أحمد شفيق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، أما بعد :
فإلى الإخوة في أرض الكنانة، مصر العزيزة، هذا وقت جني الثمرة لثورتكم؛ فاحذروا أن تخطف من أيديكم وأن يقطف الثمرة غيركم فيضيع الجهد والجهادالطويل، فيخطفها من يعود بكم إلى عهد الرئيس السابق الذي أبليتم بلاء عظيماللتخلص منه،
فالحزم الحزم ! , والجد الجد!
فاقطعوا الطريق على أحمد شفيق ومن وراءه؛
فإن انتخابه حرام، كيف وهو الذي ترضاه أمريكا، التي لا تريد بأهل مصر خيرا؟ !
وهل يرضى مسلم لنفسه أن يختار لقيادة بلاده من يسوي بين القرآن والإنجيل المنسوخ؟ !
فاحذروا أيها المسلمون في مصر أن تخدعوا فتندموا !
واذكروا أنكم مسؤولون عما تعملون وتقولون، (فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون)
حفظ الله لمصر عزها بالإسلام، (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا)، (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين). وصلى الله وسلم على محمد .
أملاه :عبد الرحمن بن ناصر البراك
الأستاذ (سابقا) بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الرياض في 9 رجب 1433هـ
...................................

رسالة الى اهل تونس (لا تمنحوا أصواتكم إلا لمن يكون ولاؤه للإسلام)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :
أيها الإخوة المسلمون في تونس؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركات , إن بيننا وبينكم وشيجة الأخوة الإسلامية، التي هي أوثق الروابطوأبقاها، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) ، وقال سبحانه: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، وقالصلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثلالجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وقال صلىالله عليه وسلم:(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بينأصابعه).
أيها الأخوة المسلمون في تونس: انطلاقا من رابطة الأخوة الإسلامية فإنه يسرنا ما يسركم ويسوؤنا ما يسوؤكم، وهذا هو الواجب بين المؤمنين أنيشاركوا إخوانهم المؤمنين في آمالهم وآلامهم.
أيها المسلمون في تونس : إن ما حدث في بلادكم هذه الأيام من الاضطرابات هو من الفتن التي يجب على المسلمين أن يعتصموا فيها بكتاب اللهوسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (إنها ستكون فتنة) قلت: فما المخرج منها يا رسول اللهقال : (كتاب الله؛ فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم)، وفيه: (ما تركه من جبار إلا قصمه الله، وما ابتغى الهدى من غيرهإلا أضله الله)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ستكون فتن، القاعد فيها خير منالقائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، منتَشرَّف لها تستشرفْه) فاحذروا أن تنساقوا مع الأهواء المضلة بالعدوان علىالأنفس والأعراض والأموال، وكونوا متعاونين على البر والتقوى، ولا تعاونواعلى الإثم والعدوان، واعلموا أن ما جرى وما يجري في هذا الوجود فإنه بقدرالله، ولله في ذلك حكم بالغة، والله تعالى يبتلي عباده بالحوادث التي يميزبها الخبيث من الطيب، قال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواأَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّاالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواوَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)، (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَآَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ)
وإن الموفق في هذه الفتنة من يعمل على إطفائها، محكِّما كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يجب أن يكون دستور جميع الدولالإسلامية، وإن من الواجب على عموم المسلمين في تونس وعلى ذوي العقل والرأيالرشيد خاصة أن يعملوا على ضبط الأمن وحماية المستضعفين من عدوانالمعتدين، وعصابات المفسدين، كما نهيب بأهل العلم في أن ينهضوا بمسؤوليتهموأن يأخذوا بزمام المبادرة قبل فوات الفرصة.
هذا؛ وإنكم في الأيام القادمة ستبتلون بالانتخابات ، فاجعلوا أهمأمركم إقامة شرع الله الذي به صلاح الدنيا والآخرة، فلا تمدوا أيديكم ولاتمنحوا أصواتكم إلا لمن يكون ولاؤه للإسلام، ومن تأمنونه على دينكم ودنياكم.
نسأل الله أن يولِّي عليكم من يكون به صلاح أمركم، واجتماع كلمتكم، وألا يشمت بكم عدوا ولا حاسدا، إنه سبحانه سميع مجيب، وصلى اللهوسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم : عبد الرحمن بن ناصر البراك
الأستاذ (سابقا) بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
المملكة العربية السعودية
10 صفر1432هـ
................................
........................................


9- موقف الشيخ عبد المحسن العباد
سئل الشيخ حفظه الله: هؤلاء اخوة من اندونيسيا يقولون: حفظك الله ما قولكم فى الاشتراك في التصويت في الانتخابات لان هناك حزب نصراني سيشترك في الانتخابات واذا فاز فسيكون له اثر كبير وضرر على المسلمين والانتخابات سوف تكون بعد اسبوع افتونا مأجورين ؟

فقال الشيخ: اذا كان دخول المسلمين يرجح جانب من فيه خير للمسلمين فيدخلون , واذا كان دخولهم لا يقدم ولا يؤخر فانهم لا يدخلون , واذا كان دخولهم يؤثر فى ابعاد من هو شر , وتحصيل من هو اقل شرا واخف ضررا حتى ولو كان من الكفار انفسهم , مثل البلاد التى فيها اقلية اسلامية ويكون الامر دائر بين كافرين , احدهما شديد الحقد على المسلمين متى وصل الى السلطة اذاهم وحال بينهم وبين القيام بعباداتهم على الوجه الذى ينبغى , والثانى ليس كذلك متسامح مع المسلمين ليس عنده حقد شديد عليهم ومتسامح , ومعلوم ان الكفر درجات كما ان الايمان درجات , الكفر يتفاوت الكفار فيه والايمان يتفاوت الناس فيه , فاذا كان الامر بين اثنين , ودخول المسلمين يرجح ذلك الهين على المسلمين فلهم ان يدخلو , واذا كان دخولهم لا يقدم ولا يؤخر فليتركوه , فدخولهم ليس لاختيار خليفة فان هؤلاء كفار متسلطون , لكن بعض الشر اهون من بعض وارتكاب اخف الضررين للتخلص من اشدهما مطلوب , ومعلوم ان الله ذكر فى القران فرح المسلمين بانتصار الروم على الفرس والاثنين كفار , لكن لماذا يفرح المسلمون بانتصار الروم على الفرس؟ لان هؤلاء مجوس كفرهم شديد وكفرهم عظيم , واعظم الكفر ناحية المشرق كما قال رسول الله وملك الفرس مزق كتاب رسول الله لما جاء اليه واما ملك الروم احتفظ بالكتاب , ففرق بين كافر شديد الكفر على المسلمين وكافر خفيف الضرر على المسلمين , فاذا كان دخولهم ينفع فى تحصيل من هو اخف ضررا فانهم يدخلون , واذا كان دخولهم لا يقدم ولا يؤخر فانهم يبتعدون.
(شرح سنن الترمذى – كتاب الصلاة – الشريط رقم:64)
.........................
..............................


10- موقف الشيخ صالح الفوزان

سئل الشيخ ـ حفظه الله ـ في شريطٍ مسجَّلٍ عن دخول البرلمانات؟ وقد نشر التسجيل مكتوبا وأقرّه الشيخ،
فأجاب :إذا كان يترتب عليها مصلحة للمسلمين وعلاجٌ لهذه البرلمانات إلى أن تتحوّلإلى الإسلام، فهذا طيّب، أو على الأقل تخفيفُ الشر عن المسلمين، وتحصيلُ بعض المصالح إذا لم يكن تحصيلُ المصالح كلِّها، ولو بعضِها، ولو بعضِالمصالح.
ثم نبه إلى أن ذلك مشروط بعدم التنازل الذي يصل بالإنسان إلى الاعتراف بالكفر، ثم استشهد بقصة يوسف عليه السلام في طلبه للوزارة والدخول فيها، ثمنبه حفظه الله إلى سلامة القصد وإخلاص النية مع ما تقدم من مُلاحظةالمصالح والمفاسد.
(كتاب "الدعوة إلى الجماعة والائتلاف" ص 156 بتقديم الشيخ الفوزان نفسه)
..............................
والحمد لله رب العالمين
كمال الدين حسين

الخميس، 4 مايو 2017

ما حكم صلاة سنة الجمعة القبلية قبل الجمعة و بعد الأذان .. ؟!

  الألباني يمنع سنة الجمعة القبلية قبل الجمعة و بعد الأذان بحجة أنها بدعة

الجواب: ذكر الحافظ زين الدين العراقي في شرح الترمذي أن الخلعي روى في فوائده عن علي بن أبي طالب رضي ‏الله عنه أن الرسول صلى الله عليه و سلم صلى قبل الجمعة أربعًا و بعدها اربعًا و إسناده جيد كما ذكر الحافظ ولي ‏الدين العراقي (1). و خالف الألباني في هذه المسألة الأحاديث الصحيحة فمنع الصلاة قبل الجمعة بحجة أنها بدعة و ‏أنها خلاف السنة حيث قال (2):" و إن قصد الصلاة بين الأذان المشروع و الأذان المحدث تلك التي يسمونها سنة ‏الجمعة القبلية فلا أصل لها في السنة و لم يقل بها أحد من الصحابة و الئمة " اهـ.‏

قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (3):" فائدة: لم يذكر الرافعي في سنة الجمعة التي قبلها حديثًا و اصح ما فيه ‏ما رواه ابن ماجه عن داود بن رشيد عن حفص بن ‏



غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة و عن أبي سفيان عن جابر قالا: جاء سُلَيْك الغَطَفاني و رسول الله ‏صلى الله عليه و سلم يخطب فقال له:" أصليت ركعتين قبل أن تجيء "؟ قال: لا، قال:" فصل ركعتين و تجَوَّز فيهما ‏‏". قال المجد بن تيمية في المنتقى: قوله: " قبل أن تجيء" دليل على أنهما سنة الجمعة التي قبلها لا تحية المسجد و تعقبه ‏المزي بأن الصواب: أصليت ركعتين قبل أن تجلس؟ فَصحَّفه بعض الرواة، و في ابن ماجه عن ابن عباس:" كان النبي ‏صلى الله عليه و سلم يركع قبل الجمعة أربع ركعات لا يفصل بينهن بشىء" و إسناده ضعيف جدًا، و في الباب عن ‏ابن مسعود و علي في الطبراني الأوسط". اهـ.‏

قال الحافظ ولي الدين العراقي عن الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه (4):" رواه ابن ماجه في ‏سننه بإسناد صحيح "اهـ، و قال عن حديث جابر الذي رواه ابن ماجه أيضًا (5):" قال والدي – يعني الحافظ عبد ‏الرحيم العراقي – رحمه الله في شرح الترمذي: و إسناده صحيح" اهـ.‏



و قال الحافظ ابن حجر (6):" و ورد في سنة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفة منها عن أبي هريرة رواه ‏البزاربلفظ:" كان يصلي قبل الجمعة ركعتين و بعدها أربعًا"، و في سنده ضعف" اهـ . ثم قال (7):" و عن ابن ‏مسعود عند الطبراني أيضًا مثله و في إسناده ضعف و انقطاع و رواه عبد الرزاق عن ابن مسعود موقوفًا و هو ‏الصواب و روى ابن سعد عن صفية زوج النبي صلى الله عليه و سلم موقوفًا نحو حديث أبي هريرة" اهـ.‏

أما حديث ابن مسعود الموقوف فقد رواه عبد الرزاق (8) في مصنفه عن معمر عن قتادة:" أن ابن مسعود رضي الله ‏عنه كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات و بعدها أربع ركعات" صححه الحافظ ابن حجر (9) و روى ابن أبي شيبة ‏‏(10) أن ابن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أرعًا و أخرج عبد الرزاق (11) أيضًا أن ابن مسعود كان يأمر بأن ‏يُصلى قبل الجمعة أربعًا، قال الحافظ ابن حجر (12): " و رواته ثقات" اهـ.‏


و روى ابو داود و ابن حبان و غيرهما (13) عن نافع قال:" كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة و يصلي بعدها ‏ركعتين في بيته، و يحدث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يفعل ذلك" و روى ابن سعد في الطبقات (14) ‏عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن صافية سمعها و هي تقول:" رأيت صفية بنت حيي صلت اربعًا قبل خروج ‏الإمام و صلت الجمعة مع الإمام ركعتين".‏

و روى ابن أبي شيبة (15) عن أبي مجلز أنه كان يصلي في بيته ركعتين يوم الجمعة و عن عبد الله بن طاوس عن أبيه ‏أنه كان لا يأتي المسجد يوم الجمعة حتى يصلي في بيته ركعتين و عن الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يصلون قبلها ‏أي الجمعة أربعًا.‏

و قد ورد عن ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين و بعدها ركعتين و بعد ‏المغرب ركعتين في بيته و بعد العشاء ركعتين و كان لا يصلي بعد الجمعة حتى



ينصرف فيصلي ركعتين"... الحديث رواه البخاري في صحيحه تحت باب الصلاة بعد الجمعة و قبلها قال الحافظ ابن ‏حجر (16):" و لم يذكر شيئًا في الصلاة قبلها يعني الجمعة قال ابن المنيِّر في الحاشية: كأنه يقول الأصل استواء الظهر ‏و الجمعة حتى يدل دليل على خلافه لأن الجمعة بدل الظهر قال: و كانت عنايته بحكم الصلاة بعدها أكثر و لذلك ‏قدمه في الترجمة على خلاف العادة في تقديم القبل على البعد".اهـ، ثم قال:" و قال ابن التين: لم يقع ذكر الصلاة ‏قبل الجمعة في هذا الحديث فلعل البخاري أراد إثباتها قياسًا على الظهر انتهى، و قوَّاه الزين ابن المنير بأنه قصد التسوية ‏بين الإمام و المأمومفي الحكم و ذلك يقتضي أن النافلة لهما سواء. انتهى، و الذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما وقع ‏في بعض طرق حديث الباب و هو ما رواه أبو داود و ابن حبان من طريق أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل ‏الصلاة قبل الجمعة و يصلي بعدها ركعتين في بيته و يحدث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يفعل ذلك ‏اححتج به النووي في الخلاصة على إثبات سنة الجمعة التي قبلها" اهـ.‏


قال الزيلعلي (17): " و لم يذكر الشيخ محيي الدين النووي في الباب غير حديث عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله ‏عليه و سلم قال: " بين كل أذانين صلاة " أخرجه البخاري و مسلم (18) ذكره في كتاب الصلاة و ذكر أيضًا ‏حديث نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة و يصلي بعدها ركعتين في بيته و يحدث أن رسول الله صلى ‏الله عليه و سلم يفعل ذلك اهـ. قال: رواه أبو داود بسند على شرط البخاري انتهى، و سنة الجمعة ذكرها صاحب ‏الكتاب- في الاعتكاف- فقال: السنة قبل الجمعة أربع و بعدها أربع و أشار إليها في إدراك الفريضة فقال: و لو ‏أقيمت و هو في الظهر أو الجمعة فإنه يقطع على رأس الركعتين و قيل: يتمها " اهـ.‏

قال الحافظ ابن حجر (19): " و اقوى ما يتمسك به في مشروعية ركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان ‏‏(20) من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعًا:" ما من صلاة مفروضة إلا و بين يديها ركعتان " و مثله (21) ‏حديث عبد الله بن مغفل



الماضي في وقت المغرب:" بين كل أذانين صلاة " اهـ.‏

قال ابن العربي المالكي في شرح الترمذي (22):" و أما الصلاة قبلها يعني الجمعة فإنه جائز " اهـ.‏

قال ابو عبد الرحمن شرف الحق العظيم ءابادي (23) ما نصه:" و الحديث- أي حديث ابن عمر المتقدم- يدل على ‏مشروعية الصلاة قبل الجمعة و لم يتمسك المانع من ذلك إلا بحديث النهي عن الصلاة وقت الزوال و هو مع كون ‏عمومه مخصصًا بيوم الجمعة ليس فيه ما يدل على المنع من الصلاة قبل الجمعة على الإطلاق و غاية ما فيه المنع في ‏وقت الزوال و هو غير محل النزاع و الحاصل أن الصلاة قبل الجمعة مرغب فيها عمومًا"، ثم قال (24):" قلت: ‏حديث ابن عمر الذي شرحه قال النووي في الخلاصة: صحيح على شرط البخاري و قال العراقي في شرح الترمذي: ‏إسناده صحيح لا جرم و اخرجه ابن حبان في صحيحه" اهـ.‏
و يكفي في مشروعية ركعتين قبل الجمعة فعل الصحابي الجليل ابن مسعود و ابن عمر و أم المؤمنين صفية بنت حيي


رضي الله عنهم و فعل أبي مجلز و هو لاحق بن حميد تابعي جليل و طاوس بن كيسان اليماني أحد أكابر تلاميذ ابن ‏عباس رضي الله عنهم و من سادات التابعين و ثقاتهم و إبراهيم بن يزيد النخعي و هو تابعي ثقة و مفتي أهل الكوفة ‏في زمانه و إقرار سفيان الثوري و ابن المبارك اللذين هما من أكابر العلماء العاملين و يكفي تصحيح الحافظ الثقة ‏الثبت الزين العراقي شيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني للحديث و غيرُه.‏
و في ختام ردنا نوجه كلمة لناصر اللباني نقول له فيها: لقد خالفت في هذا زعيمك الحراني الذي تسميه شيخ ‏الإسلام فقد أجاز صلاة النافلة قبل الجمعة فقال:" من فعل ذلك ذلك لم يُنكر عليه"، كما نقل عنه صاحب ‏الإنصاف" الحنبلي (25).‏

و لقد تبين من هذا الرد المختصر مشروعية صلاة النافلة قبل صلاة الجمعة من أقوال أهل العلم و المعرفة و بهذا نكون ‏قد فندنا قول الألباني:" إن سنة الجمعة القبلية لا اصل لها في السنة الصحيحة و إنه لم يقل أحد من الأئمة بها بل هو ‏أمر محدث".‏

و تبين بذلك التذبذب و الاختلاف بين الألباني و زعيمه الحرَّاني ابن تيمية.‏
‏----------------------------------------‏

‏(1)- طرح التثريب في شرح التقريب (3/42).‏
‏(2)- انظر كتابه المسمى الأجوبة النافعة (ص/41).‏
‏(3)- تلخيص الحبير (2/74).‏
‏(4)- طرح التثريب في شرح التقريب (3/42).‏
‏(5)- المرجع السابق.‏
‏(6)- فتح الباري (2/426).‏
‏(7)- المرجع السابق.‏
‏(8)- مصنف عبد الرزاق (3/247).‏
‏(9)- تلخيص الحبير (2/74).‏
‏(10)- مصنف ابن أبي شيبة (1/463).‏
‏(11)- مصنف عبد الرزاق (2/247).‏
‏(12)- الدراية في تخريج أحاديث الهداية (ص/ 218).‏


‏(13)- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب الصلاة بعد الجمعة، و ابن حبان في صحيحه انظر الإحسان ‏‏(4/84)، و ابن خزيمة في صحيحه (3/168)، و أحمد في مسنده (2/103).‏
‏(14)- طبقات ابن سعد (8/491).‏
‏(15)- مصنف ابن أبي شيبة (1/463).‏
‏(16)- فتح الباري (2/426).‏
‏(17)- نصب الراية لأحاديث الهداية (2/207).‏
‏(18)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأذان: باب بين كل أذانين صلاة، و مسلم في صحيحه: كتاب صلاة ‏المسافرين و قصرها: باب بين كل أذانين صلاة.‏
‏(19)- فتح الباري(2/426).‏
‏(20)- أخرجه ابن حبان في صحيحه انظر الإحسان (4/77-78).‏
‏(21)- انظر الإحسان بترتيب ابن حبان (2/48-49، 7/523).‏
‏(22)- شرح الترمذي (2/312).‏
‏(23)- عون المعبود على سنن أبي داود (1/438).‏
‏(24)- عون المعبود على سنن أبي داود (1/439).‏
‏(25)- الإنصاف (2/406).‏



ما هو الرأي الراجح في الفقه الإسلامي حول الغناء والموسيقى ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
سؤال يتردد علي ألسنة كثيرين في مجالات مختلفة وأحيانًا شتي

سؤال اختلف جمهور المسلمين اليوم في الإجابة عليه، واختلف سلوكهم تبعًا لاختلاف أجوبتهم، فمنهم من يفتح أذنيه لكل نوع من أنواع الغناء، ولكل لون من ألوان الموسيقي مدعيًا أن ذلك حلال طيب من طيبات الحياة التي أباح الله لعباده.
ومنهم من يغلق الراديو أو يغلق أذنيه عند سماع أية أغنية قائلا: إن الغناء مزمار الشيطان، ولهو الحديث ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة وبخاصة إذا كان المغني امرأة، فالمرأة -عندهم- صوتها عورة بغير الغناء، فكيف بالغناء؟ ويستدلون لذلك بآيات وأحاديث وأقوال
ومن هؤلاء من يرفض أي نوع من أنواع الموسيقي، حتي المصاحبة لمقدمات نشرات الأخبار.
ووقف فريق ثالث مترددًا بين الفريقين؛ ينحاز إلي هؤلاء تارة، وإلي أولئك طورًا، ينتظر القول الفصل والجواب الشافي من علماء الإسلام في هذا الموضوع الخطير، الذي يتعلق بعواطف الناس وحياتهم اليومية، وخصوصًا بعد أن دخلت الإذاعة –المسموعة والمرئية- علي الناس بيوتهم، بجدها وهزلها، وجذبت إليها أسماعهم بأغانيها وموسيقاها طوعًا وكرهًا.
والغناء بآلة -أي مع الموسيقي- وبغير آلة: مسألة ثار فيها الجدل والكلام بين علماء الإسلام منذ العصور الأولي، فاتفقوا في مواضع واختلفوا في أخري.
اتفقوا علي تحريم كل غناء يشتمل علي فحش أو فسق أو تحريض علي معصية، إذ الغناء ليس إلا كلامًا، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، وكل قول يشتمل علي حرام فهو حرام، فما بالك إذا اجتمع له الوزن والنغم والتأثير ؟ واتفقوا علي إباحة ما خلا من ذلك من الغناء الفطري الخالي من الآلات والإثارة، وذلك في مواطن السرور المشروعة، كالعرس وقدوم الغائب، وأيام الأعياد، ونحوها بشرط ألا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب منها
وقد وردت في ذلك نصوص صريحة – سنذكرها فيما بعد.

واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافًا بينا: فمنهم من أجاز كل غناء بآلة وبغير آلة، بل اعتبره مستحبًا، ومنهم من منعه بآلة وأجازه بغير آلة، ومنهم من منعه منعًا باتًا بآلة وبغير آلة وعده حرامًا، بل ربما ارتقي به إلي درجة الكبيرة.
ولأهمية الموضوع نري لزامًا علينا أن نفصل فيه بعض التفصيل، ونلقي عليه أضواء كاشفة لجوانبه المختلفة، حتي يتبين المسلم الحلال فيه من الحرام، متبعًا للدليل الناصع، لا مقلدًا قول قائل، وبذلك يكون علي بينة من أمره، وبصيرة من دينه.
الأصل في الأشياء الإباحة: ـ قرر علماء الإسلام أن الأصل في الأشياء الإباحة لقوله تعالي: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا) (البقرة: 29)، ولا تحريم إلا بنص صحيح صريح من كتاب الله تعالي، أو سنة رسوله –صلي الله عليه وسلم- أو إجماع ثابت متيقن، فإذا لم يرد نص ولا إجماع. أو ورد نص صريح غير صحيح، أو صحيح غير صريح، بتحريم شيء من الأشياء، لم يؤثر ذلك في حله، وبقي في دائرة العفو الواسعة، قال تعالي: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه). (الأنعام: 119).

وقال رسول الله –صلي الله عليه وسلم-: “ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسي شيئا”، وتلا: (وما كان ربك نسيا) (مريم: 64). رواه الحاكم عن أبي الدرداء وصححه، وأخرجه البزار

وقال: “إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها” أخرجه الداراقطني عن أبي ثعلبة الخشني. وحسنه الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه، والنووي في الأربعين
وإذا كانت هذه هي القاعدة فما هي النصوص والأدلة التي استند إليها القائلون بتحريم الغناء، وما موقف المجيزين منها.
أدلة المحرمين للغناء ومناقشتها استدل المحرمون بما روي عن ابن مسعود وابن عباس وبعض التابعين: أنهم حرموا الغناء محتجين بقول الله تعالي: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين). (لقمان: 6) وفسروا لهو الحديث بالغناء
قال ابن حزم: ولا حجة في هذا لوجوه

أحدها: أنه لا حجة لأحد دون رسول الله -صلي الله عليه وسلم
والثاني: أنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة والتابعين
والثالث: أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها؛ لأن الآية فيها: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا) وهذه صفة من فعلها كان كافرًا بلا خلاف، إذ اتخذ سبيل الله هزوًا.

ولو أن امرأ اشتري مصحفًا ليضل به عن سبيل الله ويتخذه هزوا لكان كافرًا ! فهذا هو الذي ذم الله تعالي، وما ذم قط عز وجل من اشتري لهو الحديث ليتلهي به ويروح نفسه لا ليضل عن سبيل الله تعالي. فبطل تعلقهم بقول كل من ذكرنا وكذلك من اشتغل عامدًا عن الصلاة بقراءة القرآن أو بقراءة السنن، أو بحديث يتحدث به، أو بنظر في ماله أو بغناء أو بغير ذلك، فهو فاسق عاص لله تعالي، ومن لم يضيع شيئًا من الفرائض اشتغالاً بما ذكرنا فهو محسن. (المحلي لابن حزم (9/60) ط المنيرية). أ هـ.
واستدلوا بقوله تعالي في مدح المؤمنين: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) (القصص: 55). والغناء من اللغو فوجب الإعراض عنه

ويجاب بأن الظاهر من الآية أن اللغو: سفه القول من السب والشتم ونحو ذلك، وبقية الآية تنطق بذلك. قال تعالي: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) (القصص: 55)، فهي شبيهة بقوله تعالي في وصف عباد الرحمن: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا). (الفرقان: 63
ولو سلمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الإعراض عن سماعه وتمدحه، وليس فيها ما يوجب ذلك وكلمة اللغو ككلمة الباطل تعني ما لا فائدة فيه، وسماع ما لا فائدة فيه ليس محرمًا ما لم يضيع حقًا أو يشغل عن واجب.
روي عن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له: أيؤتي به يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات؛ لأنه شبيه باللغو، قال تعالي: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم). (البقرة: 225، والمائدة: 89
قال الإمام الغزالي: (إذا كان ذكر اسم الله تعالي علي الشيء علي طريق القسم من غير عقد عليه ولا تصميم، والمخالفة فيه، مع أنه لا فائدة فيه، لا يؤاخذ به، فكيف يؤاخذ بالشعر والرقص ؟!). (إحياء علوم الدين. كتاب السماع ص 1147 ط دار الشعب بمصر

علي أننا نقول: ليس كل غناء لغوا؛ إنه يأخذ حكمه وفق نية صاحبه، فالنية الصالحة تحيل اللهو قربة، والمزح طاعة، والنية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة وباطنه الرياء: “إن الله لا ينظر إلي صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلي قلوبكم وأعمالكم”. (رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم).

وننقل هنا كلمة جيدة قالها ابن حزم في “المحلي” ردًا علي الذين يمنعون الغناء قال: (احتجوا فقالوا: من الحق الغناء أم من غير الحق ؟ ولا سبيل إلي قسم ثالث، وقد قال الله تعالي: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) (يونس: 32). فجوابنا وبالله التوفيق: أن رسول الله –صلي الله عليه وسلم- قال: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي” (متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب، وهو أول حديث في صحيح البخاري). فمن نوي باستماع الغناء عونًا علي معصية الله فهو فاسق وكذلك كل شيء غير الغناء، ومن نوي به ترويح نفسه ليقوي بذلك علي طاعة الله عز وجل، وينشط نفسه بذلك علي البر فهو مطيع محسن، وفعله هذا من الحق. ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلي بستانه، وقعوده علي باب داره متفرجًا، وصبغه ثوبه لازورديًا أو أخضر أو غير ذلك ومد ساقه وقبضها، وسائر أفعاله). (المحلي. 9/60).
جـ- واستدلوا بحديث: “كل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه” رواه أصحاب السنن الأربعة، وفيه اضطراب، والغناء خارج عن هذه الثلاثة

وأجاب المجوزون بضعف الحديث، ولو صح لما كان فيه حجة، فإن قوله: “فهو باطل” لا يدل علي التحريم بل يدل علي عدم الفائدة. فقد ورد عن أبي الدرداء قوله: إني لأستجم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أقوي لها علي الحق. علي أن الحصر في الثلاثة غير مراد، فإن التلهي بالنظر إلي الحبشة وهم يرقصون في المسجد النبوي خارج عن تلك الأمور الثلاثة، وقد ثبت في الصحيح. ولا شك أن التفرج في البساتين وسماع أصوات الطيور، وأنواع المداعبات مما يلهو به الرجل، ولا يحرم عليه شيء منها، وإن جاز وصفه بأنه باطل.
واستدلوا بالحديث الذي رواه البخاري -معلقا- عن أبي مالك أو أبي عامر الأشعري -شك من الراوي- عن النبي -عليه السلام- قال: “ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحر (الحر: أي الفرج والمعني يستحلون الزني). والحرير والخمر والمعازف”. والمعازف: الملاهي، أو آلات العزف

والحديث وإن كان في صحيح البخاري، إلا أنه من “المعلقات” لا من “المسندات المتصلة” ولذلك رده ابن حزم لانقطاع سنده، ومع التعليق فقد قالوا: إن سنده ومتنه لم يسلما من الاضطراب، فسنده يدور علي (هشام بن عمار) (انظر: الميزان وتهذيب التهذيب). وقد ضعفه الكثيرون
ورغم ما في ثبوته من الكلام، ففي دلالته كلام آخر؛ إذ هو غير صريح في إفادة حرمة “المعازف” فكلمة “يستحلون” –كما ذكر ابن العربي- لها معنيان: أحدهما: يعتقدون أن ذلك حلال، والثاني: أن يكون مجازًا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور، إذ لو كان المقصود بالاستحلال: المعني الحقيقي، لكان كفرًا.
ولو سلمنا بدلالتها علي الحرمة لكان المعقول أن يستفاد منها تحريم المجموع، لا كل فرد منها، فإن الحديث في الواقع ينعي علي أخلاق طائفة من الناس انغمسوا في الترف والليالي الحمراء وشرب الخمور. فهم بين خمر ونساء، ولهو وغناء، وخز وحرير. ولذا روي ابن ماجة هذا الحديث عن أبي مالك الأشعري بلفظ: “ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف علي رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير“، وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه.

هـ- واستدلوا بحديث: “إن الله تعالي حرم القينة (أي الجارية) وبيعها وثمنها وتعليمها
والجواب عن ذلك
أولا: أن الحديث ضعيف
ثانيا: قال الغزالي: المراد بالقينة الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب، وغناء الأجنبية للفساق ومن يخاف عليهم الفتنة حرام، وهم لا يقصدون بالفتنة إلا ما هو محظور. فأما غناء الجارية لمالكها، فلا يفهم تحريمه من هذا الحديث. بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة، بدليل ما روي في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضي الله تعالي عنها. (الإحياء ص 1148) وسيأتي.
ثالثا: كان هؤلاء القيان المغنيات يكون عنصرًا هامًا من نظام الرقيق، الذي جاء الإسلام بتصفيته تدريجيًا، فلم يكن يتفق وهذه الحكمة إقرار بقاء هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي، فإذا جاء حديث بالنعي علي امتلاك “القينة” وبيعها، والمنع منه، فذلك لهدم ركن من بناء “نظام الرق” العتيد

واستدلوا بما روي نافع أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع، أتسمع ؟ فأقول: نعم، فيمضي، حتي قلت: لا. فرفع يده وعدل راحلته إلي الطريق وقال: “رأيت رسول الله يسمع زمارة راع فصنع مثل هذا” رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة
والحديث قال عنه أبو داود: حديث منكر.
ولو صح لكان حجة علي المحرمين لا لهم. فلو كان سماع المزمار حرامًا ما أباح النبي -صلي الله عليه وسلم- لابن عمر سماعه، ولو كان عند ابن عمر حرامًا ما أباح لنافع سماعه، ولأمر عليه السلام بمنع وتغيير هذا المنكر، فإقرار النبي -صلي الله عليه وسلم- لابن عمر دليل علي أنه حلال
وإنما تجنب عليه السلام سماعه كتجنبه أكثر المباح من أمور الدنيا كتجنبه الأكل متكئًا وأن يبيت عنده دينار أو درهم …. إلخ.

واستدلوا أيضًا لما روي: “إن الغناء ينبت النفاق في القلب” ولم يثبت هذا حديثًا عن النبي -صلي الله عليه وسلم-، وإنما ثبت قولاً لبعض الصحابة، فهو رأي لغير معصوم خالفه فيه غيره، فمن الناس من قال -وبخاصة الصوفية- إن الغناء يرقق القلب، ويبعث الحزن والندم علي المعصية، ويهيج الشوق إلي الله تعالي، ولهذا اتخذوه وسيلة لتجديد نفوسهم، وتنشيط عزائمهم، وإثارة أشواقهم، قالوا: وهذا أمر لا يعرف إلا بالذوق والتجربة والممارسة، ومن ذاق عرف، وليس الخبر كالعيان.

علي أن الإمام الغزالي جعل حكم هذه الكلمة بالنسبة للمغني لا للسامع، إذ كان غرض المغني أن يعرض نفسه علي غيره ويروج صوته عليه، ولا يزال ينافق ويتودد إلي الناس ليرغبوا في غنائه. ومع هذا قال الغزالي: وذلك لا يوجب تحريمًا، فإن لبس الثياب الجميلة، وركوب الخيل المهلجة، وسائر أنواع الزينة، والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع وغير ذلك، ينبت النفاق في القلب، ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله، فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصي فقط، بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرًا (الإحياء ص 1151) .

واستدلوا علي تحريم غناء المرأة خاصة، بما شاع عند بعض الناس من أن صوت المرأة عورة. وليس هناك دليل ولا شبه دليل من دين الله علي أن صوت المرأة عورة، وقد كان النساء يسألن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في ملأ من أصحابه وكان الصحابة يذهبون إلي أمهات المؤمنين ويستفتونهن ويفتينهم ويحدثنهم، ولم يقل أحد: إن هذا من عائشة أو غيرها كشف لعورة يجب أن تستر
فإن قالوا: هذا في الحديث العادي لا في الغناء، قلنا: روي الصحيحان أن النبي سمع غناء الجاريتين ولم ينكر عليهما، وقال لأبي بكر: دعهما. وقد سمع ابن جعفر وغيره من الصحابة والتابعين الجواري يغنين.

والخلاصة: أن النصوص التي استدل بها القائلون بالتحريم إما صحيح غير صريح، أو صريح غير صحيح. ولم يسلم حديث واحد مرفوع إلي رسول الله يصلح دليلاً للتحريم، وكل أحاديثهم ضعفها جماعة من الظاهرية والمالكية والحنابلة والشافعية

قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب “الأحكام”: لم يصح في التحريم شيء
وكذا قال الغزالي وابن النحوي في العمدة
وقال: ابن طاهر: لم يصح منها حرف واحد
وقال ابن حزم: كل ما رُوي فيها باطل وموضوع.


أدلة المجيزين للغناء
تلك هي أدلة المحرمين، وقد سقطت واحدًا بعد الآخر، ولم يقف دليل منها علي قدميه، وإذا انتفت أدلة التحريم بقي حكم الغناء علي أصل الإباحة بلا شك، ولو لم يكن معنا نص أو دليل واحد علي ذلك غير سقوط أدلة التحريم. فكيف ومعنا نصوص الإسلام الصحيحة الصريحة، وروحه السمحة، وقواعده العامة، ومبادئه الكلية ؟ وهاك بيانها:
أولا: من حيث النصوص

استدلوا بعدد من الأحاديث الصحيحة، منها: حديث غناء الجاريتين في بيت النبي -صلي الله عليه وسلم- عند عائشة، وانتهار أبي بكر لهما، وقوله: مزمور الشيطان في بيت النبي -صلي الله عليه وسلم-، وهذا يدل علي أنهما لم تكونا صغيرتين كما زعم بعضهم، فلو صح ذلك لم تستحقا غضب أبي بكر إلي هذا الحد.
والمعول عليه هنا هو رد النبي -صلي الله عليه وسلم- علي أبي بكر -رضي الله عنه- وتعليله: أنه يريد أن يعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأنه بعث بحنيفية سمحة. وهو يدل علي وجوب رعاية تحسين صورة الإسلام لدي الآخرين، وإظهار جانب اليسر والسماحة فيه
وقد روي البخاري وأحمد عن عائشة أنها زفت امرأة إلي رجل من الأنصار فقال النبي -صلي الله عليه وسلم-: “يا عائشة، ما كان معهم من لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو

وروي ابن ماجة عن ابن عباس قال: أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله فقال: “أهديتم الفتاة ؟” قالوا: نعم قال: “أرسلتم معها من يغني ؟” قالت: لا. فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: “إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم .. فحيانا وحياكم ؟!
وروي النسائي والحاكم وصححه عن عامر بن سعد قال: دخلت علي قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس، وإذا جوار يغنين. فقلت: أي صاحبي رسول الله أهل بدر يفعل هذا عندكم ؟! فقالا: اجلس إن شئت فاستمع معنا، وإن شئت فاذهب، فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس

وروي ابن حزم بسنده عن ابن سيرين: أن رجلاً قدم المدينة بجوار فأتي عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه، فأمر جارية منهن فغنت، وابن عمر يسمع، فاشتراها ابن جعفر بعد مساومة، ثم جاء الرجل إلي ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، غبنت بسبعمائة درهم ! فأتي ابن عمر إلي عبد الله بن جعفر فقال له: إنه غبن بسبعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه، وإما أن ترد عليه بيعه، فقال: بل نعطيه إياها. قال ابن حزم: فهذا ابن عمر قد سمع الغناء وسعي في بيع المغنية، وهذا إسناد صحيح لا تلك الأسانيد الملفقة الموضوعة.

واستدلوا بقوله تعالي: (وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائمًا قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين). (الجمعة: 11
فقرن اللهو بالتجارة، ولم يذمهما إلا من حيث شغل الصحابة بهما -بمناسبة قدوم القافلة وضرب الدفوف فرحًا بها- عن خطبة النبي -صلي الله عليه وسلم-، وتركه قائمًا

واستدلوا بما جاء عن عدد من الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم باشروا السماع بالفعل أو أقروه. وهم القوم يقتدي بهم فيهتدي
واستدلوا لما نقله غير واحد من الإجماع علي إباحة السماع، كما سنذكره بعد.
وثانيا: من حيث روح الإسلام وقواعده

لا شيء في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس، وتستطيبها العقول، وتستحسنها الفطر، وتشتهيها الأسماع، فهو لذة الأذن، كما أن الطعام الهنيء لذة المعدة، والمنظر الجميل لذة العين، والرائحة الذكية لذة الشم … إلخ، فهل الطيبات أي المستلذات حرام في الإسلام أم حلال ؟ من المعروف أن الله تعالي كان قد حرم علي بني إسرائيل بعض طيبات الدنيا عقوبة لهم علي سوء ما صنعوا، كما قال تعالي: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا. وأخذهم الربا وقد نهو عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل) (النساء: 160، 161). فلما بعث الله محمدًا –صلي الله عليه وسلم- جعل عنوان رسالته في كتب الأولين (الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم). (الأعراف: 157).

فلم يبق في الإسلام شيء طيب أي تستطيبه الأنفس والعقول السليمة إلا أحله الله، رحمة بهذه الأمة لعموم رسالتها وخلودها. قال تعالي: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات). (المائدة: 4

ولم يبح الله لواحد من الناس أن يحرم علي نفسه أو علي غيره شيئًا من الطيبات مما رزق الله مهما يكن صلاح نيته أو ابتغاء وجه الله فيه، فإن التحليل والتحريم من حق الله وحده، وليس من شأن عباده، قال تعالي: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالاً قل آلله أذن لكم أم علي الله تفترون) (يونس: 59). وجعل سبحانه تحريم ما أحله من الطيبات كإحلال ما حرم من المنكرات، كلاهما يجلب سخط الله وعذابه، ويردي صاحبه في هاوية الخسران المبين، والضلال البعيد، قال جل شأنه ينعي علي من فعل ذلك من أهل الجاهلية: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء علي الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين). (الأنعام: 140).

ولو تأملنا لوجدنا حب الغناء والطرب للصوت الحسن يكاد يكون غريزة إنسانية وفطرة بشرية، حتي إننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يسكته الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلي الإصغاء إليه ولذا تعودت الأمهات والمرضعات والمربيات الغناء للأطفال منذ زمن قديم، بل نقول: إن الطيور والبهائم تتأثر بحسن الصوت والنغمات الموزونة حتي قال الغزالي في الإحياء: (من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته علي الجمال والطيور وجميع البهائم، إذ الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرًا يستخف معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر -لقوة نشاطه في سماعه- المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه. فتري الإبل إذا سمعت الحادي تمد أعناقها، وتصغي إليه ناصبة آذانها، وتسرع في سيرها، حتي تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها) .
وإذا كان حب الغناء غريزة وفطرة فهل جاء الدين لمحاربة الغرائز والفطر والتنكيل بها ؟ كلا، إنما جاء لتهذيبها والسمو بها، وتوجيهها التوجيه القويم، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: إن الأنبياء قد بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديلها وتغييرها
ومصداق ذلك أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: “ما هذان اليومان؟” قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية: فقال عليه السلام: “إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحي ويوم الفطر” رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

وقالت عائشة: “لقد رأيت النبي يسترني بردائه، وأنا أنظر إلي الحبشة يلعبون في المسجد، حتي أكون أنا التي أسأمه -أي اللعب- فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة علي اللهو

وإذا كان الغناء لهوا ولعبًا فليس اللهو واللعب حرامًا، فالإنسان لا صبر له علي الجد المطلق والصرامة الدائمة.

قال النبي -صلي الله عليه وسلم- لحنظلة -حين ظن نفسه قد نافق لمداعبته زوجه وولده وتغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: “يا حنظلة، ساعة وساعة” رواه مسلم
وقال علي بن أبي طالب: روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا أكرهت عميت
وقال كرم الله وجهه: إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة

وقال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو ليكون أقوي لها علي الحق.
وقد أجاب الإمام الغزالي عمن قال: إن الغناء لهو ولعب بقوله: (هو كذلك، ولكن الدنيا كلها لهو ولعب … وجميع المداعبة مع النساء لهو، إلا الحراثة التي هي سبب وجود الولد، وكذلك المزح الذي لا فحش فيه حلال، نقل ذلك عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وعن الصحابة

وأي لهو يزيد علي لهو الحبشة والزنوج في لعبهم، فقد ثبت بالنص إباحته. علي أني أقول: اللهو مروح للقلب، ومخفف عنه أعباء الفكر، والقلوب إذا أكرهت عميت، وترويحها إعانة لها علي الجد، فالمواظب علي التفكر مثلاً ينبغي أن يتعطل يوم الجمعة؛ لأن عطلة يوم تساعد علي النشاط في سائر الأيام، والمواظب علي نوافل الصلوات في سائر الأوقات ينبغي أن يتعطل في بعض الأوقات، ولأجله كرهت الصلاة في بعض الأوقات، فالعطلة معونة علي العمل، اللهو معين علي الجد ولا يصبر علي الجد المحض، والحق المر، إلا نفوس الأنبياء عليهم السلام، فاللهو دواء القلب من داء الإعياء، فينبغي أن يكون مباحًا، ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه، كما لا يستكثر من الدواء. فإذًا اللهو علي هذه النية يصير قربة، هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها، بل ليس له إلا اللذة والاستراحة المحضة، فينبغي أن يستحب له ذلك، ليتوصل به إلي المقصود الذي ذكرناه. نعم هذا يدل علي نقصان عن ذروة الكمال، فإن الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروح نفسه بغير الحق، ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومن أحاط بعلم علاج القلوب، ووجوه التلطف بها، وسياقتها إلي الحق، علم قطعًا أن ترويحها بأمثال هذه الأمور دواء نافع لا غني عنه) انتهي كلام الغزالي (الإحياء: كتاب السماع ص 1152، 1153)، وهو كلام نفيس يعبر عن روح الإسلام الحقة

القائلون بإجازة الغناء
تلك هي الأدلة المبيحة للغناء من نصوص الإسلام وقواعده، فيها الكفاية كل الكفاية ولو لم يقل بموجبها قائل، ولم يذهب إلي ذلك فقيه، فكيف وقد قال بموجبها الكثيرون من صحابة وتابعين وأتباع وفقهاء ؟ وحسبنا أن أهل المدينة -علي ورعهم- والظاهرية- علي حرفيتهم وتمسكهم بظواهر النصوص -والصوفية- علي تشددهم وأخذهم بالعزائم دون الرخص- روي عنهم إباحة الغناء
قال الإمام لشوكاني في “نيل الأوطار”: (ذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر، وجماعة الصوفية، إلي الترخيص في الغناء، ولو مع العود واليراع. وحكي الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في مؤلفه في السماع: أن عبد الله بن جعفر كان لا يري بالغناء بأسًا، ويصوغ الألحان لجواريه، ويسمعها منهن على أوتاره. وكان ذلك في زمن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه
وحكي الأستاذ المذكور مثل ذلك أيضًا عن القاضي شريح، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، والشعبي) .

وقال إمام الحرمين في النهاية، وابن أبي الدنيا: (نقل الأثبات من المؤرخين: أن عبد الله بن الزبير كان له جوار عوادات، وأن ابن عمر دخل إليه وإلي جنبه عود، فقال: ما هذا يا صاحب رسول الله ؟! فناوله إياه، فتأمله ابن عمر فقال: هذا ميزان شامي ؟ قال ابن الزبير: يوزن به العقول

وروي الحافظ أبو محمد بن حزم في رسالة في السماع بسنده إلي ابن سيرين قال: (إن رجلاً قدم المدينة بجوار فنزل علي ابن عمر، وفيهن جارية تضرب. فجاء رجل فساومه، فلم يهو فيهن شيئًا. قال: انطلق إلي رجل هو أمثل لك بيعًا من هذا. قال: من هو ؟ قال: عبد الله بن جعفر .. فعرضهن عليه، فأمر جارية منهن، فقال لها: خذي العود، فأخذته، فغنت، فبايعه ثم جاء ابن عمر … إلخ. القصة) .

وروي صاحب “العقد” العلامة الأديب أبو عمر الأندلسي: أن عبد الله بن عمر دخل علي ابن جعفر فوجد عنده جارية في حجرها عود، ثم قال لابن عمر: هل تري بذلك بأسًا ؟ قال: لا بأس بهذا، وحكي الماوردي عن معاوية وعمرو بن العاص:أنهما سمعًا العود عند ابن جعفر، وروي أبو الفرج الأصبهاني: أن حسان بن ثابت سمع من عزة الميلاء الغناء المزهر بشعر من شعره

وذكر أبو العباس المبرد نحو ذلك. والمزهر عند أهل اللغة: العود
وذكر الأدفوي أن عمر بن عبد العزيز كان يسمع جواريه قبل الخلافة. ونقل ابن السمعاني الترخيص عن طاووس، ونقله ابن قتيبة وصاحب الإمتاع عن قاضي المدينة سعد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري من التابعين. ونقله أبو يعلي الخليلي في الإرشاد عن عبد العزيز بن سلمة الماجشون مفتي المدينة.
وحكي الروياني عن القفال أن مذهب مالك بن أنس إباحة الغناء بالمعازف، وحكي الأستاذ أبو منصور الفوراني عن مالك جواز العود، وذكر أبو طالب المكي في قوت القلوب عن شعبة أنه سمع طنبورًا في بيت المنهال بن عمروا المحدث المشهور
وحكي أبو الفضل بن طاهر في مؤلفه في السماع أنه لا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود

قال ابن النحوي في العمدة: (وقال ابن طاهر: هو إجماع أهل المدينة. قال ابن طاهر: وإليه ذهبت الظاهرية قاطبة. قال الأدفوي: لم يختلف النقلة في نسبة الضرب إلي إبراهيم بن سعد المتقدم الذكر وهو ممن أخرج له الجماعة كلهم.
وحكي الماوردي إباحة العود عن بعض الشافعية، وحكاه أبو الفضل بن طاهر عن أبي إسحاق الشيرازي، وحكاه الإسنوي في “المهمات” عن الروياني والماوردي، ورواه ابن النحوي عن الأستاذ أبي منصور وحكاه ابن الملقن في العمدة عن ابن طاهر، وحكاه الأدفوي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وحكاه صاحب الإمتاع عن أبي بكر بن العربي، وجزم بالإباحة الأدفوي.

هؤلاء جميعًا قالوا بتحليل السماع مع آلة من الآلات المعروفة -أي آلات الموسيقي- وأما مجرد الغناء من غير آلة فقال الأدفوي في الإمتاع: إن الغزالي في بعض تآليفه الفقهية نقل الاتفاق علي حله، ونقل ابن طاهر إجماع الصحابة والتابعين عليه، ونقل التاج الفزاري وابن قتيبة إجماع أهل الحرمين عليه، ونقل ابن طاهر وابن قتيبة أيضًا إجماع أهل المدينة عليه، وقال الماوردي: لم يزل أهل الحجاز يرخصون فيه في أفضل أيام السنة المأمور فيها بالعبادة والذكر. قال ابن النحوي في العمدة: وقد روي الغناء وسماعه عن جماعة من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عمر -كما رواه ابن عبد البر وغيره- وعثمان- كما نقله الماوردي وصاحب البيان والرافعي -وعبد الرحمن بن عوف- كما رواه ابن أبي شيبة- وأبو عبيدة بن الجراح- كما أخرجه البيهقي- وسعد بن أبي وقاص- كما أخرجه بن قتيبة- وأبو مسعود الأنصاري- كما أخرجه البيهقي- وبلال وعبد الله بن الأرقم وأسامة بن زيد- كما أخرجه البيهقي أيضا- وحمزة كما في الصحيح- وابن عمر- كما أخرجه ابن طاهر- والبراء بن مالك- كما أخرجه أبو نعيم- وعبد الله بن جعفر- كما رواه ابن عبد البر- وعبد الله بن الزبير- كما نقل أبو طالب المكي- وحسان- كما رواه أبو الفرج الأصبهاني- وعبد الله بن عمرو- كما رواه الزبير بن بكار- وقرظة بن كعب- كما رواه ابن قتيبة- وخوات بن جبير ورباح المعترف- كما أخرجه صاحب الأغاني- والمغيرة بن شعبة- كما حكاه أبو طالب المكي- وعمرو بن العاص- كما حكاه الماوردي- وعائشة والربيع- كما في صحيح البخاري وغيره.
وأما التابعون فسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر وابن حسان وخارجة بن زيد وشريح القاضي وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبد الله بن أبي عتيق وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن شهاب الزهري وعمر بن عبد العزيز وسعد بن إبراهيم الزهري

وأما تابعوهم فخلق لا يحصون منهم الأئمة الأربعة وابن عيينة وجمهور الشافعية) . انتهي كلام ابن النحوي. هذا كله ذكره الشوكاني في نيل الأوطار (جـ 8/264-266) .
قيود وشروط لابد من مراعاتها

ولا ننسي أن نضيف إلي هذه الفتوي قيودًا لابد من مراعاتها في سماع الغناء<p>.</p>فقد أشرنا في أول البحث إلي أنه ليس كل غناء مباحًا، فلابد أن يكون موضوعه متفقًا مع أدب الإسلام وتعاليمه
فالأغنية التي تقول: “الدنيا سيجارة وكاس” مخالفة لتعاليم الإسلام الذي يجعل الخمر رجسًا من عمل الشيطان ويلعن شارب “الكأس” عاصرها وبائعها وحاملها وكل من أعان فيها بعمل. والتدخين أيضًا آفة ليس وراءها إلا ضرر الجسم والنفس والمال.
والأغاني التي تمدح الظلمة والطغاة والفسقة من الحكام الذين ابتليت بهم أمتنا، مخالفة لتعاليم الإسلام، الذي يلعن الظالمين، وكل من يعينهم، بل من يسكت عليهم، فكيف بمن يمجدهم ؟

والأغنية التي تمجد صاحب العيون الجريئة أو صاحب العيون جريئة أغنية تخالف أدب الإسلام الذي ينادي كتابه: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم … وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) (النور: 30، 31). ويقول –صلي الله عليه وسلم- يا علي : “لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولي وليست لك الآخرة“.
ثم إن طريقة الأداء لها أهميتها، فقد يكون الموضوع لا بأس به ولا غبار عليه، ولكن طريقة المغني أو المغنية في أدائه بالتكسر في القول، وتعمد الإثارة، والقصد إلي إيقاظ الغرائز الهاجعة، وإغراء القلوب المريضة- ينقل الأغنية من دائرة الإباحة إلي دائرة الحرمة أو الشبهة أو الكراهة من مثل ما يذاع علي الناس ويطلبه المستمعون والمستمعات من الأغاني التي تلح علي جانب واحد، هو جانب الغريزة الجنسية وما يتصل بها من الحب والغرام، وإشعالها بكل أساليب الإثارة والتهيج، وخصوصًا لدي الشباب والشابات.

إن القرآن يخاطب نساء النبي فيقول: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) . فكيف إذا كان مع الخضوع في القول الوزن والنغم والتطريب والتأثير ؟
ومن ناحية ثالثة يجب ألا يقترن الغناء بشيء محرم، كشرب الخمر أو التبرج أو الاختلاط الماجن بين الرجال والنساء، بلا قيود ولا حدود، وهذا هو المألوف في مجالس الغناء والطرب من قديم. وهي الصورة المائلة في الأذهان عند ما يذكر الغناء، وبخاصة غناء الجواري والنساء.

وهذا ما يدل عليه الحديث الذي رواه ابن ماجة وغيره: “ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف علي رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير
وأود أن أنبه هنا علي قضية مهمة، وهي أن الاستماع إلي الغناء في الأزمنة الماضية كان يقتضي حضور مجلس الغناء، ومخالطة المغنين والمغنيات وحواشيهم، وقلما كانت تسلم هذه المجالس من أشياء ينكرها الشرع، ويكرهها الدين
أما اليوم فيستطيع المرء أن يستمع إلي الأغاني وهو بعيد عن أهلها ومجالسها، وهذا لا ريب عنصر مخفف في القضية، ويميل بها إلي جانب الإذن والتيسير.
هذا إلي أن الإنسان ليس عاطفة فحسب، والعاطفة ليست حبًا فقط، والحب لا يختص بالمرأة وحدها، والمرأة ليست جسدًا وشهوة لا غير، لهذا يجب أن نقلل من هذا السيل الغامر من الأغاني العاطفية الغرامية وأن يكون لدينا من أغانينا وبرامجنا وحياتنا كلها توزيع عادل، وموازنة مقسطة بين الدين والدنيا وفي الدنيا بين حق الفرد وحقوق المجتمع، وفي الفرد بين عقله وعاطفته، وفي مجال العاطفة بين عواطف الإنسانية كلها من حب وكره وغيره وحماسة وأبوة وأمومة وبنوة وأخوة وصداقة … إلخ فلكل عاطفة حقها.

أما الغلو والإسراف والمبالغة في إبراز عاطفة خاصة فذلك علي حساب العواطف الأخري، وعلي حساب عقل الفرد وروحه وإرادته، وعلي حساب المجتمع وخصائصه ومقوماته، وعلي حساب الدين ومثله وتوجيهاته.
إن الدين حرم الغلو والإسراف في كل شيء حتي في العبادة فما بالك بالإسراف في اللهو وشغل الوقت به ولو كان مباحًا ؟

إن هذا دليل علي فراغ العقل والقلب من الواجبات الكبيرة، والأهداف العظيمة، ودليل علي إهدار حقوق كثيرة كان يجب أن تأخذ حظها من وقت الإنسان المحمود وعمره القصير، وما أصدق وأعمق ما قال ابن المقفع: (ما رأيت إسرافًا إلا وبجانبه حق مضيع) وفي الحديث: “لا يكون العاقل ظاعنًا إلا لثلاث: مرمة لمعاش، أو تزود لمعاد، أو لذة في غير محرم”، فلنقسم أوقاتنا بين هذه الثلاثة بالقسط ولنعلم أن الله سائل كل إنسان عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه ؟ وبعد هذا الإيضاح تبقي هناك أشياء يكون كل مستمع فيها فقيه نفسه ومفتيها، فإذا كان الغناء أو نوع خاص منه يستثير غريزته، ويغريه بالفتنة، ويسبح به في شطحات الخيال، ويطغي فيه الجانب الحيواني علي الجانب الروحاني، فعليه أن يتجنبه حينئذ، ويسد الباب الذي تهب منه رياح الفتنة علي قلبه ودينه وخلقه فيستريح ويريح.

تحذير من التساهل في إطلاق التحريم

ونختم بحثنا هذا بكلمة أخيرة نوجهها إلي السادة العلماء الذين يستخفون بكلمة “حرام” ويطلقون لها العنان في فتواهم إذا أفتوا، وفي بحوثهم إذا كتبوا، عليهم أن يراقبوا الله في قولهم ويعلموا أن هذه الكلمة “حرام” كلمة خطيرة: إنها تعني عقوبة الله علي الفعل وهذا أمر لا يعرف بالتخمين ولا بموافقة المزاج، ولا بالأحاديث الضعيفة، ولا بمجرد النص عليه في كتاب قديم، إنما يعرف من نص ثابت صريح، أو إجماع معتبر صحيح، وإلا فدائرة العفو والإباحة واسعة، ولهم في السلف الصالح أسوة حسنة.
قال الإمام مالك رضي الله عنه: ما شيء أشد علي من أن أسأل عن مسألة من الحلال والحرام؛ لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهل العلم والفقه ببلدنا، وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام في الفتيا، ولو وقفوا علي ما يصيرون إليه غدًا لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب وعليًا وعامة خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل -وهم خير القرون الذين بعث فيهم النبي -صلي الله عليه وسلم- فكانوا يجمعون أصحاب النبي -صلي الله عليه وسلم- ويسألون، ثم حينئذ يفتون فيها، وأهل زماننا قد هذا صار فخرهم، فبقدر ذلك يفتح لهم من العلم قال: ولم يكن من أمر الناس ولا من مضي من سلفنا الذين يقتدي بهم، ومعول الإسلام عليهم، أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقول: أنا أكره كذا وأري كذا، وأما “حلال” و “حرام” فهذا الافتراء علي الله. أما سمعت قول الله تعالي: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالاً قل آلله أذن لكم أم علي الله تفترون) يونس: 59؛ لأن الحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرماه
ونقل الإمام الشافعي في “الأم” عن الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة قال
أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون في الفتيا أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بينا بلا تفسير.

وحدثنا ابن السائب عن ربيع بن خيثم -وكان أفضل التابعين- أنه قال: إياكم أن يقول الرجل: إن الله أحل هذا أو رضيه، فيقول الله له: لم أحل هذا ولم أرضه، ويقول: إن الله حرم هذا فيقول الله: كذبت لم أحرمه ولم أنه عنه ! وحدثنا بعض أصحابنا عن إبراهيم النخعي أنه حدث عن أصحابه أنهم كانوا إذا أفتوا بشيء أو نهوا عنه، قالوا: هذا مكروه، وهذا لا بأس به، فأما أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام فما أعظم هذا
هذا ما ذكره القاضي أبو يوسف، ونقله الشافعي، ولم ينكر عليه هذا النقل ولا مضمونه بل أقره، وما كان ليقر مثله إلا إذا اعتقد صحته
وقال الله تعالي: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا علي الله الكذب إن الذين يفترون علي الله الكذب لا يفلحون). (النحل: 116
والله أعلم